ما كنا نتوقع أن نعيش هذه اللحظة المؤلمة في تاريخ مصر ثورة 25 يناير "انقلاب عسكري بدعم تيارات المعارضة الليبرالية وبغطاء ديني رسمي بحضور ومباركة شيخ الأزهر وبابا الأقباط"، لكنه حدث لأن مصر 25 يناير هي نفسها مصر أم العجائب، في العادة تحدث الانقلابات العسكرية وتفرض بالتزامن معها الأحكام العرفية واعتقالات رموز الحركة الوطنية وتخلى الشوارع ويروّع الشعب ليكون المشهد عسكريًّا خالصًا، لكن الجديد أيضًا في مصر أم العجائب أن الانقلاب جاء بواجهة مدنية صدَّعت رءوسنا عن الديمقراطية والمدنية وحقوق الإنسان، ثم داست عليها بالأقدام عندما سطع الشعاع الخافت لمقاعد الحكم لمعارضة تتوق له حتى ولو تحالفت مع الشيطان، وباعت الأوطان؛ لذا كان من الطبيعي زيارة البرادعي وعدد من رفاق السيسي للكيان الصهيوني لطلب الدعم والرضا والبركة؛ ولم يتم فرض الأحكام العرفية ليقين السيسي ورفاقه أانه لن ينجح وسيتم اختراقه وإسقاطه، ولم يتم اعتقال رموز الحركة الوطنية، بل تم اختطاف الرئيس المنتخب واتخاذه رهينة مقابل هدوء الشعب والأنصار واعتقال الشرفاء والأمناء بتهم لم تعلن بعد، وهناك محاولات يائسة لفبركة تهم جنائية ستجلب على قادة الانقلاب العار.
لكن الجديد والعجيب في مصرنا الحبيبة هو موقف الملايين من المصريين بمختلف ألوانهم وأفكارهم ومعتقداتهم ضد هذا الانقلاب الدموي الأحمر، وهو ما لم يتوقعه السيسي ورفاقه، الملايين في الشوارع والميادين منذ 21 يومًا، وهو ما لم يحدث في الأيام الأولى لثورة 25 يناير، الملايين في رابعة العدوية والنهضة وأمام الحرس الجمهوري وأمام المخابرات ووزارة الدفاع، فضلاً عن الميادين في 27 محافظة خرجت لدعم الشرعية والدولة الديمقراطية التي اغتصبها السيسي بدعم أمريكي.
نعم حدث الانقلاب في الثالث من يوليو، لكن- وعلى غير المتوقع في حسابات أمريكا والسيسي والبرادعي- اندلعت ثورة لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها، أصحاب الانقلاب في مواجهة ثورة يعانون الفشل والارتباك، على المستوى القمعي حين فشلت مجازر الحرس الجمهوري والنهضة ورمسيس وباقي محافظات مصر التي راح ضحيتها مئات الشهداء وآلالاف الجرحى من فض الثورة والاحتجاج والاعتصام، وعلى المستوى الشعبي حين فشلت حركة تمرد التابعة للمخابرات المصرية في تكرار حشد 30 يونيو ولن يتكرر؛ لأنه تم بطريقة مصطنعة مدفوعة الأجر وبإخراج سينمائي مخادع، وعلى المستوى الاقتصادي حين فشل وهم المنح الواردة من دول الجوار هنا وهناك، بل وصل الأمر لحالة مزرية من التسول بالإعلانات لجمع التبرعات في بعض دول الخليج، وعلى المستوى الإعلامي حين وصل صوت وصورة ملايين المتظاهرين لكل أرجاء الدنيا رغم التعتيم والتضليل الإعلامي الحكومي والخاص المتعمد.
بل فشل الانقلاب على المستوى العسكري والمخابراتي؛ حين فشلت فرق العمليات والمخابرات والشئون المعنوية في كسر إرادة المصريين لاستكمال ثورتهم الجديدة، ثم الفشل المعنوي والاجتماعي بسبب الفجوة التي صنعها السيسي متعمدًا بين الشعب والعديد من ضباط القوات المسلحة الذين كنا- وما زلنا- نكنُّ لهم كل الاحترام والتقدير؛ لذا أصبح من المطلوب وفورًا استكمال الثورة بالوحدة بين الشعب وقواته المسلحة ليكون السيسي ورفاقه خارج المعادلة الوطنية التي انقلبوا عليها بانقلابهم الغادر والدموي.
حفظك الله يا مصر..
---------
• كاتب مصري.