26 شهرًا قد مضت على ملحمة أبطال الشام في شق طريقهم لتحرير أوطانهم وشق طريقا مختصرا للعرب والمسلمين نحو تحرير الأقصى واستعادة الخلافة الإسلامية العظمى، وهي الملحمة التي شهدت بطولات جهادية وانتكاسات عربية ومؤمرات إقليمية ودولية.
وقبل أيام تابع العالم الغارة الجوية الثالثة للصهاينة في حوالي ثلاثة أشهر على سوريا وأهلها، فحين كانت الأولى في نهاية شهر يناير الماضي، شهد مايو الجاري غارتين صهيونيتين يومي الجمعة والأحد، 3 و5 مايو وكانت الأخيرة هي الأكبر، تأكيدا لاعتبار شهر مايو هو شهر النكبات المستمرة للعرب والمسلمين في تاريخهم المعاصر.
واستهدفت الغارة الصهيونية الأقرب عدة مواقع ومنشآت عسكرية ومخازن صواريخ في جبل قاسيون ومركزا للأبحاث العسكرية في ريف دمشق بريف دمشق، وذكرت مصادر أن الغارة ضربت شحنات من صاروخ سام ــ17 الروسي الصنع، كانت بطريقها إلى حزب الله اللبناني.
فيما قال موقع "ديبكا" المقرب من الاستخبارات العسكرية الصهيونية أنَّ الهدف الرئيسي من الغارات الجوية كان منع سيطرة كتائب المعارضة على صواريخ نوعية في ريف دمشق، وذلك منعًا من وقوعها بيد الجيش الحر.
وقد أسفرت الغارة عن مقتل نحو 300 مواطن سوري، وتسبب القصف في تدمير كبير لعدة ألوية وكتائب عسكرية.
وكشفت الغارة عن وهن وضعف الجسد العربي أمام عربدة واستباحة الصهاينة لجسده، حتى أن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أمر بتنفيذ الغارة، قبيل سفره إلى الصين، مرتكنا إلى الانكفاء الشديد للشعوب العربية على ذواتها، خاصة في المرحلة العصيبة الحالية
أسرار الغارة!
وسربت المصادر الصهيونية أخبار الاجتماع الأمني المصغر الذي جرى يوم 28 أبريل وأقر القيام بالغارة الجوية لعدة أسباب في مقدمتها منع الجيش الحر والمقاومة من حيازة منظومات صاروخية متطورة، قد تستخدم لاحقا ضد الكيان، ذلك أن الغارة استهدفت مركز جمرايا للبحوث العسكرية؛ بما يعني تدمير القدرة العسكرية لسوريا، وليس استهداف مخازن أسلحة حزب الله في لبنان، أو تدمير أسلحة النظام القاتلة للسوريين.
ومعروف أن النظام الأسدي لم يكن يومًا ما مصدرًا لتهديد الأمن أو المصالح الصهيونية، ولم تنطلق من سوريا رصاصة واحدة ضد الكيان منذ عام 1973م، ومن ثم كانت الغارة دعم حقيقي لحليفهم وكنزهم الاستراتيجي على مدار العقود الماضية.
ومن ثم لعبت الغارة دورها في محاولة تشويه الثورة السورية، بإيحاء أن الصهاينة أصحاب مصلحة مشتركة مع الثوار وأن الكيان يتدخل لحمايتهم، ما يمنح مزيدا من الوقت لهراءات نظرية المؤامرة الكونية ضد محور "المقاومة والممانعة"، والذي رد على الغارة الصهيونية بغارة أسدية على القصير وأطراف دمشق وريفها، وبعض قرى درعا وحلب، مع الموقف الثابت بعدم توجيه طلقة واحدة تجاه الصهاينة!.
وبالتأكيد فإن الكيان مهتم بمصير الأسلحة المتطورة وعدم وصولها إلى الجماعات الجهادية والمقاومة، إلا أنه كذلك بدا اختبارا لرد الأمريكان وموقفهم حال أخذ الكيان زمام المبادرة وضرب النووي الإيراني لاحقًا، دون مشورة الأمريكان، وبالفعل لم يخيب أوباما الظن فيه بدفاعه المباشر عما اعتبره "حق" الكيان في الدفاع عن نفسه.
من ناحية أخرى، أرسل الصهاينة رسائل طمأنة إلى روسيا والصين أن الغارات لم تكن دعما للمعارضة، ولكنها منعا لتعزيز قدراتها حال سيطرتها على تركة الأسد العسكرية، لذا بدا الموقف الروسي والصيني ضعيفا في ردة فعله حيال الغارات، رغم تزامنها مع زيارة نتنياهو إلى الصين.
الرهانات الدولية
لا يمكن وضع الغارة الصهيوينة في غير مربع دعم نظام الأسد والذي يتحرك فيه أطراف مختلفة لأسباب متباينة، فروسيا والصين يجمعهما مشترك سياسي واقتصادي استراتيجي وكذلك مخاوف وحتى ضجر متشابه من السياسات الأمريكية ورغبتها في الهيمنة المنفردة بأمور الشرق الأوسط، وتسعي البلدين لدور أكبر في الساحة الدولية وتثبيت مكانتهما على المستويين الإقليمي والدولي.
وتشاركهما إيران في السعي إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ، وإعادة صياغة خرائط المنطقة وإعادة ترتيب المشهد الجيوسياسي، مع فتح مجالات للتمدد الإيراني في المنطقة، ومضاعفة أوراق الضغط والابتزاز لدول المنطقة، فضلا عن كون إيران و"حزب الله" ينحازون إلى نظام الأسد من منطلق طائفي أسود وبغيض.
ويعمل المحور الإيراني- الروسي على تعزيز نظام الأسد بضمان تفوقه في العتاد العسكري، وباستغلال السياسة الأمريكية الجديدة في عهد أوباما بعدم الانخراط الشديد في قلب الأزمات الدولية والتزام دبلوماسية تأجيل انفجار الأزمات لتقليل الكلفة على الاقتصاد الأمريكي المثقل بالديون والأزمات، الأمر الذي يراه البعض يفقد السياسة الأمريكية ميزتها الأكبر في القرن العشرين، وهي امتلاكها زمام المبادرة.
وقد شهد الملف السوري مؤخرا توافقا بين الولايات المتحدة وروسيا باعتبار أن التفاوض على نقل السلطة في سوريا هو الخيار الأفضل للطرفين، والتزام البلدين بتسوية الحرب الراهنة "عن طريق التفاوض كوسيلة أساسية لإنهاء إراقة الدماء".
وتنازلت أمريكا لتجعل من رحيل الأسد نتيجة لعمليات التفاوض السلمية، بدلا من اعتباره شرطا مسبقا لها، وذلك في سبيل فرض الروس على بشار القبول ببيان جنيف بشأن الحكومة الانتقالية.
وقال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أن العمليات العسكرية ضد الأسد قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، ما أكد للجيش السوري الحر أن أمريكا باعتهم مجددا، بعد مماطلتها السابقة في تسليحهم، كما أعلنت سابقا أنها ستتخذ موقفا حاسما ضد الأسد في حال استخدم السلاح الكيماوي إلا أنها تراجعت فيما بعد زاعمة أنها لا تمتلك أدلة يقينية على ذلك.
ويتعمد أصحاب المصالح المختلفة في سوريا على شراء الوقت واستثمار حالة الوهن العربي والإسلامي لتنفيذ مخططاتهم وأهدافهم، مع السعي الحثيث إلى تفتيت سوريا وإدخالها في حرب أهلية تخرج البلاد من الخريطة السياسية للشرق أوسطية.
فيما تهتم دول الجوار الإقليمي بتأمين نفسها وحدودها، وتقدم دولا مثل السعودية وقطر وتركيا والأردن دعمًا نوعيًّا وانتقائيًّا للثوار السوريين، ولكنه غير كاف لتحقيق نصر حقيقي يحسم المعركة، ليدفع الأبرياء والعزل الثمن دمائهم وأرواحهم، في ظلّ غياب الرؤية الإستراتيجية لدى المعارضة؛ وغياب التكامل والتنسيق فيما بينها.
قتل وتدمير
وقد خلفت الثورة على مدار 26 شهرًا نحو 80 ألف قتيل وتم اختطاف وسجن نحو 80 ألفًا آخرين ولا يعرف أحد مصيرهم، فضلا عن أضعافهم من الجرحى، وتشرد نحو 7 ملايين سوري بعدم هدم منازلهم، فيما لجأ إلى البلدان المجاورة 1.3 مليون شخص، يعيش أغلبهم في معسكرات تفتقر المقومات الأبسط للحياة الآدمية.
وحكت القرى والمدن ونقلت الكاميرات مشاهد التعذيب والمذابح التي فاقت في وحشيتها مذابح الصليبيين والتتار والصهاينة في أمة الإسلام، فيما نزح حوالي 4.25 ملايين سوري إلى مناطق مختلفة داخل البلاد، بينهم 1.5 مليون يواجهون انعداما وشيكا للأمن الغذائي، وأحصت هيئات حوالي 3 مليون طفل يعانون من الفقر والجوع، هذا فضلا عن الخسائر الحضارية والعمرانية المروعة.
في ظلال المستقبل
لا يبدو في المشهد الحالي أو المستقبلي أي تأثير للغارة الصهيوينة على مسار الثورة السورية والتي باتت رهينة لأصحاب المصالح الذين يسعون لإطالة أمد الصراع لتدمير سوريا وإشغاله بنفسه لعقود باعتبار أن بقاء بشار ضعيفا ومنهكا خير من مجيء "ثوار إسلاميين".
ومع تأجيل الحسم العسكري، يطول الأمد في مسارات ومتاهات الحل السياسي الذي لا يقصي بشار، ويؤمن انتقالا سلميا للسلطة في وجوده إلى أطراف يرضى عنها الكيان الصهيوني والأطراف الأخرى.
ويستمر الموقف كذلك مع الضعف والوهن الشديد لمحور دعم الثورة السورية، واستمرار الصورة الراهنة، ربما يعني الضغط على الجيش الحر لوقف العمليات الجهادية في سبيل المفاوضات السياسية، وقبول بقاء بشار لفترة مقابل تأمين سلمي لسلطة شعبية منتخبة.
أما في حال استمرت الثورة والعمليات الجهادية فالمخطط الجاهز هو تحويل سوريا إلى دويلات، بما يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد، وهو الأمر الذي يتم التمهيد له حاليا من خلال تهجير أهل السنة عن الساحل ليكون دولة للعلويين، عاصمتها اللاذقية التي تم نقل موجودات البنك المركزي إليها من دمشق منذ أيام، فضلا عن أعمال تجهيز الميناء والمطار هناك لكي يواكب ذلك التطور.
وبالتأكيد تركت سنوات الاستبداد والتخلف أثرها على الشعوب والأمة المسلمة, وشكلت كثيرا من سلوكياتها وأخلاقها الحاكمة في الوقت الحالي، ولكن الدرجة الراهنة ربما لم يعرفها أي عهد من عهود الانحطاط العربي والإسلامي، فما يشهده الشعب السوري هي مذابح على الهوية والعقيدة فاقت مع عرفه الشام من التتار والصلبيين، وغياب التناصر الإسلامي حتى على مستوى الظاهرة الصوتية، يمثل درجة غير مسبوقة من الأنانية والانكفاء على الذات والمصلحة الشخصية.
وإن كان ثمة ميزة في الخذلان العربي والإسلامي فهي إلجاء السوريين إلى ملاذ وحيد هو ربهم للاستنصار به ولدينهم للاعتصام به في مواجهة آلة الذبح الأسدية، ولتخفيف وطأة الوهن والخذلان العربي والإسلامي في تأييد حقوقهم والمحافظة على أرواحهم.
ويرى الخبراء أنه يمكن التحرك في حل جدي دون إقصاء الطاغية بشار الأسد الذي أغرق يديه في دماء سوريا وأهلها، وأنه لا يمكن التعويل للحظة واحدة على الموقف الغربي والدولي، الذي يفضل الوضع الحالي على تقديم سوريا كهدية جديدة إلى الثوار الإسلاميين، الذين شكلوا غالبية الحراك السوري الحالي واعتبروا المساجد محطات انطلاقهم نحو الجهاد والمقاومة، مع استمرار سلبية قطاعات مهمة من المجتمع وخاصة من الأقليات وإحجامها عن الانخراط في الثورة.
وليس أحب على الشام الآن من رفع رايات الجهاد والإعداد الحقيقي له، والذي يتحمل الإسلاميون وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون حمل رايته، ويحتل الإخوان المسلمون الموقع الأبرز في سوريا، ليس فقط باعتبارات المر والعدد، ولكن باعتبارات الحنكة السياسية والخبرة التي تفتح المجال أمام مشاركة الجميع وتوحيد قوى المعارضة، وإيمانهم بحق الشعب في تقرير مصيره ومستقبله بكل حرية وشفافية.
وواجب الشعوب العربية والإسلامية هو التبني الحقيقي للقضية بما يدفع الأنظمة للدفاع عنها وتقديم اللازم لنصرتها، وذلك من خلال التحركات الشرعية عبر البرلمانات والتظاهرات المؤيدة والمناصرة وحركات التبرعات وجمع الأموال وغيرها، بما يحرك القضية ويغير صور نصرتها لتتخذ أشكالا لوجستية وربما عسكرية بدلا من الاكتفاء بالشجب والإدانة.
ويحتاج الدعم الشعبي والعسكري لتحرك سياسي يطمئن المحور الداعم للأسد (وخاصة إيران وروسيا والصين) بالحفاظ على مصالحهم، وتأمين الطائفة العلوية على نفسها وأموالها أن مصالحها ستكون مؤمنة في ظل الوضع المستجد، وذلك من خلال الوسائط الدبلوماسية والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها، بما يقلل تكاليف المعركة ويحقق أهدافها.
لم تقم الثورات في دول الربيع العربي لمجرد إسقاط النظام أو استبدال الرؤساء، ولكن لتمكين قيم الحرية والعدالة، ولن تتخلص تلك الشعوب من الاستبداد حتى تتخلص من آثاره وتتخلى عن الوهن الذي سيطر الديكتاتور من خلاله على نفوسها وإرادتها، فليس ثورة بغير إيجابية وليست حرية بغير إرادة تتحكم في المصائر وتحقق الرغبات والطموح.