وقعت تصريحات الفريق أول عبد الفتاح السيسي، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، على لاعقي البيادة ومؤيدي حكم العسكر وقع الصاعقة.. هؤلاء الذين يفتقدون القدرة على العطاء والبذل والإبداع وعقمت عقولهم على الإنتاج وتمردت ذواتهم أن تعيش في مناخ صحي وديمقراطي، ويجدون أنفسهم وذاتهم في ظل حكم استثنائي لا يقبل المحاسبة ومراقبة الشعب.. يقوم على مبدأ "لا تجادل ولا تناقش.. أسمع أرى.. لا أتكلم إلا بما يقرر لى أن أذيعه وأن أنشره وكله بحسابه"، وكانت التصريحات بمثابة نوبة صحيان لمن أراد عودة الماضي الكئيب وعودة الدولة البوليسية الفاشية، ولسان حال القائد الرشيد أن أفيقوا من أوهامكم وتفرغوا للعمل والعطاء حتى يحس الشعب بكم وتكسبون ثقته فى الصندوق الانتخابي.
لقد أعلنها الرجل صراحة بعد أن صبر على العبث والزج باسمه في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل، صبر على محاولات الوقيعة بينه وبين اختيار الشعب بأن جمعوا له توكيلات لا تساوي ثمن المداد التي كتبت به.. صبر على تصرفات الفشلة والعملاء والمرتزقة والكذابين، والراسبين في الانتخابات ومنهم "عبده مشتاق"، والآكلون على كل الموائد والمتحولون، صبر على تصرفات المراهقين الذين يتأففون من النزول للشارع إلا بموكب متكون من أسطول من سيارات أمريكية فارهة أهديت لهم نظير عمالتهم وخيانتهم، وفجأة جاءت تصريحاته التي أفقدت هؤلاء صوابهم، فقال صراحة على هامش حضوره تفتيش حرب في إحدى تشكيلات المنطقة المركزية بعد أن استدعى فلول نظام مبارك من الكتاب، والمفكرين، والفنانين ممن يريدون عودة نظامه: "إن القوات المسلحة لا تفكر في النزول إلى الشارع، وإن الجيش ليس حلاًّ، وأكد الرجل ان الوقوف أمام صندوق الاقتراع 15 ساعة أفضل من تدمير البلاد، لا بد من وجود صيغة للتفاهم فيما بينكم، فهذا الجيش نار لا تلعبوا به، ولا تلعبوا معه، لكنه ليس نارًا على أهله، لذلك لا بد من صيغة للتفاهم بيننا، البديل في منتهى الخطورة، ومع كل التقدير لكل من يقول للجيش ينزل الشارع.. خلاص لو حصل هذا لن نتكلم عن مصر لمدة 30 أو 40 سنة للإمام".
جاءت هذه التصريحات مخيبة لآمال من كانوا يعلقون آمالهم على رجوع حكم العسكر وهم من طالبوه بالاستمرار في الحكم سنة سنتين أو إلى ما لا نهاية، منهم الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل الذي دعا إلى تنصيب المشير طنطاوي رئيسًا لمصر بدون انتخابات، حرصًا منه على استمرار الدولة البوليسية الفاشية الذى كان جزءًا منها والمنظر الأول لها والكاهن الأكبر في معبدها فقال: "ويجب أن نعترف بأن عندنا اليوم غيابا للدولة لأنه يوجد خلط بين تأسيس شرعية دائمة مؤسسية وهو ما يعني رئاسة جمهورية.. والوضع المؤقت الانتقالي، فلا يوجد شعب يستطيع أن يعيش بلا دولة، وأنا شخصيًّا لا أجد حرجًا وبحكم منطق الأشياء وحقائقها وتقديرًا لما قام به المشير طنطاوي مباشرة في أزمة الانتقال في تسميته رئيسًا للدولة في هذه المرحلة الانتقالية, إذا رئي أن تكون رئاسة الدولة لمجلس رئاسي فليس من الصعب العثور على عضوين فيه إلى جانب المشير طنطاوي مع استمرار مسئوليته عن وزارة الدفاع وعن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي يمكن أن يتحول إلى مجلس أعلى للأمن الوطني، وإذا كان بجوار رئاسة الدولة نوع من مجلس أمناء الدولة والدستور علي نحو ما أشرت إليه، يشارك في التحضير لانتخابات جمعية تأسيسية، تطرح دستورًا جديدًا, فهذه ضمانة كبري لسلامة وشرعية فترة الانتقال ذاتها, ولا بد- بلا تردد- أن يحدث عنها فصل بين الدولة الحاضرة دائمًا ومن يملأ هيكلها السياسي والدستوري؛ بمعنى أن ضرورات الحياة تحتاج لوجود تنظيم الدولة".
ومنهم الدكتور أسامة الغزالي حرب الذي طالب بمكوث المجلس العسكري في الحكم ثلاث سنوات، ومنهم أيضًا الأستاذ مصطفى بكري الذي نصب نفسه متحدثًا حصريًّا للمجلس العسكري ودافع عنه بالحق والباطل واختلق أمجاد للمشير طنطاوي والفريق سامي عنان، حول وقوفهم موقفًا سلبيًّا من التوريث وحزن أشد الحزن على رحيلهما، وهما اللذان صرَّحا مرارًا بتسليم السلطة لرئيس مدني منتخب أو يوليو 2012، وكأن الأستاذ بكري ملكيًّا أكثر من الملك، ورد أساطير حول عزلهما كأستاذه هيكل الذي خلط الحقيقة بالأسطورة بالنرجسية بالانحياز للبيادة في كل كتبه ومقالاته وحواراته، وخصوصًا مع الست لميس، ومؤخرًا أصدر بكري كتاب "الإخوان والجيش"، والرجل يقع في مطبات تدينه منذ الفصل الأول للكتاب فهو يحرض المجلس العسكري على البقاء لمنع وصول الإخوان، كما كان يردد مبارك من قبل الذى لعب بفزاعة الإخوان لدى المجتمع الدولي وكأنهم مخلوقات عجيبة "يأجوج ومأجوج" يريدون ابتلاع العالم وكأن ليس من حقهم ممارسة السياسة، فقال: "قبيل إغلاق باب الترشيح للانتخابات الرئاسية بقليل أدرك المجلس الأعلى للقوات المسلحة من خلال المعلومات المتوافرة لديه أن الأمر قد يحسم لمصلحة مرشح الإخوان المسلمين في نهاية الأمر، خاصة أن الإخوان وحدهم يمتلكون القوة الأكثر تنظيمًا.
حتى هذا الوقت لم يكن اللواء عمر سليمان قد قرر الترشح، كانت المعلومات تتردد، إلا أن الرجل لم يكن قد حسم خياره الأخير (لاحظ عزيزى القارئ تناقض بكري الذي كان ولا يزال يصر أن شفيق هو الفائز وأن الانتخابات زورت لحساب مرسي)، وأمام تطورات الأحداث التي كانت تشهدها البلاد في هذا الوقت أدرك قادة الجيش أن الإصرار على عدم السماح لأي منهم بالترشح لانتخابات الرئاسة، ربما يكون سببًا في دفع البلاد إلى مزيد من المشكلات والأزمات والفوضى، خاصة إذا نجح مرشح جماعة الإخوان، وأصبحت الدولة بأسرها في قبضتهم.
كان الفريق سامي عنان يقرأ خريطة المستقبل جيدًا، كان يحذر، ولكنه كان دومًا ينصاع لتعليمات المشير طنطاوي، ويرفض الخروج عليها، مهما كانت درجة الخلافات في وجهات النظر، وكان أخطر ما يقلق الفريق سامي هو شعوره بأن وصول التيار الإسلامي للحكم قد يؤدي إلى زيادة حدة الانقسام في البلاد، وقد ينهي الدولة المدنية إلى الأبد، ويضع البلاد على شفا نزاع وانقسام قد يؤدي إلى اندلاع حروب أهلية بين المصريين".
بل وصل به الشطط إلى محاولة إقناع المجلس العسكري بترشيح أحد رجاله، وهو الفريق سامي عنان، نفسه فقال: "قد تحدثت مع الفريق سامي قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة عندما طلب مني الترشح أكثر من مرة لانتخابات الرئاسة، فاعتذرت، وقلت له: "لماذا لا تترشح أنت؟!"، فقال لي: "ليس لديَّ مانع، المهم أن يوافق المشير على ذلك".
ثم يذكر بكري بأنه خوف المشير طنطاوي من نجاح مرشح الإخوان فقال: "وقبيل الانتخابات الرئاسية بقليل كنت في لقاء مع المشير طنطاوي في مكتبه بوزارة الدفاع، ثم انضم إلينا بعد قليل الفريق سامي عنان، وفي هذا اللقاء كان المشير طنطاوي قلقًا على مستقبل مصر، خاصةً أنه أدرك أن الإخوان حتمًا سيحسمون الانتخابات الرئاسية لصالحهم.
سألنى: ما رأيك في الفترة المقبلة؟
قلت له: يا سيادة المشير.. الإخوان قادمون، وأنا أخاف أنهم لو وصلوا إلى السلطة فلن يتركوها، وسيحملكم التاريخ المسئولية الكاملة عما ستصل إليه أحوال البلاد.
قال المشير: وإحنا إيه ذنبنا؟ أنا أشاركك القلق لأنه من الخطر الشديد أن يسقط البلد في يد تيار واحد، لكن قل لي: ما العمل.. إيه المخرج؟!
قلت له: أنا أعرف نبل أهدافك، ومقاصدك، وأدرك أنك لن تسمح بتزوير الانتخابات لصالح مرشح ضد آخر مهما كان (لاحظ أيضًا تناقض بكري الذي صرح مرارًا وتكرارًا بتزوير الانتخابات التي كان الفائز فيها على حد زعمه الفريق شفيق)، ولكن أتخوف من أنه إذا سقطت البلد في يد الإخوان، فلن تعود إلينا مرة أخرى؛ لأنهم إذا جاءوا فلن يتركوها مرة أخرى إلا بثمن فادح، لكن لا بد من مخرج، لقد كانوا هم أنفسهم يقولون إنه ليس من المصلحة أن يكون رئيس الدولة في هذه الفترة منتميًا إلى التيار الإسلامي، ولكنهم تراجعوا في موقفهم، وأنا أتوقع أن يفوز مرشحهم محمد مرسي!!
ثم قلت: إنني أذكر للفريق سامي عنان مقولة قالها لي عقب اجتماع للمجلس العسكري مع الأحزاب، عندما تم استبعاد خيرت الشاطر من الترشيح، قال لي الفريق ساعتها: "إن الجولة الأولى من الانتخابات سوف تسفر عن إعادة بين د. محمد مرسى، ود. عبد المنعم أبو الفتوح" والخيار سيكون بين الاثنين ولا ثالث لهما!!.
هنا تحدث الفريق سامي عنان وقال: وأنا أكرر مرة أخرى والأيام بيننا، النتيجة ستكون محصورة بين الاثنين، والاثنان ينتميان إلى مدرسة الإخوان المسلمين، ولكن ما هو الحل؟!
كانت تلك هي المرة الأولى التي أشعر فيها بقلق عارم يعتري المشير ورئيس الأركان، كان مبعث القلق هو الخوف على مصر في مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس، الذي حتمًا سيكون إخوانيًا أو منتميًا للمدرسة الإخوانية الفكرية.
كان المشير يشعر بأن إجراء الانتخابات الرئاسية دون دستور سيفتح الباب أمام مخاطر شتى، حاول كثيرًا، لكنه كان دومًا يستجيب للمناورات والمراوغات التي كان يقوم بها الإخوان خلال اجتماعات المجلس العسكري مع الأحزاب، يوافقون، ثم يترددون، ثم يطلبون التعديلات، ثم ينتظرون الإذن من قياداتهم، ثم يطرحون نقطة خلافية، فينتهي الاجتماع دون التوصل إلى حل ينهى هذه الأزمة، ويدفع إلى خطوات للانتهاء من الاتفاق على معايير تشكيل الجمعية التأسيسية وبدء إعداد الدستور.
في أكثر من مرة كان المشير يؤكد وبحزم "أنه لا انتخابات رئاسية دون دستور"، لكنه الآن وجد نفسه أمام خيار واحد ووحيد، لا بد من إجراء الانتخابات الرئاسية لتسليم السلطة في الموعد الذي قطعه على نفسه.
كان الموقف محيرًا أمام المشير، فهو وعد في وقت سابق بتسليم السلطة فى 30 يونيو 2012، لكنه أيضًا يجد نفسه فى موقع الحيرة؛ لأنه أيضًا وعد بعدم إجراء انتخابات رئاسية قبل الانتهاء من وضع الدستور.
قلت للمشير: ولكن لا بد أن يكون هناك حل لهذه المعضلة، يجب عدم إجراء الانتخابات دون دستور؛ لأنه إذا تُرك الأمر بلا حسم، فالرئيس القادم "الإسلامي" ستكون له الكلمة العليا على الدستور!!.
قال الفريق سامي عنان: كل ما تقوله نحن متفقون عليه، ولكن كيف الطريق؟ ما الحل؟!
قلت: لقد سمعت أن هناك اتجاهًا لمد الفترة الانتقالية عدة شهور لحين إنجاز الدستور.
قال المشير: لكن هذا أمر ليس سهلاً، أنت تعرف أن هناك من يتربصون بنا، وأنت تعرف أننا لسنا طامعين في سلطة أو مركز".
وقد كان بكري من المؤيدين لتدخل الجيش وعودته لحكم حتى صدم بتصريحات الفريق السيسي الأخيرة، ولكي يداري الرجل على مخازيه ومراهناته الخاسرة، اختلق مشكلة أخرى وعلى أثرها حرض على الإخوان المسلمين على خلفية تصريحات الداعية الإسلامية الشيخ عبد السلام البسيوني المقيم بدولة قطر، وهو بشهادة المئات الذين استطلعت رأيهم منهم صديقه الدكتور حلمي محمد القاعود، لا ينتمي لفصيل بعينه، ولكنه مستقل غيور على الإسلام، يكره الظلم والبغي، وحقبة الفترة العسكرية التى استمرت فى مصر ستة عقود، أورثتنا الهزائم والمظالم، فعبر الرجل عن رأيه بطريقة ديمقراطية لا يعيبه أحد فى ذلك، لأنه رأيه، وحرية الرأي مكفولة للجميع، فقال البسيوني: "نسال الله ألا يمكنهم من حكم مصر مرة ثانية وان يقطع دابر العسكر وان يهلكهم جميعا حيثما كانوا بعد إن وضعوا مصر تحت أقدام الصهاينة والأمريكان"، تحدث عن حقبة تاريخية بوثائق تحدث عنها القاصى والدانى وحكم العسكر الذى يقصده الشيخ لا يقصد فيها الجيش المصرى الوطني، ولكنه يقصد حكم ناصر والسادات ومبارك ، وهى الحقب التى جلبت لمصر النكسة والإفقار، ولا يمكن أن ينسحب على الجيش الوطنى الذى نال على أيديهم الويل والثبور وتم زجه في أتون السياسة التي قضت عليه في جولات عسكرية خاسرة، كان الفرعون يصدر له قرار الانسحاب قبل أن تبدأ المعركة، أما مصطفى بكري الذي كان يرى مجده وصعوده فى ظل البيادة، وحبه للرائد موافي القواد، ويريد عودة مجد شمس بدران، وحمزة البسيوني، وزمن اعتماد خورشيد، والتسبيح بحمد القذافى، وبشار، وصدام، وابن على، وأن يعمل محللاً لنظام حسني مبارك، وعمر سليمان، وأحمد شفيق، فاقتطع بكري تصريحًا وأعلن حربًا شعواء على الإخوان المسلمين الذين يريدون هدم الجيش وأخونته فقال: "إن حقد الجماعة وذيولها علي الجيش لا يعبر عن عدم الانتماء والولاء للوطن فحسب وإنما يعبر عن إن سيناريو التأمر ضد الجيش قد بلغ مرحلته النهائية وأن ما جري ضد المشير طنطاوي سيجري ضد الفريق أول السيسي لتبدأ أخونة الجيش وتفكيكه بالضبط كما جرى ويجري حاليا ضد كافة المؤسسات، معتبرًا صمت قيادات الجيش أصاب الشعب والرأي العام و أبناء القوات المسلحة بالدهشة و الإحباط، هجوم عبد السلام بسيوني القيادي جماعة الإخوان المسلمين الذي قال (نسال الله ألا يمكنهم من حكم مصر مرة ثانية وان يقطع دابر العسكر وأن يهلكهم جميعًا حيثما كانوا بعد أن وضعوا مصر تحت أقدام الصهاينة والأمريكان).
وأضاف: "إن الهجوم الذي شنه القيادي الاخواني يخرج عن كل الأعراف والقيم ويتهم جيشنا العظيم بأنه وضع مصر تحت إقدام الصهاينة والأمريكان وينسى هذا الحاقد أن جماعته هي التي اتفقت وتوافقت مع الأمريكان علي كل المطلوب مقابل الكرسي وينسي إن رئيسه هو الذي خاطب المجرم "شيمون بيريز" بالصديق الوفي وهو الذي رعى اتفاقًا بين حماس والكيان الصهيوني أسكت به البندقية الفلسطينية والجم المقاومة ضد العدو الصهيوني فمن الذي وضع مصر تحت إقدام الصهاينة والأمريكان'.
هذا هو مصطفى بكري.. يفقد ظله كل يوم.. ويأتي بالعجائب في دنيا السياسة، ويعتمد منهج أستاذه هيكل الذي عفا عليه الزمن وهناك آليات جديدة بدأت يتعامل مع الشعب الذي لن يكون مغيبًا مرة أخرى يفوض فرعونًا للتفكير بالنيابة عنه.