تحلُّ الذكرى الخامسة والستون لنكبة فلسطين وسط أجواء ملتهبة تحيط بفلسطين وشعبها، وأحداثٌ تلتهب في قلبها، تحل الذكرى ولا يزال حديث النكبة حيـًّا في ذاكرة الأمة ووجدانها، وسقط رهان النسيان الذي ارتكن عليه عدونا وكان يتأمل في إطالة أجل الصراع سيذهب بأجيال الأجداد والآباء الذين عاصروا النكبة وعاشوا معاناتها سواء في داخل فلسطين أو في الشتات، على أمل أن يأتي جيل الأبناء غريبًا عن قضيته بعيدًا عن حلم العودة لأرض الوطن، فإذا بجيل الشباب يتفجر في وجه الاحتلال ويتشوق لأرض الأجداد والأسلاف، مدركًا لواجبه مستوعبًا لدوره مستعدًا للتضحية والعطاء والبذل والفداء في سبيل تحرر فلسطين من كل قيود الاحتلال.

 

لقد صار يوم النكبة تذكيرًا بقضيــة فلسطين وإحيائها في نفوس أبناء الأمة كلها، وتجديدًا للعهد الذي قطعته الأمة على نفسها أن تظلَ وفية لفلسطين وأهلها وحقها وأرضها، مهما طال الزمن وصعُبت التحديات وعظُمت التضحيات.

 

في العام قبل الماضي استيقظ العالم كله- صبيحة يوم النكبة- على وقع أقدام الشباب الفلسطيني الثائر غضبًا والتائق شوقًا لأرض فلسطين، لقد ثارالطوق حول فلسطين المحتلة قد اشتعل غضبة وثورة وحول الطوق شعوب عربية ثائرة وداعمة لتحرير فلسطين من دنس الصهاينة، لقد أدرك الصهاينة مغزى ما حدث وصرح بذلك رئيس وزراء الكيان نتنياهو "أن الخلاف ليس على حدود أراضي 67 بل الخلاف اليوم على الوجود"، لقد وصلت الرسالة قوية مزلزلة صريحة واضحة، أنّ الكبار لا يموتون وأنّ الصغار يفهمون ويستوعبون قضيتهم جيدًا، لم يعد حلم العودة (إلى يافا وعكا وعسقلان وغيرها من المدن الفلسطينية المحتلة) يراود الكبار من الكهول والعجائز وحدهم بل زلزل الصهاينة أن يروا اليوم ملايين الشباب الفلسطيني والصبية يخرجون يقبلون ثرى الوطن العظيم ويفتدونه بأرواحهم.

 

هزّتني كثيرًا تلك المشاهد العظيمة في معبر بيت حانون ومعبر قلنديا وفي بلدة الكرامة الأردنية على الحدود ومثلها بلدة مجدل شمس والجولان المحتل وأخيرًا بلدة مارون الراس المتاخمة للأرض المقدسة وإنّ ارتقاء الشهداء الذين رووا بدمائهم ثرى فلسطين لهو بداية التحرير وشرارة النصر وملهمة لطوفان الشباب العربي الغاضب اليوم من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، عهد جديد أطل فكونوا شهوده وصناع مجده وعسى أن يكون قريبًاواليوم يتكرر المشهد بصورة أخرى وتبقى فلسطين الهدف والمسار.

 

تحينُ ذكرى النكبة هذا العام وسط أجواء تشتد التهابًا يومًا بعد يوم، خاصة في دول الربيع العربي، في مصــر الثورة تخطو خطوات وثيقة وحثيثة نحو استكمال بناء مؤسساتها الدستورية لتمضي في طريق النهضة والتنمية بعد أن تحقق لمصر أن صار يحكمها أول رئيس مدني منتخب، كما تحقق لشعبها دستور يلبي طموحاته وتطلعاته، ويتأمل الشعب الفلسطيني ومناصروه أن يكون ذلك كله دعمًا قويًّا لفلسطين وشعبها.

 

وفي سوريا التي تنزفُ دمــًا تتصاعد وتيرة الأحداث هناك، وثورة الشعب تشتدُ يومًا بعد يوم ولا يبدو في الأُفق حلٌّ وشيك، بل التوقعات متعددة ومتنوعة لحل الأزمة قبل أن تحل الكارثة، فلا الشعب السوري الكريم استطاع أن يخلع نظام الأسد حتى الآن، ولا العالم سانده بقوة وفاعلية منجزة لتحقيق أهداف ثورته، وفي ذات الوقت فشل نظام الأسد في تحقيق مصالحة وطنية تُرضي طموح شعبه التوَّاق للحرية الكاملة والكرامة الموفورة، كما أنه عجز عن إخماد الثورة رغم انتهاجه لخطط حرب دموية، وسياسة سفك الدماء وقصف المدن ودك البيوت على أصحابها واستخدامه الجيش السوري بكامل تشكيلاته القتالية وأسلحته الثقيلة والحربية لوئد الثورة وإبادة شعبه.

 

وفي الشأن الفلسطيني لم تتحقق المصالحة الوطنية على أرض الواقع كما كان يأمل عالمنا العربي والشعوب المناصرة للحق الفلسطيني، على الرغم من تعدد جولات المصالحة ولقاءات الفرقاء الفلسطينيين، وحتى كتابة هذه السطور لا تزال المصالحة الوطنية بين حماس وفتح في مربع التمنيات والوعود، ولم تنتقل إلى الواقع الفلسطيني، وتشهد القاهرة هذه الأيام جولة جديدة من المباحثات بين منظمتي فتح وحماس حتى يصلا إلى التصالح الفلسطيني المأمول.

 

نحن نؤكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة المحتل الباغي حتى يتم التحرير الكامل لكل شبر من الأرض المحتلة، وأنّ كافة التضحيات التي تُبذل من مال وأرواح وأنفس وحريات ودماء وراحة هي ضئيلة في حق فلسطين، فهي تستحق منا جميعًا أكثر من ذلك، فهي الأرض المقدسة أرض الأنبياء والعلماء والشهداء، بوابة السماء وموطن الإسراء، وهي وقفٌ إسلامي لا يجوز التفريط في حبة من ثراها أو التنازل عن شبر منها، وهي أرض المحشر والمنشر تحن القلوب إليها وتشدُ الرحال إلى مسجدها نود التأكيد على ثوابت القضية الفلسطينية المتجذرة في ضمير الوطن والمحفورة في جدران ذاكرته لا تغيب أبدًا، فالقدس كما كل فلسطين ليست معروضة للبيع أو التأجير أو البدل، وإذا ما عُرضت القدس للبيع فنحن على أتم الاستعداد لدفع أغلى ثمن من أرواحنا ودمائنا فهي تستحق منا ومن كل فلسطيني وعربي ومسلم أن يدفع أغلى ثمن.

 

ذكرى النكبة رسالة تجدد العهد وتحيي الأمل في أن نلتقي قريبًا جدًّا في باحات المسجد الأقصى مهللين مكبرين فرحين بنصر الله تعالى ينصر من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين..

 

عاشت إرادة شعب فلسطين، والنصر آتٍ لا ريب فيه، والاحتلال إلى زوال، والمجد للشهداء ونردد مع شيخ الأقصى الرائد "لبيك يا أقصى.. لبيك يا فلسطين".

 

--------------

*النائب السابق بمجلس الشعب والمحامي بالنقض والدستورية العليا.