لا يخفى على أحد دور الصحوة الإسلامية (مصلطلح الصحوة بدأ الظهور والممارسة كمفهوم دعوي وأيدلوجي بداية خمسينيات القرن الماضي على يد العلماء الأفذاد الذين تعلموا في الدول العربية، وإن كان هناك من يشير إلى إن الصحوة الإسلامية بدأت أيام المناضل الصومالي السيد محمد عبد الله حسن في أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى عام 1921) في نشر التعليم بين الصوماليين، فمنذ بروزها على الساحة كانت النهضة العلمية من بين اهتمامتها، وكان الرعيل الأول من رواد الصحوة قد أعطوا مسألة تثقيف المجتمع اهتمامًا متزايدًا؛ نظرًا لدور التعليم في إحداث تغيير جذري على تركيبة المجتمعات في العالم، وأنها الطريقة المثلى لغرس المبادىء والغايات المرجوة. وقد لعبت جهود رجال الصحوة الصومالية حيال التعليم أدوارًا مهمة في توجيه بوصلة المجتمع، وتقليل نسب الجهل والتخلف داخل الصومال.
ففي الخمسينات والستينيات كانت الطبقة المثقفة في الصومال تميل نحو الثقافة الإيطالية والإنجليزية، ولم يكن للثقافة العربية أي دور في المدارس والمعاهد، والسبب يعود إلى حملات التبشير التي كانت تهدف إلى إزالة مظاهر اللغة العربية، وتجفيف المنابع الثقافية لها، ليتسنى لهم دور نشر اللغات الأجنبية، وسلخ المجتمع الصومالي من هويته وثقافته الأصلية.
بدايات الصحوة التعليمية
وأمام الواقع التعليمي المتردي، دخلت الصحوة الإسلامية في الصومال، حاملةً معها همًّا تعليميًّا يهدف إلى إنقاذ المجتمع من براثن الثقافات الأجنبية التي غزت البلاد من كل حدب وصوب، وكان رجالها الأوائل- أمثال: الشيخ نور الدين علي علو الذي درس في السعودية، والشريف محمود عبد الرحمن (مارطيري) الذي تخرج في جامعة الأزهر الشريف، والشيخ محمد أحمد غريري (خريج الجامعة الإسلامية في السعودية) وغيرهم من عشرات الشيوخ؛ الذين تخرجوا من الجامعات العربية وتسلحوا بالثقافة العربية- قاموا بكل ما أو أوتي لهم من قوة في مواجهة مدّ التغريب الذي بدأ يتغلغل إلى مفاصل الشعب عن طريق تبني ثقافات أجنبية، وجعلها المعيار التي تسير عليه الأمة.
ورغم البدايات المتواضعة لنشاط التعليم في الصومال، بدأ رواد الصحوة الأوائل في بداية نشاطهم بفتح مكتبات تساهم بتعزيز اللغة العربية، ونشرها في أوساط الطبقة التي لها ميول في الثقافة العربية، تلك الجهود كانت محاولات متواضعة، إلا أنها تُعتبر بداية تشكل نواة حقيقية لمشروع تمكين التعليم ذي الميول الإسلامية في البلاد.
وافتتح في الصومال العديد من البعثات التعليمية كانت أولها: البعثة المصرية عام 1953، ثم جاءت بعدها البعثة السعودية بتاريخ 1968، وأسست الأخيرة معهد التضامن الإسلامي (يقول الشيخ محمد أحمد نور غريري أول مراقب لجماعة الإخوان في الصومال في مقابلة أجراها معه الزميل محمد عمر أحمد عام 2009، "إنهم بدؤوا بفتح مكتبة علمية تابعة لجمعية النهضة عام 1976، لجلب كتب الفكر الإخواني بمساعدة المستشار عبد الله عقيل")، الذي كان له الدور في تخريج كوادر مؤهلة أمثال: الشيخ عبد القادر نور فارح (1940-2013) والشيخ نور بارود جرحن، ومعظم رموز الدعوة الإسلامية بمنطقة القرن الأفريقي ولا يسعنا المقال لذكرهم جميعًا.
نظام سياد بري والتعليم
ومع كثرة الجهود المبذولة من قبل رواد الصحوة الإسلامية الذين حاولوا تنقية وإزالة رواسب الاستعمار، وما خلفته هيئات التبشير من تبعية ثقافية مهينة، كان في مقابلها تجري مساعٍ حثيثة من قبل نظام سياد بري الذي يسعى هو ومن يقف ورائه من الشيوعيين إلى إبعاد الشعب الصومالي عن كل ما له صلة بالعروبة والإسلام، ومن أجل البلوغ إلى هذه الغاية تم توظيف زارة التربية والتعليم من أجل خدمة أغراض مشبوهة لا تتقاطع ومتطلبات المجتمع الصومالي المسلم.
وكان الاختلاط وعدم مراعاة رغبة المجتمع فيما يتعلق بالتعليم النموذجي المحافظ السمة الغالبة في التعليم آنذاك، ولم يكن من أولويات الحكومة تقديم تعليم مجود يراعي الأساليب التربوية الحديثة، وبدلاً عن ذلك اتجهت نحو تضييق كل ما له صلة بالإسلام والعروبة، واصبحت مادة الدين واللغة العربية ضمن مواد لا تحظى الاحترام والمكانة المرموقة.
وفرضت حكومة سياد قبضة حديدية على منابع الثقافة العربية والفكر الإسلامي، متمثلةُ بالمدارس والمعاهد العربية، وحاولت بكل إمكانياتها إلى تأميم بعض هذه المدارس، وتغريغ بعضها الآخر من محتواها الحقيقي، وتحويلها إلى أداة بيد النظام المستبد، وهذه هي عادة الأنظمة الشمولية في جميع أقطار العالم، فكلما يضيق بها فضاءات الحرية والمنافسة الفكرية الشريفة، سرعان ما تلجأ إلى جرّ معاركها إلى ميادين أخرى، ترى أنها توفر لها الغطاء في ممارسة أبشع ألوان التضييق.
ولم يكن هناك حرية تعليمية بحسب ما هو متعارف عليه حاليًّا في أوساط جميع الدول، وكانت الحكومة الصومالية هي من تدير التعليم وتراقبها وتفرض عليها توجهاتها السياسة والثقافية، مع عدم مراعاتها لرغبة المجتمع، وأولويات ذلك في سلم التربوي والتعليم لأي مجتمع إنساني.
وبناءً على رؤية الحكومة المركزية تجاه التعليم، كان هناك جامعة واحدة تمّ تأسيسها عام 1970، وذلك عندما تحول المعهد العالي للقانون والاقتصاد إلى جامعة وطنية بدعم من جامعة بدوفا الإيطالية.
وفي بعض كليات الجامعة الوطنية سعى الإسلاميون إلى المشاركة في تدريس بعض تخصصاتها، بعدما لاح لهم أن لا جدوى من إتاحة حرية تعليمية من قبل النظام المسيطر في المفاصل التعليمية في البلاد. وكانت كلية التربية التابعة للجامعة الوطنية والمعروفة بـ" لفولي" تُعتبر محضن الإسلاميين في الجامعة، وكان يُحاضر فيها شيوخ ورموز إسلامية أمثال الشيخ: الشريف عبد النور(خريج أزهر الشريف، وعالم دين سلفي مشهور في الصومال) والشيخ محمد نور قوي( خريج أزهر الشريف وعالم ديني سلفي آخر مشهور على نطاق واسع في الصومال) والشيخ عبد الرحمن يوسف ( كارمارطا) من التيار السلفي.
هذه الرموز وغيرها كانت تحاول جاهدةً إلى رسم ملامح العمل الإسلامي داخل المؤسسات التعليمية وتوريثها للأجيال القادمة، وتمّ التركيز على مواد التربية الإسلامية واللغة العربية على اختلاف فنونها.
أما كلية اللغة العربية احتضنت بدورها رموز إسلامية نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر، الأكاديمي الصومالي البروفيسور عبد الرزاق حسين حسن (من التيار الإخواني في الصومال وخريج معهد الخرطوم الدولي للغة العربية بالسودان وشغل عميدًا للكلية) والشيخ عيسى أحمد من الرعيل الأول لجماعة الإخوان في الصومال، وغيرهم كُثر.
واقع التعليم بعد انهيار الحكومة
عندما انهارت الحكومة الصومالية مطلع عام 1991، أصبحت الصحوة الإسلامية أمام اختبار حقيقي وصعب، فبدأت فتح مدارس ومعاهد لإنقاذ الجيل الناشئ من براثن الجهل والتخلف.
![]() |
وحركة الإصلاح التي تمثل جماعة الإخوان في الصومال اتخذت التعليم أحد شعاراتها إلى جانب الإغاثة والدعوة، إيمانًا منها بدور التعليم في تغيير في المجتمع الصومالي.
وقام الإسلاميون إلى افتتاح المدارس في العديد من المناطق الصومالية، وأصبحت العربية لغة التدريس عند معظم تلك المدارس الأهلية، واستعادت العربية عافيتها من جديد بعد طول معاناة ومنع مقصود من قبل نظام سياد بري.
وتبلغ عدد المدارس الأهلية المنتشرة في الصومال 845 مدرسة أهلية يدرس فيها 198 ألفًا و427 طالبًا، وتخضع هذه المدارس تحت إدراة التعليم الأهلي في الصومال (انظر التقرير الصادر من وزارة التربية والتعليم الصومالية عام 2011) كغيرها من جميع القطاعات الحيوية كالاقتصاد، التعليم، الخدمات، الاتصالات، التي يُدار بواسطة الإسلاميين.
ومع كثرة طلاب المدارس الأهلية وغياب جهة حكومية قوية تتولى إدارة شؤون هذا العدد الهائل من الطلاب، قام القائمون بأمر التلعيم في الصومال بتدشين رابطة التعليم في المدارس والمعاهد الأهلية في الصومال عام 1997، لتصبح هذه الرابطة مظلة تعليمية تشرف على سير عمل تلك المدارس، مع وضع خطط وإستراتيجيات تعليمية هادفة تخدم رؤية الإسلاميين الصوماليين فيما يتعلق بتقديم تعليم نموذجي يلبي رغبة المجتمع التعليمية والثقافية بما يخدم المصالح العليا للوطن.
وبعد النجاح الذي حققه الإسلاميون في التعليم الأساسي والثانوي في الصومال، توجهوا في أواخر التسعينيات إلى تأسيس جامعات تفتح آفاق التلعيم العالي للأعداد المتزايدة من الطلاب الخريجين من المدارس الأهلية، فانتشرت في العديد من الأقاليم الصومالية جامعات أهلية يديرها رجال الصحوة من السلفيين والإخوان، وغيرهم من التيارات الفكرية الأخرى.
ويشير تقرير صادر من وزارة التربية والتعليم الصومالية عام 2011 أن عدد الجامعات الأهلية في الصومال تصل حوالي 17 جامعة، لكن هذه الإحصائية- حسب وجهة نظري- لا يمكن اعتمادها رسمياً، حيث يوجد في مقديشو وحدها أكثر من 20 جامعة أهلية، أما بقية الأقاليم فهي في تزايد مستمر؛ نظرًا لحاجة المجتمع إلى تعليم جامعي يلبي رغباتهم التعليمية.
ويشهد الواقع التعليمي بعد فترة انهيار الحكومة الصومالية إلى ازدهار ملحوظ؛ سواء من ناحية تمدد التعليم على نطاق واسع في جميع الأقاليم والمناطق، أو وجود أفكار تعليمية حديثة كمدارس القرآن، التي بدأت الظهور عام 2002، ويبلغ عدد من يدرسها حاليًّا 11200 موزعون عبر 140 مدرسة منتشرة في أنحاء الصومال (اقرأ تقرير: مدارس القرآن.. نموذج تعليمي صاعد بالصومال المنشور في موقع الجزيرة نت).
وهناك نماذج تعليمية أخرى بدأت الظهور في الصومال كفكرة المعاهد الشرعية والدعوية في الصومال، وهي فكرة تلقى رواجاً وقبولاً في أوساط الطبقة المتدينة والمثقفة في الصومال، ومع ما تلاقي تلك الأفكار من صعوبات جمة من ناحية تطبيقها على الأرض.. لكنها من ناحية أخرى تُظهر مدى تعاطى الصحوة مع المستجدات، وعدم جمودها، بل سعيها– دائمًا- إلى ابتكار الأفكار التعليمية القيّمة؛ حتى يكون لها الريادة في بلد يعاني من تبعات حروب أهلية أكثر من عقدين من الزمن.
