أضحى الانفلات الأمني المشهد المسيطر على الواقع المصري في الأيام الأخيرة, وهي الوسيلة التي تراهن عليها الثورة المضادة لإحداث حالة من الفوضى تعم القطر المصري, والتي وعد بها رأس النظام البائد الرئيس المخلوع عندما خير الشعب بين بقائه في الحكم أو حدوث الفوضى, فيتجرع المصريون بذلك مرارة ثورتهم التي خلعوا بها نظامًا فاسدًا وظالمًا ويعاقبوا على قيامهم بها وعلى انحيازهم لفصائل الثورة عبر الانتخابات المتعاقبة التي مرت بها البلاد منذ اندلاع الثورة وحتى الآن.

 

فنظرًا لكثرة المفاسد والمظالم التي مارسها النظام البائد بحق شعبه على مدار السنوات الماضية, كان يستشعر دومًا أن هذا الأمر لن يدوم, ولا بد أن يثور هذا الشعب الأبي من جراء ذلك يومًا من الأيام, ومن ثم فقد أعد عدته وجهز جهازه للقيام برد فعل يربك فيه المشهد على الساحة المصرية ويعيد به الكرة إلى ملعبه ويسيطر من خلاله على مجريات الأمور فيما عرف بالثورة المضادة من خلال سيناريو الفوضى. وسيناريو الفوضى لا يتحقق إلا من خلال الانفلات الأمني الذي بدأت أولى خطواته مع بداية الثورة بصدور الأوامر بانسحاب عناصر الشرطة من الشارع وإطلاق سراح عتاة المجرمين من السجون, إضافة إلى استخدام عناصر البلطجة الموجودة على الأرض ليعيثوا في الأرض فسادًا وينشروا الرعب في المجتمع, مما يدفع المجتمع إلى اللجوء إلى جلاديه لينقذوه من هؤلاء المجرمين الأشد فتكًا بهم, ولكن الله ألهم شعب مصر حماية ثورته من غولة هؤلاء بتكوين ما عرف باللجان الشعبية التي سطر بها المجتمع المصري أروع الصور لحماية ثورته ومقدراته فحال بذلك دون تفشي حالة الفوضى وانتصرت إرادة الشعب وإذن الله بخلع رأس النظام وبعض من عصابته.

 

وإذا أردنا أن نتحدث عن الانفلات الأمني المؤدي إلى الفوضى في مرحلة ما بعد ذهاب رأس النظام فإننا سنجد أن الثورة المضادة مازالت تراهن على إحداث حالة الفوضى لا تكل في ذلك ولا تمل، راغبة في الانقضاض مرة أخرى على مقاعد السلطة ومضيعة هباء كل الجهد والدماء التي بذلت على مدار العامين السابقين من عمر الثورة. وهنا يأتي السؤال: ما العوامل التي تدفع في اتجاه الثورة المضادة أو عكسها خلال المرحلة القادمة؟ وكيف يمكن الانتباه إليها حتى يتم إفشال محاولات الثورة المضادة والانقلاب على الشرعية؟ وبناء على ذلك فلا بد أن نتحدث عن أضلاع ستة هي المعنية بحالة الانفلات الأمني من حيث استفحاله وانتشاره ووصوله إلى الفوضى أو السيطرة عليه وتفويت الفرصة على الثورة المضادة من الوصول إلى مآربها وتحقيق أهدافها.

 

أما الضلع الأول من هذه الأضلاع فيتمثل في أن يكون القانون الحالي عاجزًا وغير قادر على ردع القائمين على أحداث الشغب والعنف والإفساد في الأرض والتي يقوم بها في أغلب أحيانها بلطجية مأجورون تم احتضانهم من قبل النظام البائد, والاستعانة بهم للقيام بالأعمال المشينة بالنيابة عنه, مثلما كان يحدث عند تزوير الانتخابات وغيرها من الأعمال غير الشريفة والمتعارضة مع القانون, أو أطفال شارع تقطعت بهم السبل نظرًا لظروف اجتماعية قاسية حلت بهم, وذلك بغية الحصول على بعض المال من هنا أو هناك. ولذلك وجب على المشرع أن يعيد النظر في القوانين الحالية بتغليظ العقوبة فيها على القائمين بهذه الأعمال أو أن يستصدر من القوانين التي تحتوي على عقوبات تردع هؤلاء وإلا فإن ضعف الجزاءات الناتجة عن هذه القوانين يجعل هؤلاء المفسدين أكثر اندفاعًا للقيام بهذا الإجرام غير آبهين بالعقاب الهزيل الواقع عليهم حال إثبات قيامهم به.

 

ويمثل ضعف أحكام القضاء بحق هؤلاء المتسببين في أعمال الانفلات الأمني الضلع الثاني, فعندما يصدر الحكم من القاضي بالبراءة أو عندما يكون القرار من النيابة بإخلاء السبيل لهؤلاء الذين يكرسون حالة الانفلات الأمني ويثيرون الرعب في المجتمع, فإن ذلك يغري هؤلاء المفسدين على القيام بأعمالهم دون رادع أو رقيب. وإذا كنا حسني النية بالقضاة وغيبنا نظرية قيام البعض منهم بدعمه للثورة المضادة, فيمكننا القول إن القاضي أو وكيل النيابة قد يكون معذورًا لاتخاذه هذا الإجراء نظرًا لوهن القانون أو نظرًا لضعف الأدلة المقدمة لديه من قبل أجهزة الضبط والإحضار, ولكنا نقول في ذات الوقت إن القاضي لا بد أن يعمل روح القانون وعقله وضميره ويستصدر من الأحكام ما يردع هذه الفئات الباغية, ذلك لأن الثغرات بالقوانين تكون منفذًا للهروب من أحكام العدالة, آخذًا في الاعتبار أن القضاة هم جزء من هذا الشعب يعيش همومه وآلامه ويستشعرون حالة الهلع التي يعيشها بعض أبنائه مؤدية إلى إرباك الحياة وتوقف عجلة الإنتاج وانهيار المجتمع من جراء هذه الأعمال الإجرامية التي يستفحل خطرها يومًا بعد يوم, ويخشى أن يأتي يوم يصبح فيه هؤلاء القضاة عرضة لأعمال العنف والفساد والإجرام, فكيف تكون حالتهم ساعتها؟ ولذلك إذا لم يقم القضاة العدل في الأرض من خلال أحكام عادلة وناجزة ورادعة فإن الانفلات الأمني وسيناريو الفوضى هو الأقرب إلى الحدوث وساعتها لن نبكي على اللبن المسكوب.

 

وثالث هذه الأضلاع هو تعاطي الأجهزة الأمنية مع حالة الانفلات الأمني, فإن حالة التخاذل أو عدم الاكتراث أو عدم القيام بالدور المطلوب من الأجهزة الأمنية أو القيام بدور داعم للنظام البائد بالطبع سيصب في مصلحة الانفلات الأمني ومن ثم الفوضى. وقد تعذر بعض عناصر الأجهزة الأمنية الراغبة في القيام بواجبها لشعورهم بحالة من الإحباط من النتائج السلبية لإحكام القضاء القاضية بالبراءة أو إخلاء السبيل فيما يتعلق بالضبط والإحضار للعناصر الإجرامية المشاركة في أعمال العنف والشغب. كما يتفهم الحالة النفسية التي تعانيها الأجهزة الأمنية والتي أرادها وحققها النظام البائد باقتدار؛ حيث نجح في إيجاد حالة من الصراع بين الشعب وهذه الأجهزة بطريقة أو بأخرى في ظل قانون الطوارئ الذي ظل مسلطًا يستذل رقاب المجتمع المصري طوال حكمه، مما جسد عقيدة لدى عناصر الأجهزة الأمنية والمجتمع تؤكد هذا الانفصام النكد والذي لا زال أثره موجودًا بعد الثورة ويحتاج إلى وقت لتصحيح مساره وضبط إيقاعه حتى تعود اللحمة بين عناصر الأجهزة الأمنية وبقية طوائف المجتمع.

 

وقد يلتمس العذر لهذه الأجهزة أيضًا نتيجة لهذه الهزة العنيفة التي لحقت ببعضهم وقد كانوا بالأمس يكرسون جل جهدهم لحماية النظام البائد، وذلك على حساب هذا المجتمع وفجأة زال النظام وبقي الشعب. وها هي بعض عناصرهم تحاسب على ما تم اقترافه (والذي كانوا يظنونه صوابًا) في ظل النظام البائد وبخاصة أثناء اندلاع الثورة, مما جعل البعض منهم يفقد الثقة فيما ينبغي عليه فعله, ومن ثم فهم يخشون من أي خطوة قد تفاقم الهوة السحيقة بينهم وبين المجتمع, فها هم يعلنون أنهم على الحياد وليسوا مع فصيل ضد فصيل حتى أعلنوا أنهم لن يقوموا بحماية مقرات الفصيل القائم على الحكم ضد الهجمات المتوقعة ضدهم من بلطجية النظام البائد وموتوريه. نقول إن مثل هذا الإجراء والإعلان لا يصب إلا في مصلحة الانفلات الأمني، لأنه بذلك يغري هؤلاء المفسدين على قيامهم بأعمالهم الإجرامية من قتل وحرق ونهب وهم آمنون من المنع أو الملاحقة, وأخشى أن يزيد هذا من الشرخ بين هذه الأجهزة وجل المجتمع الذي اختار بكامل وعيه هذا الفصيل ليقوده خلال المرحلة الراهنة. كما أنه يخشى من أن يتحول الأمر إلى صراع مسلح يأتي على الأخضر واليابس ولن تكون عناصر الأجهزة الأمنية بمنأى عنه، لذا وجب أن تعيد الأجهزة الأمنية الرأي في هذا القرار وأن تتخذ من الإجراءات والاحتياطات التي تحول دون حدوث الانفلات الأمني, وأن تكف بعض عناصرها عن الدعوات المناهضة لمؤيدي الرئيس وممثلي الشرعية الدستورية والقانونية كما ينبغي أن يتوقف البعض عنتقديم العون أو الدعم لعناصر الثورة المضادة لأن ذلك حتما سيصب في حالة الانفلات الأمني والفوضى والثورة المضادة.

 

ويعتبر الإعلام رابع هذه الأضلاع فهو المؤثر في زيادة وتيرة الانفلات الأمني أو تناقصه عبر ما يتم بثه من مواد تحرض على العنف وتحض عليه بشكل مباشر أو غير مباشر, أو تجريمه وإدانته لأعمال العنف والانفلات الأمني. فعندما تتم ملاحقة النشر لأعمال الانفلات الأمني من أجل الإثارة وجذب المشاهدين أو القراء فإن ذلك يؤدي إلى أن يألف المشاهدون العنف مع تجزره في وعي المتلقي مما يؤدي إلى إشاعة العنف والانفلات الأمني في المجتمع, وإذا كانت التغطية الإعلامية لأعمال العنف والانفلات الأمني دونما إدانة أو تجريم فلا نتوقع إلا المزيد من العنف, وعندما يكون الغرض من المتابعة الإعلامية هو إشعار المجتمع بفشل الأجهزة الأمنية ومن ثم النظام في الحفاظ على الأمن فإن ذلك يغري بالمزيد من أعمال الانفلات الأمني, وعندما يتم وصف القائمين على أعمال العنف من البلطجية والمجرمين بالثوار وتشجيعهم والتماس الأعذار لهم, فإن ذلك يحض على العنف والانفلات الأمني, وعندما تكون الرسائل الإعلامية تزرع البغض والحقد بين أطياف المجتمع, فماذا ننتظر غير العنف؟. لا شك أن الجميع يشعر بالأثر السلبي لإعلام الثورة المضادة وتغذيته للعنف والانفلات الأمني والانقلاب على الشرعية وهو أمر لا تخطئه عين, في الوقت الذي يبدو فيه كثير من الإعلام المحايد فاقدًا للبوصلة في توجيه الرأي العام ضد العنف أو الانفلات الأمني أو الانقلاب على الشرعية. فمتى يعود إعلام الثورة المضادة عن غيه ويرجع إلى رشده ويعلي مصلحة الوطن؟ ومتى يستفيق الإعلام الذي يبغي مصلحة الوطن ليكون له موقف الصدارة والريادة ؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.

 

وتأتي خامسًا قوى المعارضة التي توفر الغطاء السياسي لأعمال العنف والانفلات الأمني بتحريض المجتمع على الخروج على الشرعية في الوقت الذي لا تدين فيه أعمال العنف أو الانفلات الأمني وإذا ما فعلت لا يكون ذلك إلا لأجل إظهار النظام بمظهر الفاشل في إدارة الأمور وغير القادر على توفير الأمن للمواطنين وهو أمر يدخل تحت بند المزايدة السياسية في حينها. لكن المعارضة بخاصة الثورية منها تفقد الكثير من رصيدها على الأرض عندما تدعو إلى ذلك, مما يدفعنا إلى الظن بأنها معارضة لم تبلغ بعد مرحلة النضج وما زال أمامها الكثير من الوقت لتصل إليها, وأنه وجب عليها أن تتعرف أكثر على ما ينبغي للمعارضة أن تفعله عبر الأطر الديمقراطية حسب قواعد اللعبة السياسية، حفاظًا على سلامة الوطن وأمن المواطن ولا تكون ثقافة "هدم المعبد" هي الغالبة عليها عندما لا تحصل موقعًا من مواقع السلطة, ولتكن ثقافة "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" هي لغة الحال, حتى يمكنها التعاطي مع الواقع وبذل المزيد من الجهد على الأرض لتنال ثقة الشعب وتصل إلى مرحلة التبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع لا عبر فرض الأمر بالقوة والتحريض على العنف والانفلات الأمني وصولاً إلى حالة الفوضى وتوفير الغطاء السياسي له.

 

أما عناصر البلطجة وأطفال الشوارع التي تتجاوز المليون حسب الإحصاءات الرسمية فتأتي سادسًا, فعلى الرغم من أنها تمثل المطرقة التي يضرب بها والمعول الذي يهدم به فإنني أجدها الحلقة الأضعف من وجهة نظري في عملية العنف والانفلات الأمني, وذلك لاعتمادها على العوامل سابقة الذكر في إحداث أثرها من عدمه, فعلى الرغم من أنهم يمثلون قنابل موقوتة تم إعدادها على مدار الحكم البائد السابق فإنه قد آن الأوان لإبطال فعلها عن طريق فرق قادرة على تفكيكها والسيطرة عليها, فهذه المجموعات اعتادت التكسب عن طريق المصادر غير السوية لأموال الثورة المضادة وقد لا يكون لديها حسب ثقافتها غير هذا السبيل السهل, ومن ثم إذا استطاعت الدولة أن توفر لهم فرص عمل شريفة من خلال التدريب والتأهيل أو تكفلهم في معايشهم بصورة مرحلية من خلال معاشات الضمان الاجتماعي مع بذل الجهد لتصويب الاعوجاج السلوكي لديهم عبر الدعاة والمربين وذلك من أجل كسر شوكة الشر لديهم وتأهيلهم للانخراط ضمن فئات المجتمع الأخرى, وساعتها تكون الدولة قد قدمت إليهم خدمات جليلة تعود عليهم وعلى مصر بالخير في القريب العاجل إن شاء الله, فإذا لم يجد ذلك مع بعضهم نفعًا فليس لهم مكان إلا خلف القضبان حتى يكفي الله المجتمع شرهم.