في محاولة لفهم ما يجري حولنا من أحداث.. تقف مصر الآن بعيون وجلة تنتظر المشهد الختامي لما يجري على الأرض منذ يوم ٣٠ يونيو الماضي حتى الآن، وبالطبع من حولها العالم بأنظمته وشعوبه.
والسؤال الدائر هو هل انتهى الربيع العربي إلى غير رجعة ببيان وزير الدفاع في حكومة الرئيس مرسي أول مدني منتخب في تاريخ مصر في ٣ يوليو الماضي؟ أم أنها موجة من موجات المد والجزر في تاريخ الثورة المصرية وحتمًا ستصل إلى منتهاها بتحقيق أهدافها.
لا شك أن سنوات الثورة مليئة بأحداث جسام من أجل انتزاع الحريات وتمزيق الأكمام التي كانت على الأفواه لسنين عدة تجاوزت الستين عامًا، والكل يعلم ذلك، سواء في العهد الناصري ومراكز القوى التى صنعها وصولاً لعهد الديكتاتور السابق حسني مبارك وتغول جهازه المسمى بأمن الدولة في كل مناحي الحياة ومفاصل الدولة.
أو من أجل لقمة العيش وتوفير فرصة عمل لمن يزيد تعدادهم عن أربعين في المئة يعيشون تحت خط الفقر بأقل من ١٥ جنيهًا في اليوم الواحد، يعتركون التحديات والبيروقراطيات في معاناة يومية تجاوزت المقبول بما رأيناه جميعًا من صناعة أزمات مفتعلة عديدة ومتتالية كان على رأسها السولار والبنزين والكهرباء ومياه الري، وصولاً لقطع طرق وسكك حديدية وتعطيل أعمال.
ولا شك أيضًا أن سنوات الثورة الماضية التي قاربت الألف يوم لم تأت حتى الآن بالثأر من قتلة الثوار بمحاكمة عادلة تشفي غليل الشعب المصري وليس أهالي الشهداء وحدهم، فمهرجان البراءة للجميع كان بمثابة "أراجوز" يخرج لسانه للشعب كل يوم في كل بيت ليغيظه في ثورته ويبكيه في دماء شبابه وضياع حقوق شهدائه ومصابيه.
لكن ومع كل ما سبق هناك حق يصارعه باطل و أطرافه معلومة للجميع، فإرادة الشعب القوية في انتخاب ممثليه لمجلس الشعب وانعقاده في ٢٣ يناير ٢٠١٢ حق شهد به الجميع ، أما حلّه يوم ١٤ يونيو ٢٠١٢ أي بعد ١٤٠ يوم فهو باطل استنكره العالم والفاعل المفضوح وقتها هو المجلس العسكرى بقيادة طنطاوي وعنان والسيسي وغيرهم .
وإرادة الشعب القوية الثانية في استكمال الثورة كانت في انتخاب رئيسه كأول رئيس مدني منتخب لأول مرة في التاريخ المصري يقسم اليمين أمام ثلاث جهات مختلفة منها المحكمة الدستورية العليا ليشهد العالم كله هذا العرس الديمقراطي و يمارس مهامه في ١ يوليو ٢٠١٣ وهذا حق شهد عليه وحماه الشعب المصري حتى تم الانقلاب عليه ببيان القوات المسلحة بقيادة السيسي ومن معه في المجلس العسكري في ٣ يوليو الحالي.
وإرادة الشعب أيضًا كانت في الموافقة على دستور يحكم مصر الثورة في ٢٥ ديسمبر ٢٠١٣ ليبطله المجلس العسكري في أقل من ٢٠٠ يوم من إصداره ببيانه العسكري وبجرة قلم. ويستبدله بإعلان دستورى متفق من الجميع على بطلانه.
وأخيرًا يقدم الرئيس المعين على حل السلطة التشريعية الباقية وهي مجلس الشورى ويضعها في يده وحده.
حتى لا نتيه في الملعب السياسي هناك ثلاث ورقات تحكم أي مشهد وعلى كل الأطراف اللاعبة أن تتعامل مع هذه الأوراق حتى تبقى في المشهد وهي "الدعم العالمي الخارجي، المؤسسة العسكرية، الرأي العام الشعبي" وهذا ما حاول أن يفعله الرئيس مرسي خلال الـ٣٦٥ يومًا وهي فترة حكمه مع كل من المؤسسة العسكرية وشعبه بمختلف فئاته، وأن يحدد إطارًا للتعامل مع الورقة الثالثة بحيث لا تتغول على مصير الإرادة المصرية.
أما الطرف الآخر فاستطاع أن يمسك بالثلاث ورقات ولو بالخداع و الممانعة وجلب المليارات على حساب المصير المصري وإرادته الشعبية.
يتجلى هذا بوضوح فى إنقلاب وزير دفاعه و الأحداث التى تمت خلال العام فى المؤسسة العسكرية سواء بالشأن السياسي وجولات بعض السياسيين المحسوبين على نظام ما قبل الثورة كمصطفى بكرى و غيره فى صفوف الجيش أو دعوات الحوار التى تعنى العودة لتدخل الجيش فى السياسة وما كان يلقن للجنود حول الشأن العام شاهد على ذلك، وما كان يروج فى الاعلام المضاد لحكم مرسي .. إلخ وصولاً لما أعلنته جريدتا الأهرام المصرية وعكاظ السعودية إستباقاً لبيان الإنقلاب على شرعية الرئيس المنتخب و ما أعقبها من تدفق للمليارات قد أحجمت فى السابق.
أما عن الشعب وهى الورقة القوية فى يد الرئيس فتم التلاعب بها منذ اليوم الأول لحكمه من خلال الدور القوى الذى لعبه الجهاز التنفيذى الإداري والذى برز فى المئة يوم الأولى تعويقاًً للملفات الخمسة التى أعلنها والتى كان يمكن إنجازها إذا قامت كل الأطراف بمسئولياتها الوطنية بما فيهم الإعلام، سواء بتقاعس الأجهزة الأمنية عن أداء دورها حتى بلغ الانفلات الأمني مداه أو بإلقاء القمامة في الشوارع وعلى ضفاف النيل وفروعه بأيدي الإدارات المحلية، والأبرز كان في أزمات الوقود، ما قسّم الشارع معارضة لهذه السياسات، وأطلقوا الشائعات ليل نهار لكل قول أو عمل يقوم به الرئيس بجانب البوق الإعلامي الذى لعب دورًا مهمًّا في انقسام الشعب على رئيسه.
أما الورقة الثالثة فأطرافها كثر، واجتمعوا على أن نجاح الثورة المصرية ضد مصالحهم ومستقبلهم السياسي ويهدد عروشهم فأعدوا العدة وجندوا لها كل غال، وتسابقوا في نصرة الانقلاب مستغلين رفض الشارع المصري للأزمات التي فخخوها له وخدعوه بها، ثم تسابقوا بملياراتهم تأييدًا للانقلاب على الشرعية في خداع مستمر للشعب المصري الذي نهب منه على مدار عشرات السنين تريليوناته وليس ملياراته وسرق منه عمره وعمر أجيال رحلت وأخرى أتت وهلت وهم الشباب الذي يريد أن يطمئن على ثورته ومستقبله وهذا حقه.
أليس هذا مكرًا دبروه بليل وأعدوا له من شهور حتى يصنعوا هذا الانقلاب على الشرعية في ثوب من المعارضة الشعبية ضد بديهيات الديمقراطية التي صدعوا بها رءوس الشعوب العربية.
لا شك أن الوضع صعب ومؤيدو الشرعية والتي لم تنطلِ عليهم حيل الخادعين كثر ويملأون الميادين وسيلعبون دورًا حاسمًا في عودة الشرعية وسيفرضون إرادتهم على المؤسسة العسكرية وسترضخ لهم أي قوة مهما كانت والله من ورائهم محيط.