من أكثر الأيات التي كانت– ولا زالت- تنزل على قلوب أبناء الحركة الإسلامية بردًا وسلامًا، آية التمكين التي وردت فى سورة النور (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55).

 

كنا كلما قرأناها في أوقات التضييق والتشديد على أبناء الحركات الإسلامية من قبل الأنظمة التي تهاوى عروش بعضها في ثورات ما سمي بالربيع العربي شعرنا بالأمل ورأينا فيها هذا الضوء الخافت في نهاية السرداب المظلم الطويل الذي عاشته الأمة الإسلامية منذ انهارت دولة الخلافة وتسلط على الأمة الحكام القمعيون الذين لم يرقبوا فى مؤمن إلاًّ ولا ذمة.

 

كان البعض لأجل هذه البشرى يستعذب القبض على الجمر مهونًا على نفسه الأمر بكلمات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لخباب بن الأرت (رضي الله عنه) "ولكنكم قوم تستعجلون" حتى أصبح شعاره سأصبر حتى يجيء الفجر في عمري.

 

ولكننا ما إن أنعم الله علينا ببعض بدايات التمكين- والذى ظنه البعض تمكينًا- حتى رأينا دائرة الخناق تضيق علينا أكثر من ذي قبل، فبعد أن ظن البعض أن فوز أبناء الحركات والتيارات الإسلامية في الانتخابات النيابية أو الرئاسية التي جرت في دول الربيع العربي سيتبعه راحة بعد عناء ونهار مشرق بعد ليل طويل، ومنينا أنفسنا بانتهاء عصر الفزاعة من الإسلاميين، إلا أن ذلك كله لم يحدث، بل على العكس رأينا هجومًا وتشويهًا للفكرة قبل الأشخاص بشكل لم يحدث من ذي قبل، وانتمى للمعسكر المضاد أعداد وأسماء لم نعهدها هكذا يومًا ما، وصار الأمر أشبه بفتنة وانقلب الحلم الجميل– عند الكثيرين- إلى كابوس بشع؛ لدرجة أن صرح غير واحد من أبناء الحركة الإسلامية أنه تمنى لو لم يخض أبناء الحركة الإسلامية الانتخابات في هذه الفترة؛ لأننا خسرنا الكثير، ولن نستطيع أن نعوض هذه الخسائر، الدعوية كانت أو السياسية، فالحمل- كما يقول- ثقيل ونحن لم ندرك حقيقة الأزمات التي تنتظرنا في الحكم وكان من الأجدر بنا أن نترك الحكم والتنافس عليه لغيرنا علمانيًّا كان أو شيوعيًّا.

 

ومثل هذه الكلمات والتصريحات دفعت البعض- والبعض هنا كثير- ليتساءل: أين الاستخلاف والتمكين إذًا ونحن لا زلنا نتلقى هذه السهام الموجهة إلى ظهورنا ونحورنا حتى ونحن في صدارة المشهد السياسي أو الحكم في بعض البلدان كمصر؟

 

أقول وبالله التوفيق إن هذا ما دفعني دفعًا للتأمل في سير من سبقونا في فترات مشابهة كتلك التي نمر بها عسى أن يهدينا الله لبعض الدروس والعبر التي نستفيد منها ونستطيع بها أن نعيد شحن بطاريات كادت أن تنفد شحنتها أو نارًا كادت أن تخمد جذوتها.

 

(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111).

 

ونعود إلى قصة من قصص إحدى الأمم السابقة والتي قصها الله (عز وجل) علينا في كتابه الكريم؛ لنأخذ منها بعض الدروس والعبر في طريقها نحو التمكين.

 

يقول الله عز وجل فى سورة البقرة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)) (البقرة: 246-252).      

 

والقصة كما يتضح من السياق لجماعة من بني إسرائيل عانوا من الذل والقهر والتشريد على يد أعدائهم وسلبت منهم الديار والأموال وسيق أبناؤهم إلى الأسر والسبي، وهذه الأسباب دفعتهم دفعًا لطلب الجهاد في سبيل الله وأولى خطوات الاستعداد للجهاد هو توحيد الصف فلا مجال لعمل قوة الساعد والسلاح دون وحدة للصف ولا وحدة للصف دون قيادة راشدة تستطيع توجيه هذا الصف المتماسك المترابط.

 

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (الصف:4)

 

ولاحظوا هنا في الآيات الحمية التى يتحدثون بها والنبرة الواثقة في كلامهم وفي المقابل من ذلك نبرة نبيهم فى الرد على هذه الحماسة بهذا الإستفهام الاستنكاري (قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ)، فهو كما يبدو يعلم حقيقة باطنهم التي تختلف قطعًا عن هذه الحماسة الظاهرة البادية على حديثهم وهو ما تأكد بعد هذا.

 

والسؤال هنا: أين ذهبت هذه الحماسة للجهاد في سبيل الله بعد أن أخبرهم النبي أن الله قد اختار طالوت– الفقير- ملكًا عليهم؟؟؟

 

تأمل أنت فى الرد لتعلم أن حب الدنيا تمكن من هذه القلوب للدرجة التى جعلتهم يقيسون الأمر وفق أهوائهم ومقاييسهم - المختلفة قطعا عن مقياس رب العالمين- فقالوا عن طالوت مستنكرين مستكبرين (قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) فبالرغم من أن النبي قد أوضح لهم أن الأمر باختيار طالوت ليس من عندياته وإنما هو أمر من الله ومدعم بالدلائل والأسباب والمعجزات الحسية (التابوت)، إلا أن كل ذلك لم يشغلهم قدر انشغالهم بالسؤال عما يملك من المال!!!!!!!!!!!!!

 

ولأن سنن الله لا تتبدل ولا تتحول فقد كرر كفار قريش نفس الرد في تفسيرهم لأسباب صدهم عن محمد (صلى الله عليه وسلم) وتكذيبهم برسالته فقالوا كما جاء في سورة الزخرف:

(لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) (الزخرف:31)

 

وكأنهم– كما قال الله عز وجل- تواصوا به عبر الزمان (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْم طَاغُونَ) (الذاريات:53)  

 

ونعود إلى بني إسرائيل فنقول بأنه ليس مستغربًا إذًا على قلوب تعلقت بالدنيا وقاست الرجال بما يملكون من مال وبما يحملون من نسب  ألا تصدق فى عهدها مع الله لتكون النتيجة (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فلم يثبت فى عهده مع الله إلا قلة منهم هم من باعوا دنياهم ليشتروا بها آخرتهم، وأهل هذه التجارة الرابحة هم أهل التمكين في كل زمان ومكان.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)) (الصف).

 

ومن هذا الموقف يجب أن نخلص إلى بعض الدروس، الأول، إن من أكثر الأسباب تعويقًا نحو بلوغ التمكين هو حب الدنيا والتعلق بها ومن نتائجه الظاهرة ان يقع خلل في توظيف القدرات وإسناد المسئوليات.

 

أما الدرس الثاني فإن تغليب المصلحة الخاصة– شخصية كانت أو حزبية- على المصلحة العامة كما في قولهم (نحن أحق بالملك منه) لهو من أخطر الآفات والأمراض التي– إن فشت- تمنع الأمة من استكمال طريقها نحو التمكين وبناء حضارتها ومجدها.

 

وأخيرًا إن التعلق بالدنيا وتمكنها من القلوب يدفع صاحبه لإنكار الحق مهما توافرت لديه من الأدلة والبراهين المؤيدة لهذا الحق؛ ولذا فإن أرادت الأمة بناء حضارتها وتحقيق التمكين لدين الله عز وجل في الأرض وجب عليها التخلص تمامًا ونهائيًا من مثل هذه الآفات أو على الأقل الحد من انتشارها وشيوعها في عموم المجتمع. 

 

ونأتي بعد ذلك للقلة التي صدقت عهدها مع نبيها ومع الله وخرجت للجهاد في سبيل الله، هذه القلة بلغ منها الجهد مبلغه ووصل بها الجوع والعطش مداه ثم تفاجأ في طريق سيرها بنهر جار ووفقًا لحساباتنا البشرية ورؤيتنا الآنية للأمور فإن هذا النهر هو المنحة التي منحها الله لهؤلاء المجاهدين الخارجين لنصرة دين الله. وأعتقد أن هذا ما دار بخلدهم، فها هو النهر الذى سيتزودون منه بالماء والطعام بعد الجوع والعطش الشديدين ليتقووا بذلك على الجهاد والحرب التى تنتظرهم، إلا أن المفاجئة الصادمة لهم تمثلت فى تحول ما حسبوه منحة إلى محنة وإختبار إذا قال لهم قائدهم (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) ونتيجه للحسابات المادية البحتة وعدم التفاتهم لقول قائدهم "إن الله مبتليكم"، فقد فشل أغلبهم فى هذا الإختبار وشربوا من النهر إلا قليلا منهم لتظل سنة الله باقية على الدوام: 

 

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)) (العنكبوت). 

 

وبهذا أصبح الجيش الخارج للجهاد ما هو إلا قلة من قلة وقد وصف الله هذه القلة التي تجاوزت محنة النهر بالمؤمنين، ولكن هؤلاء المؤمنين ما إن رأوا جيش الجبابرة بأعداهم وعتادهم حتى فتنوا بهم وعادوا مرة أخرى للحسابات المادية فقط وقاسوا المواجهة بين أهل الحق والباطل بالعدد والعتاد دون استحضار تأييد الله (عز وجل) للمؤمنين، وهذا دليل على أن محنة النهر التي تجاوزوها لم تكن فى حقيقتها إلا منحة من الله لهذا الجيش لينقيه ويميز بين جنوده فكان الصبر على الجوع والعطش هو الزاد الحقيقي لميدان المعركة التى لم تحتاج لزاد من طعام وشراب قدر حاجتها لزاد من الصبر والتقوى وهو ما ظهر جليًا في مجموعة صغيرة من المؤمنين الذين جاوزوا النهر،وصفهم الله عز وجل بقوله (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ).

 

هذه الفئة من المؤمنين كانت فى الجيش بمثابة مصدر النبض في القلب إذا اعتبرنا أن المؤمنين هم بمثابة القلب للجيش، فهم الذين أعادوا بث الأمل والروح من جديد في صفوف القلة المؤمنة التي ثبتت بقولهم (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) فأعادت النبض لقلب كاد أن يقف من الهلع والخوف.

 

ومن هذا الموقف نخلص لبعض النقاط الهامة:

الأولى هي ضرورة الانتباه إلى أن ما قد نعده– بنظرتنا البشرية- منحة قد يكون– وفق تقدير الله له– محنة تعمل على تنقية الصف وتمحيصه، لتنقلب هذه المحنة إلى منحة لمن يثبت فيها ويتجاوزها بثبات وإيمان وأسألكم، كم نهر- شبيه بهذا النهر- مررنا عليه منذ سقوط أنظمتنا القمعية حتى يومنا هذا؟؟؟.

 

أما النقطة الثانية فهى ضرورة أن يراجع كل منا حقيقة إيمانه ليقف على مكانة الدنيا والآخرة في قلبه فعلى قدر مكانة أي منهما تكون الثقة بنصر الله وتأييده وغياب الفزع والهلع عند الملمات والمصائب فليس الإيمان بالتمني ولكنه ما وقر بالقلب وصدقه العمل.

 

ونأتي هنا إلى اللحظة الحاسمة في الأحداث وهي لحظة المواجهة الحاسمة بين معسكر الحق ومعسكر الباطل؛ لنرى فيها نتيجة ما مر به الجيش المؤمن من محن وعقبات صقلته وصهرته، فكان استحضار معية الله هو أول أسلحتهم وأهمها وأقواها، فخرج منهم النداء صادقًا (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، فجاءت نتيجة المعركة سريعة دون الخوض في تفاصيلها: (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء) فأتى ذكر الجندى داود لأول مرة فى الأحداث مرتبطا بلحظة التحول الكبرى فى سير المعركة وهى لحظة قتله جالوت ليصبح هذا الجندى فيما بعد هو القائد لهذه الأمة بأسرها وهو باعث مجدها وعزتها من جديد بعدما آتاه الله النبوة مع الملك ولا يقف الأمر عنده بل يورثهما لابنه- نبي الله سليمان- من بعده.

 

وفى خاتمة الأحداث هذه الكثير والكثير من الدروس نأخذ منها أولاً عجيب اصطفاء الله عز وجل لخلقه، وتأمل معى هنا وجود داود- والذي أصبح فيما بعد ملكًا نبيًّا- في جيش طالوت!!!! ألا يدفعك هذا للتعجب– وفق مقاييسنا البشرية- لعدم اختيار الله (عز وجل) لداود منذ البداية ليكون قائدًا لبني إسرائيل بدلاً من طالوت؟؟؟ ثم سل نفسك أين ذكر طالوت في أي موضع آخر من قصص بني إسرائيل في القرآن؟؟؟.

 

إن هذه الأسئلة تدفعنا للتأمل في حكمة الله (عز وجل) فى توقيتات الإصطفاء لخلقه وطبيعة من يختارهم لمراحل بعينها من حياة الأمم. وكذا وجب علينا الانتباه لحقيقة راسخة وهي أن مجد أمة الإسلام لن يعود أبدًا إلا على يد قائد يؤمن تمام الإيمان أن ما عند الله خير وأبقى، قائد عاش الجندية الحقة قبل القيادة، قائد ينتمي للفئة التى تمثل مصدر النبض لقلب الأمة المؤمنة الموحدة وهي الفئة التي وصفهم الله عز وجل بأنهم يظنون أنهم ملاقوا الله.

 

وأخيرًا لا يجب أن ننسى أن التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل هو سنة ماضية إلا يوم القيامة وهذا التدافع نفسه ما هو إلا وسيلة من وسائل إعمار الأرض وعدم شيوع الفساد فيها: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).

والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.

-------------

- معيد بكلية الهندسة جامعة أسيوط.