إنَّ أمتنا الإسلامية في حاجة ماسة اليوم إلى أن تعيد قراءة السيرة والتاريخ لتستلهم منهما نماذج الصلاح والإصلاح و تتمثل تجارب التغيير الناجحة، وتستدعى إلى حاضرها المُثل والقدوات الخالدة تستأنس بها وهى تتعامل مع واقع وحاضر مضطرب تموجه تقلبات و انقلابات وتكتنفه ثورات و تكلله تضحيات، أمتنا تخطو إلى المستقبل وهى حين تفعل ذلك لا تكون أبداً أسيرة الماضي أو حبيسة التاريخ، بل هي تعايش واقعها ببصر الحاضر وبصيرة التاريخ وتستشرف المستقبل وتتأهب لمهام جسام ورحم الله شاعرنا وهو يردد متأملاً حركة التاريخ وذكرياته العطرة
لا تجعل الذكرى نشيدًا مُطربــــًا بمنظمٍ يتلى وغير مُنَظم ذكرى إمام الرسل أحمـــــد ثورةٌ تجرى في العروق مع الدمرحم الله الشهيد سيد قطب حين أطلقها قوية وقال: "في التاريخ فكرةٌ ومنهاج"، ويا ليت عيون الأمة وروادها يلتفتون إلى ذلك ويصرفون همتهم وجهودهم إلى توظيف الأحداث التاريخية والمناسبات عامة والدينية منها خاصة لخدمة الأهداف العليا للإسلام، وغرس القيم الإسلامية في نفوس جماهير الشعب وتربيتهم عليها، وإرشاد الناس وتصحيح المفاهيم المغلوطة وتقويم المعوج من التصورات والخاطئ من التصرفات .
وتأتى ذكرى الإسراء والمعراج في ظل أجواء ملتهبة وأحداث متصاعدة وتطورات بالغة الأهميـة، مصرنا الحبيبة اجتازت مرحلة عصيبة من تاريخها وطوت صفحات أليمة مرت بها، وهى تتأهب لمرحلة جديدة من الاستقرار والبناء وتأسيس دولة حديثة، وكلنا أمل في توفيق الله تعالى وتأييده أن يلحق ركب الأمة ويصاحبها، وثقة أن الغد أفضل بإذن الله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون) (القصص).
وتخيرت من دروس الإسراء والمعراج درس الثقة واليقين في الله تعالى الثقة في الله و الثبات على الحقمن بين وقائع الذكرى الطيبة موقف لا أنساه يوضح لنا عظيم الثقة في الله التي كانت تملأ قلب النبي (صلى الله عليه و سلم) حين أصبح النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قصَّ خبر الإسراء على السيدة أم هانئ بنت أبي طالب (رضي الله عنها) ثم قال لها: وأنا أريد الخروج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت"، فأخذت بثوبه وقالت له: "إني أذكرك الله! إنَّك تأتي قومك يكذبونك وينكرون مقالتك فأخاف أن يسطو بك" قالت: فضرب ثوبه من يدي ثم خرج إليهم وهم جلوس فأخبرهم ما أخبرني" وعند ابن إسحاق فيما رواه ابن هشام في سيرته قال لها صلى الله عليه وسلم: "والله لُأحدثنهموه:، وإنه لموقف مهيب، فنصيحة الأقربين العارفين بطباع الخصوم تقول له لا تفعل، فإن فعلت كذبوك وأنكروا ما تقول و لربما تعدوا عليك بالإيذاء، و يغلب على ظني أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمر من ربه أن يبلغ قومه خبر الإسراء و المعراج، فلما شرع في ذلك و أخبر أم هانئ بنت عمه عزمه الخروج إلى قريش و إخبارهم بخبره أقسمت عليه ألا يخرج و ألا يفعل مخافة تكذيبه و السطو به، بل و أمسكت بطرف ثوبه تحثه ألا يخرج فيقول بكل ثقة (والله لأحدثنهموه) حتى و إن كذبوني فسوف أحدثهم به، ثقة بمنهاجه و ما أُمِرَ به لا حدود لها، و يقين كامل فيما يدعو إليه، دون أن يعبأ أو يكترث بتكذيب القوم.
ما أحوجنا أن نتمثل هذه (القدوة) في حياتنا و نحن نمضي في دروب الحياة نؤدي فرائض ديننا و نقوم بواحبات الله علينا، لا نخشى في الله لومة لائم، و لا يحول دون قيامنا بذلك سخرية أو إيذاء، أو صد أو بلاء، قدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أتمثل المرأة المسلمة و هي تلتزم بحجابها الشرعي، كما أمرها الله تعالى، وقد وعت ما ينبغي عليها- كمسلمة- من سلوك وآداب، وأخلاق و معاملات، مع زميلاتها أو جاراتها، في بيتها أو عملها أو جامعتها أو مدرستها، وهي تسير في الشارع أو تقضي مصالحها، في كل ذلك تلتزم النهج الإسلامي الرفيع و تتخلق بأخلاق الحبيب صلى الله عليه وسلم.
تفعل ذلك غير عابئة بنظرات بعض المغرضين، مرضى القلوب والعقول، الذين هالهم أن تنحاز المرأة المسلمة إلى الفضيلة والخلق القويم في ظل شريعة الله تعالى، فصبوا غضبهم و نفثوا سمومهم، طاعنين في الحجاب تارة، و في الفضائل تارة أخرى، ولربما حركوا أذناباً لهم فيلحقون الأذى و الضرر بمن سلكوا الطريق القويم، و يضيقون عليهنَّ ما وسَّعوه على غيرهن، أقول:
تمثل المرأة المسلمة تردد قولة النبي صلى الله عليه وسلم (والله لأحدثنهموه) حتى و إن كان أذى وبلاء .
يقولها كل ملتزم بدين الله، راغب فيما عند مولاه، يقولها كل داعية عرف الحق و سلك طريقه، أبصر النور و صار في رحابه، مقتفياً خُطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد على مسامع الدنيا قول الحق تبارك و تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله و يخشونه و لا يخشون أحداً إلا الله و كفى بالله حسيبًا) (الأحزاب الآية 39).
ويمضي في طريقه غير مكترث بالمتشككين ولا مهتم بالمغرضين فلقد ظهر الحق وبطل الباطل.
كم نحن في حاجة ماسة أن تمتلئ قلوبنا باليقين أن الله تعالى قادر على كل شيء وأنه يدبر الأمر وأنه يريد بنا الخير واليسر ولا يريد بنا الشر والعسر، وأن ما ينفع البشر ويحقق لهم ما تصبو إليه نفوسهم وتقوم به مصالحهم إنما هو شرع الله تعالى (ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيف الخبير).
تهلُّ علينا ذكرى الإسراء والمعراج و نحن نعايش مرحلة التغيير الأكبر في تاريخ أمتنا الإسلامية، عقب الربيع العربي ومضى الشعوب العربية قدما نحو مستقبل عظيم تترقبه، ولا يزال أمامها الكثير من الواجبات والمهام والتضحيات حتى تنجز كامل أهدافها العليا التى ثارت من أجلها .وفى القلب مصر القائدة وهى تسير تحو المستقبل على أرض من الأشواك والمعاناة ولا شك أن الثقة واليقين في الله تعالى يمثل الوقود الحيوى والطاقة الروحية والزاد المعنوي الذي تحتاجه الأمة في مرحلة البناء ومواجهة التحديات الكبيرة.
فيا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ثقوا في الله تعالى، وفي منهاجه وشريعته، واثبتوا فأنتم على الحق وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.