أكد المربي عبد الرازق حسن عبد السيد أحد دعاة جماعة الإخوان المسلمين بمحافظة أسوان, وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين, أن من خصائص الدعوة الإسلامية العظيمة (الوسطية), وأن الوسطية هي الخيرية, وأن أحسن الناس هم الوسطاء, وأن الفكر الإسلامي المعتدل هو اللبنة الأساسية في الارتقاء بأمتنا وإصلاح الحضارة مستشهدًا بقوله تعالي: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً" (سورة البقرة: 143), ويقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الدين يسر، ولن يشاد أحد الدين إلا غلـبه". (رواه البخاري).

 

وقال إن الوسطية والاعتدال هما مصنع الإنتاج الفكري الرشيد، وقاعدة السلوك العملي القويم, وأن المصطفى- صلي الله عليه وسلم- دائمًا يعلم الأمة التيسير ولا يعلمها الشدة أو التطرف أو الغلظة, وأن الوسطية هي في معاني التيسير وليس التعسير, ففي الصحيحين: أن رجلاً أعرابيًّا دخل المسجد فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (لا تزرموه)، ونهاهم أن يتعرضوه وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فلما فرغ الأعرابي من بوله، أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يُصب على بوله دلو من ماء، واكتفى بذلك، فدل ذلك التيسير على فوائد: منها: الرفق بالجاهل وعدم العجلة عليه، وأن المسلمين بعثوا ميسرين لا معسرين، وأن الرفق بالجاهل من التيسير، وأن الشدة عليه من التعسير, وربما نفر من الإسلام وكره الدخول في الإسلام، وهذه مفسدة كبيرة، وأن ما فعله المعصوم- صلى الله عليه وسلم- أدي إلى تأليف قلبه وإلى محبته لإخوانه المسلمين وإلى دخوله في الإسلام ورغبته في الإسلام، فصارت المفسدة العظمى هي ما يحصل بالشدة عليه والعنف عليه هذا كان ينفره من البقاء في الإسلام ومحبة المسلمين.

 

وأوضح, خلال اللقاء الأسبوعي للإخوان المسلمين بأسوان بمسجد عبد الرحيم تحت عنوان "الوسطية واجب الوقت", أن الوسطية هي حالة من التوازن بين التشدد والشذوذ من جهة، والتهاون والتقصير من جهة ثانية, وهي منهج في الحياة، يرتبط بمختلف جوانب النشاط البشري، فهي منهج في فهم الشرع، ومنهج في التدين، ومنهج في العمل السياسي، ومنهج في التعامل مع الآخرين, لذا فإننا نقول إن الوسطية هي وسط ما بين طرفين كلاهما رزيلة.

 

وأكد ضرورة أن يعلم أبناء الأمة الإسلامية أن الوسطية هي روح الشريعة في الفهم والفكر والممارسة والتطبيق، وأن طريق النهضة والاستقرار والأمان، يكون دائمًا بعيدًا عن التعصب الممقوت، والاستعلاء المبغوض، والنشوة الكاذبة، بل إن طريق أصحاب الدعوات والرسالات يكون بالتسامح والعفو والتواضع، واليسر والوسطية، يقول تعالى: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي" (يوسف: 108).

 

ونصح الحضور بالاعتدال والتوسط، وذلك لأنهما فضيلة مستحبة في الأمور كلها, وهو خلق ينبغي أن يتحلى به المسلم في كل جوانب حياته، وأن الوسطية والاعتدال والاقتصاد في الأمور، هي أفضل طرق يتبعها المؤمن ليؤدي ما عليه من واجبات نحو ربه، ونحو نفسه، ونحو الآخرين, وقد أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- بالتوسط والاعتدال في كل شيء؛ حيث قال: (القَصْدَ القَصْدَ، تبلغوا "أي الزموا التوسط في تأدية أعمالكم تحققوا ما تريدونه على الوجه الأتم"). [البخاري وأحمد].

 

وعرض أمثلة من وسطية النبي- صلى الله عليه وسلم- واعتداله, فقد كان معتدلاً مقتصدًا في كل أمر من أمور حياته, فكان معتدلاً في صلاته، وكان معتدلاً في خطبته، فلا هي بالطويلة ولا هي بالقصيرة، وكان يصوم أيامًا ويفطرأخرى، وكان يقوم جزءًا من الليل، وينام جزءًا آخر, ضاربًا المثال لثلاثة من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- جاءوا يسألون عن عبادته، فلما علموها قالوا: وأين نحن من النبي- صلى الله عليه وسلم- وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ثم قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا, فجاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) [البخاري].

 

وأضاف, أن الوسطية هي أسلوب ناجح لحياة فاعلة؛ حيث يؤكد المفكرين: أن الإسلام دين يرفض العنف، ولا يقره، كما أنه لا يرضى بالعنف، ويكرهه، وينهى عن الإرهاب، ولا يقره، والإسلام كدين سماوي يرفض الدكتاتورية أيضًا، ويقيم مكانها الشورى، وتبادل الرأي, وأن وسطية أمة الإسلام هي التي جعلتها خير الأمم.

 

وقال إن جماعة الإخوان المسلمين عندما اتخذت الوسطية إستراتيجية لمنهجها في كل شيء, كان ذلك لإيمانها بأن الدعوة الإسلامية المستندة إلى الوسطية والاعتدال هي القوة الوحيدة القادرة على التصدي لأي عدوان عليها, وأن منهج الوسطية والاعتدال والعفو كان من أهم ما تتصف به سياسة الدولة الإسلامية, فقد حقق هذا المنهج الوسطي المعتدل نجاحًا عظيمًا في ترسيخ منهج الاعتدال، وتثبيت ركائز الدولة، ووصول منهجها إلى مشارق الأرض ومغاربها، عبر الإقناع وبث الوعي والفكر السليم.

 

واختتم المحاضرة بتأكيد أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قد حدد لأمة الإسلام الطريق الصحيح والمستقيم, حتى لا تضل أمة الإسلام عن الطريق وتنحرف فكريًّا, وقلبيًّا واجتماعيًّا وعاطفيًّا, وسلوكيًّا, وكل هذه الانحرافات تأتي عندما تحيد الأمة عن هذا الطريق الذي رسمه الحبيب- صلى الله عليه وسلم-, في الحديث الذي أخرجه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ثُمَّ قَالَ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ هَذِهِ سُبُلٌ قَالَ يَزِيدُ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ.

 

وأكد أن طريق الوسطية هو طريق الآخرة وأن وسطية الإسلام قد أوجدت الحلول لكل المشكلات, لأنها عقيدة تقوم على الوسطية وعلى نظام مؤسس على الفضيلة المتمثلة في قيم ومقومات تمس مختلف جوانب الحياة، تربوية وعلمية وسياسية واقتصادية واجتماعية مما يقوم به كيان الفرد والمجتمع, وذلك  ما أتاح للمسلمين في عصور نهضتهم إلى إبداع حضارة متسمة بالتسامح والتعايش، بعيدًا عن أي انغلاق أو ظلامية.