إيمانًا منا بدور الداعية في ريادة المجتمع وقدرته على التأثير في جموع كثيرة وتغيير أفكارهم فإننا نؤكد على عدة حقائق لتكون عونًا له في أداء رسالته:
• أن الداعية لا يمكن أن يعيش بعيدًا عما يدور حوله منعزلاً عن أحداث زمانه وهموم وطنه منشغلاً ومفكرًا ومتحدثًا في قضايا طوتها الأيام ولم يعد لها مكان في عصر يموج برؤى وتصورات جديدة تبحث عن حل وتنادي علماء الإسلام وفقهاءه أن يقولوا رأي الإسلام فيها.
إن من واجب الأمانة لميراث النبوة الأولى أن نقدم للناس جمال الإسلام، ونبرز جوانب عظمته ونجلي لهم روحه المتألقة في ميادين العلم والحضارة والسياسة وغيرها.
• الداعية لا يغض طرفه عما يجري حوله ويدفن رأسه في رمال السلبية، ولا يتناول أخطاء الحكام والمسئولين، وعليه أن يتحرر من الانتماء الحزبي؛ فمصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الحزب أو الجماعة، لكن بأدب النصيحة من الرفق واللين والبعد عن التجريح.
• أن يعود للمسجد دوره المؤثر في صناعة أجيال النهضة ورجال الإصلاح وتربية الشعوب ويصبح كما كان جامعًا وجامعة، وقد رأينا بأمّ أعيننا كيف كان المسجد منطلق ثورات الربيع العربي التي أزاحت الطغاة الفجرة عن كاهل الشعوب المستضعفة، وكيف كانت الجمع عنوانًا على مراحل الثورات وتطورها؛ فأولها جمعة الغضب، ثم تلتها جمعة الرحيل، ثم جمعة التطهير، وآخرها جمعة تقرير المصير، وما زالت الجمع تحمل في سوريا الأبية عناوين الثورة.
وليس هذا بغريب فقد شهد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أول بيعة للمسلمين للخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق.
ومن مساجد الأزهر في مصر والزيتونة في تونس والجامع الأموي في الشام خرجت ثورات أقضت مضاجع الاستعمار البغيض وأجبرته على العودة من حيث أتى.
• من حق الداعية أن يكون سياسيًّا بارزًا؛ لأن المفهوم الواسع للسياسة: الاهتمام بالشأن العام والبحث عن مصالح الأمة وحسن إدارتها، وهذا من المقاصد التي جاء الإسلام لرعايتها، وله الحق أيضًا أن يختار الوسيلة التي يراها مناسبة لتحقيق هذه الغاية الشريفة، كالانضمام لحزب أو نقابة أو غير ذلك، وهناك فرق جوهري بين العمل السياسي والحزبي، كما يقول الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى: "فقد يجتمعان وقد يفترقان، فقد يكون الرجل سياسيًّا بكل ما في الكلمة من معان وهو لا يتصل بحزب ولا يمتّ إليه، وقد يكون حزبيًّا ولا يدري من أمر السياسة شيئًا، وقد يجمع بينهما فيكون سياسيًّا حزبيًّا أو حزبيًّا سياسيًّا على حد سواء".
• وأما عن علاقة المسجد بالعمل السياسي والحزبي فإن الداعية مطالب أن ينشر الوعي السياسي بين رواده، ويحضهم على المشاركة، وأن يبين صفات من ينتخبونه ويحذرهم من خطورة إعطاء الصوت لمن لا يستحقه، وأن صوتهم أمانة وشهادة، ولكن لا يحق له أن يسخِّر منبره للدعاية لنفسه أو لحزبه أو يدعو أحد المرشحين ليخطب ويتحدث عن برامجه؛ فالمسجد يجب أن يكون بعيدًا عن المشاحنات الحزبية والمنافسات الانتخابية.
أما خارجه فله الحق أن يناصر ويؤيد ويدعو لمن يراه مناسبًا.