تشابهات كبيرة تربط بين ثورتي 25 يناير و17 فبراير الليبية، يرجع بعضها لتزامن الثورتين وأغلبها إلى التشابه العريض بين حالة الشقيقتين، سواء في تركيبة الدولة العميقة التي خلفتها الأنظمة السابقة، أو في تركيبة القوى التي قامت بالثورة عليها.
وتشهد الأزمة السياسية والأمنية الحالية في ليبيا فصل جديد؛ فقد نجحت المفاوضات والوساطات بين الحكومة والمليشيات المسلحة على موافقة الأخيرة– السبت الماضي- على فك الحصار الذي فرضته قبل أسبوعين على مقر وزارتي العدل والخارجية، وتسليم الوزارتين إلى لجنة مشكلة من أعضاء بالحكومة والمؤتمر الوطني العام (البرلمان الليبي)، بعد الوعد بتنفيذ قانون العزل السياسي وتطهير مؤسسات الدولة من رجال القذافي.
وتعيش ليبيا حالة من عدم الاستقرار عقب سقوط نظام القذافي، وتعاني السلطات من عدم قدرتها على بسط نفوذها وقوتها على الأرض؛ نتيجة إصرار مجموعات مسلحة في ليبيا على تقديم نفسها؛ باعتبارها ممثلة لثوار 17 فبراير، لا سيما وأن هؤلاء الثوار السابقين يتملكهم شعور التهميش رغم مشاركتهم الفاعلة في الثورة.
وترفض تلك القوى الانتقال من فكر الثورة والتمرد والانتفاضة إلى فكر الدولة والقانون واحترام هيبة الدولة؛ ما يدفعهم إلى محاصرة مؤسسات الدولة وحتى المؤتمر الوطني العام (البرلمان) المنتخب ديموقراطيا ويحظى بالقبول الشعبي، معطية لنفسها الحق في إملاء شروطها على الحكومة المنتخبة، والتحكم في قراراتها وحتى تعييناتها.
وعيد ومرونة!
وكان زيدان قد أعرب عن ضيقه الشديد وأسفه البالغ من ملاحقة حكومته ومحاصرتها، داعيا إلى دعمها في مواجهة المجموعات المسلحة التي "تريد زعزعة البلد" وتستغل رغبة حكومته بعدم "الدخول في مواجهة مع أحد".
وحاولت الحكومة قيادة حملة تهدف جمع السلاح من الميليشيات ونزع سلاح المليشيات وإبعادها على الأقل من محيط العاصمة طرابلس؛ باعتبار أن حمل السلاح هو حق الدولة فقط ويقرره القانون والدستور الذي ارتضاه الليبيون وصوتوا لصالحه.
وتوعدت بأنها ستتعامل بحسم مع المسلحين الذين تصفهم بأنهم ينتهكون القانون، إلا أن الأسبوع الماضي شهد مرونة حكومية للخروج من الأزمة السياسية والأمنية الحالية، باستجابة نسبية من رئيس الوزراء الليبي علي زيدان مع طلبات المليشيات، التي غير حديثه معها حين وصف عناصرها بالأبطال الذين شاركوا في إسقاط نظام القذافي، معلنًا عن تعديل وزاري واسع في الأيام المقبلة، دون أن يحدد الوزارات التي يشملها.
واعتمدت الحكومة تغيير لهجتها وتبني سياسة النفس الطويل للتفاوض مع المليشيات المسلحة، تجنبا لإزهاق الأرواح، رغم ما يعنيه ذلك من ترسيخ صورة عجز الدولة على فرض سيطرتها على الحكم.
ونتج عن ذلك سحب المليشيات المسلحة آلياتها العسكرية من محيط وزارتي الخارجية والعدل قبل أيام مع إبقاء عشرات من أفرادها لحصار الوزارتين، وبدا في الصورة تجاوب المليشيات مع مظاهرة نظمها سكان وسط العاصمة أمام وزارة الخارجية؛ للمطالبة بإبعاد السلاح وإزالة مظاهر التسلح، وكل أشكال الاعتداء على شرعية الدولة وسيادتها.
دلالات جمعة الإنقاذ!
وشهد يوم الجمعة اشتباكات عنيفة بين المسلحين ومتظاهرين تجمعوا بساحة الجزائر وسط العاصمة لدعم حكومة زيدان والتنديد بقانون العزل السياسي.
وجاء تظاهر المئات في مدن طرابلس وبنغازي شرقيّ البلاد وطبرق غربها؛ بدعوة عدد من مؤسسات المجتمع المدني تحت جمعة الغضب لإنقاذ ليبيا، مطالبين بإلغاء قانون العزل السياسي؛ الذي يقصي رجال القذافي عن المواقع التنفيذية في الدولة، بدعوى أنه صدر تحت ضغط حصار المليشيات المسلحة لعدد من الوزارات ومؤسسات الدولة.
وتجمع المتظاهرون ظهر الجمعة بساحة الجزائر وسط العاصمة طرابلس دعما لحكومة رئيس الوزراء الليبي علي زيدان، وللتنديد بالحصار المفروض على عدد الوزارات والمؤسسات، وتوجهوا إلى مقر وزارة الخارجية بغرض فك حصاره المفروض من عناصر مسلحة منذ أسبوعين.
وارتفعت حدة التوتر بين المتظاهرين والعناصر المسلحة أمام الخارجية المحاصرة، مع حلول المساء، ووقع تدافع بين الطرفين، واستخدم المسلحون مكبرات الصوت لدعوة المتظاهرين إلى الانسحاب، قبل أن يقوموا باختطاف عدد من مثيري المتظاهرين وإطلاق سراحهم عقب انتهاء الأحداث.
وكشفت التظاهرات عن ضعف الاستجابة الشعبية لنداء "قوى المجتمع المدني"، مع احتفاظها بقدرتها على الإزعاج المحلي، ونقل صورة مغلوطة إلى الأوساط الخارجية.
وصايا الفلول
وتتشابه وصايا الفلول في دول الربيع العربي؛ بدا ذلك واضحًا في شعارات مظاهرات الجمعة الماضية التي طالبت بإلغاء قانون العزل السياسي رغم تصويت البرلمان عليه بنسبة بلغت 75% من النواب، وذلك بدعوى أنه تم تمريره بضغط المليشيات المسلحة المدعومة من قبل جماعة الإخوان المسلمين والتيار السياسي الإسلامي.
كما أعلنت جمعيات تسمي نفسها بقوى المجتمع المدني أنها ترفض المساس بالقضاء الليبي الشامخ، والدعوات الشعبية لتطهير القضاء، بدعوى الحفاظ على سيادة القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات، مؤكدة أن تطهير القضاء يتم لصالح "مؤامرة أخونة ليبيا".
وكان المؤتمر الوطني العام الليبي (البرلمان) قد صوت بـ115 صوتًا من أصل 157 لصالح قانون العزل السياسي، والذي يقصي عن الحياة السياسية الليبية رجال القذفي وأعوانه، ويمنع 23 فئة شاركت بالعمل مع نظام العقيد الراحل معمر القذافي من تقلد مناصب سياسية وتشريعية وتنفيذية كبيرة.
وحدد القانون 20 وظيفة ممنوعة على المشمولين بالعزل السياسي، أبرزها رئاسة الدولة والحكومة والسلطة التشريعية وقيادة الأجهزة الأمنية والعسكرية وما في حكمها، ويعمل به لمدة عشرة سنوات من تاريخ نفاذه.
وجاء القانون عقب تعديل المادة السادسة من إعلان أغسطس 2011م الدستوري، والتي تنص على أن "الليبيين سواء أمام القانون، ومتساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية"، ليكون التعديل هو: "لا يعد إخلالاً بمبادئ الحريات سنّ قانون لفترة محددة، يمنع بعض الأشخاص من تولي الوظائف العليا والقيادية في الدولة لفترة مؤقتة"، وذلك لتفويت الفرصة على الطعن بعدم دستورية.
مراقبة خارجية
وتأثرت الصورة الخارجية للبلاد سلبيًّا نتيجة انتشـــار السـلاح والمليشيات المسلحة، وإن كان الرأي العام العالمي، قد دافع عن الثورة الليبية؛ طلبًا للنفط وحفاظًا على أسعاره في الأسواق العالمية، فهذا قد لا يتحقق مع استمرار أعمال الميليشيات المسلحة؛ ما قد يجعل البلد تخسر الدعم الخارجي لوجستيًّا واستثماريًّا.
وروَّع الهجوم على السفارة الأمريكية وقتل السفير المجتمع الدولي (ونقصد به أمريكا والغرب عموما ومن سار في ركابهم)، وتعزز القلق بالهجوم على السفارة الفرنسية؛ ما جعل العديد من الدول تهدد بسحب بعثاتها الديبلوماسية، وقد قامت الخارجية البريطانية، أول أمس الجمعة، بسحب بعض دبلوماسييها من العاصمة طرابلس لأسباب أمنية، إثر استمرار حصار المليشيات المسلحة لوزرات العدل والخارجية والداخلية واقتحام وزارة المالية.
وقال بيان من السفارة البريطانية إنها سحبت عددًا صغيرًا من موظفيها في طرابلس كإجراء مؤقت، وكان "المسحوبين من بين العاملين لدعم وزارات الحكومة الليبية التي تضرّرت جرّاء التطورات الأخيرة"، على أن تواصل السفارة عملها على النحو المعتاد.
وتطورت التخمينات إلى حد قيام وزير الخارجية الليبى محمد عبد العزيز بنفي ما تردد من أنباء بشأن قدوم قوات أمريكية إلى ليبيا على خلفية توتر الأوضاع الأمنية فيها مؤخرًا، وأوضح أن المجتمع الدولي يراقب بمزيد من القلق والترقب هذه الفترة الحرجة في تاريخ ليبيا، داعيًا الليبيين إلى وقف الاحتجاجات المسلحة والعنف.
ونشرت "واشنطن تايمز"- قبل يومين- أن سفارات الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، أصدرت بيانًا مشتركًا أدانت فيه ما أسمته بـ"تخويف البرلمان الليبي"، معلنةً دعمها لسعي "الحكومة الليبية المنتخبة لتعزيز الديمقراطية، بعد أكثر من عام ونصف العام من سقوط العقيد الراحل معمر القذافي".
وبدا واضحًا مراقبة المجتمع الدولي لما يحدث في ليبيا من عنف واحتجاجات مسلحة، وإدارك العالم كله لأثر ذلك على التنمية في ليبيا واستقرارها، ومن ثم قدراتها على إنتاج النفط وأثر ذلك على سعره في السوق العالمي الذي يعاني من ركود كبير وتدهور اقتصادي يهدد دول كبرى بالإفلاس، خاصةً أن العالم لم يتعافَ بعد من الانتكاسة الاقتصادية الكبرى في السنوات الأخيرة.
كذلك يرى المجتمع الدولي أن حكومة وبرلمانًا يسيطر عليهما الإسلاميون أفضل مرات عديدة من بسط المساحة أمام المليشيات المسلحة التي قد تتطور أعمالها إلى خارج ليبيا لضرب المصالح الغربية في مناطق مختلفة.
تشابهات الصورة
الصورة إذن تتشابهه إلى حد كبير بين مصر وليبيا؛ مع فارق واحد هو مدى تدخل المجتمع الدولي هنا وهناك سلبيا وإيجابيا.
فرجال القذافي يتجاوز عددهم نصف مليون نسمة بحسب التقديرات، وذلك من أصل 6.5 ملايين ليبي، وهو رقم كبير جدًّا، يوضح عمق دولة القذافي الضاربة في النسيج الليبي، خاصة مع سيطرتها على رءوس الأموال ودرايتها وخبرتها السياسية وعلاقاتها الدولية وبالمجتمع الغربي والشرقي أيضًا.
وتضرب أطناب الدولة العميقة في المؤسسات الأهم مثل الداخلية والقضاء والمحليات وغيرها، فيما تقل خبرة ودراية بعض القوى الثورية؛ ما يدفعهم إلى أعمال تشوه صورة الثورة ويستغلها أعداء الثورة في التنكيل بها ومحاولات إجهاضها.
وقد يكون أداء حكومة علي زيدان محل جدل واسع وانتقادات كبيرة من مختلف الأطراف، لقصورها عن التفاعل الحيوي مع القوى الفاعلة للخروج بالبلاد من المأزق الحالي، وتوفير الاستقرار الأمني وهو المطلب رقم واحد للمواطن الليبي في الوقت الراهن.
إلا أن الحكومة تؤكد أنها لم تنل فرصتها بعد نتيجة أعمال الحصار والشغب المستمر التي تعيقها عن تنفيذ خطتها للتغيير، والاستجابة فقط لمستجدات الأوضاع المتغيرة على مدار الساعة.
حلول واجبة
وتحتاج ليبيا بالفعل إلى تواصل مكثف وعميق بين مختلف شرائح المجتمع والقبائل والجماعات المسلحة، في سبيل التوافق على أجندة وطنية لمواجهة الفلول وأركان الدولة العميقة التابعة لنظام القذافي.
ومع اعتراف مختلف القوى الثورية بشرعية والمؤتمر الوطني العام المنتخب، فلا بد كذلك من إعطائه الفرصة لإدارة البلاد ودعمه لرفع مستوى أدائه والعمل الجاد على بناء ليبيا الجديدة، ورفض أعمال الاغتيالات والاعتداءات على السفارات الأجنبية وممتلكات الدولة والمجتمع، والتي تشوه صورة الثورة وليبيا أمام العالم كله.
ولابد أن يمتد العزل السياسي في المواقع التنفيذية والحكومية، ليكون تطهيرًا مطلوبًا للقضاء، خاصةً وأن الأحكام القضائية الأخيرة، أكدت رفض مؤسسة القضاء لتطهير نفسها، وأظهرت سيطرة أعوان القذافي عليه وتشعب رجاله فيها وحتى أبناء قبيلته، ما يتطلب اتخاذ الإجراءات اللازمة لإصلاح القضاء ليكون وطنيًّا نزيهًا، ينحاز للثورة لا يعمل لضرب أهدافها وإعاقة مسيرتها.
وتشكو ليبيا سعي الدولة لجمع أبنائها حول مشروع قومي كبير، يوحد جهود الليبيين ويسلط أنظارهم باتجاهه، ويوفر فرص عمل للعاطلين ويسهم في تنمية مهاراتهم ومجاوبة طموحاتهم في ليبيا الجديدة.
والأمر لن يتم بغير توفير الأمن أولا وبناء منظومة الدولة السياسية، ومن ثم الاستقرار والتنمية، الأمر الذي سيدفع الجميع للتخلي عن السلاح، وحمله فقط بأمر من الدولة وللدفاع والذود عنها.