إعـــداد: د. حسين حسين شحاتة الأستاذ بجامعة الأزهر والخبير الاستشاري بالمعاملات المالية الشرعية والمشرف على موقع دار المشورة للاقتصاد الإسلامي

ww.Darelmashora.com

E.M: Darelmashora@gmail.com

 

استهلال

 

هناك من المسلمين، فئة مؤمنة مجاهدة بمالها لتطبيق شرع الله بإخلاص وبصدق، فقد وعدها الله الثواب العظيم وهو الجنة. وهناك من المسلمين، ضالون فاسقون وظالمون، ينفقون أموالهم ليمنعوا تطبيق شرع الله عز وجل، ويسخرون بعض أجهزة الإعلام المأجورة لتحقيق مآربهم الخسيسة؛ فهم الخاسرون، وسوف يندمون على ما أنفقوا وتكون عليهم حسرة.

 

ويجب على الفئة المؤمنة حقًّا ويقينًا، التضحية بالنفس والمال والجهد وبكل شيء عزيز من أجل التصدي للفئة الضالة الذين يرفضون تطبيق شرع الله؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولتحريرهم من عبادة الناس إلى عبادة رب العباد.

 

فالتصدي لمن يصد عن تطبيق شرع الله ونصرة دينه، يحتاج إلى جهاد. والجهاد يحتاج إلى تضحية. والتضحية تحتاج إلى قوة. والقوة هنا هي قوة الإيمان وقوة الوحدة وقوة الوسيلة المشروعة. ويجب على الجماعة المؤمنة حقًّا أن تضحيَ بكل عزيز لتجعل شرع الله هو المهيمن.

 

فهل يجوز شرعًا أن توجه بعض أموال المسلمين لمنع تطبيق شرع الله ولمنع الدعاة المخلصين الثقاة من أن يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؟! وهل يجوز شرعًا أن توجه أموال بعض المسلمين ضد الحركات الإسلامية التحررية التي تبغي تطبيق الشرع كما تفعل الآن بعض التيارات السياسية الضالة ويمولها بعض حكام الدول العربية والإسلامية وبعض من يعادون الإسلام، بدعم الذين يحاربون المسلمين الذين يسعون إلى تطبيق شرع الله؟! وما حكم الله فيهم؟! وكيف ندعوهم إلى الرجوع إلى الإسلام؟!

 

هذا ما سوف نتناوله في هذه الدراسة التي تركز على حكم الله في هؤلاء وهؤلاء، وكيف نتعامل مع الفئة الضالة بالحكمة والموعظة الحسنة لعلهم يهتدون.

 

حكم ينفق ماله من أجل تطبيق شرع الله

 

يعتبر الجهاد من تتمة النظام الإسلامي، وركنًا من أركانه بعد الأركان الخمسة. ولقد عبَّر عن ذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: "الجهاد ذروة سنام الإسلام". ووصف بعض فقهاء المسلمين الإسلام بلا جهاد كالشجر بلا ثـمر.

 

ويُقصد بالجهاد: "التضحية بالنفس وبالمال وبالقول وبكافة الوسائل الأخرى المشروعة والمستطاعة؛ لإعلاء كلمة الحق ودحض الباطل ورفع اعتداء المعتدين وتأمين حياة المسلمين ولتطبيق شرع الله عز وجل". ولقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالجهاد فى كثير من الآيات، فقال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِى اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78)، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الناس أفضل فقال: "مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه أو بماله"؛ لذلك يجب على الفئة المؤمنة- على أضعف الإيمان- أن تضحيَ بالمال من أجل تطبيق شرع الله، وثوابها مثل المجاهد بنفسه. وهذا من الموجبات الشرعية.

 

ولقد ورد لفظ الجهاد بالنفس مقترنًا بالجهاد بالمال في كثير من الآيات القرآنية؛ فقد قال الله تبارك وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) (الحجرات: 15)، وقوله عز وجل: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (التوبة: 111)، وقال عز وجل: (فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء : 95 ).

 

ومن حكمة اقتران الجهاد بالنفس بالجهاد بالمال، هو أن الدفاع عن الإسلام والمسلمين وعن شرع الله، يحتاج إلى عدة مادية ومالية أيضًا تتمثل في تمويل الزاد وأدوات ومعدات القتا، كما يحتاج إلى أجهزة الإعلام الصادقة والأمينة والمخلصة لله وللوطن. وهذا يتطلب مالاً؛ فبدون المال تكون مهمة الجهاد لتطبيق شرع الله عز وجل صعبة.

 

ومن حكمة مشروعية الجهاد بالمال، أنه اختبار لقوة العقيدة وصدق الإيمان، ودليل على إخلاص العمل لله. وفي الجهاد بالمال امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، وفي الجهاد بالمال فرصة لأولي الضرر أن ينالوا شرف وثواب الجهاد بالمال، وفي الجهاد كل معاني التكافل والتعاون والتضامن بين المسلـمين، وفي الجهاد بالمال ضرورة للمحافظة على عقيدة المسلمين وشرفهم وكرامتهم وأموالهم وأرضهم حتى تتحقق العبودية لله وحده، ولتطبيق شرع الله في كل نواحي الحياة.

 

حكم المسلم الذي ينفق ماله ليصد به عن تطبيق شرع الله

 

من خصال أعداء الدين في كل الأزمنة، أنهم يصدون عن سبيل الله وينفقون أموالهم ضد المجاهدين الذين يجاهدون لجعل كلمة الله هى العليا، إنهم يوجهون أموالهم لمحاربة كل من يطالبون بتطبيق شريعته، ومن مبرراتهم الزائفة أن تطبيق شرع الله سوف يؤدى إلى فتنة طائفية، وأن الشريعة الإسلامية تقود إلى التخلف والرجعية، ودعم الإرهاب والتطرف، ونحو ذلك من هذه الادعاءات الكاذبة والمضللة.

 

ولقد تعرض القرآن لسلوكيات من ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ومنع تطبيق شريعة الإسلام، فقال الله تبارك وتعالى فى سورة الأنفال: (الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ (37)) (الأنفال: 36 و37).

 

ولقد ورد في «في ظلال القرآن» للشهيد سيد قطب في تفسير هذه الآيات ما يلي: "إن أعداء هذا الدين... ينفقون أموالهم، ويبذلون جهودهم ويستنفدون كيدهم في الصد عن سبيل الله، وفي إقامة العقبات في وجه هذا الدين، وفي حرب العصبة المسلمة في كل أرض وفي كل حين، وإن المعركة لن تقف... وأعداء هذا الدين لن يدعوه في راحة، ولن يتركوا أولياء هذا الدين في أمن. وسبيل هذا الدين هو أن يتحرك ليهاجم الجاهلية (الذين يصدون عن سبيل الله). وعلى أولياته (المجاهدين) أن يتحركوا لتحطيم قدرة الجاهلية على العدوان، ثم لإعلاء راية الله؛ حتى لا يجرؤ عليها الطاغون. والله سبحان وتعالى ينذر الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، بأنها ستعود عليهم بالحسرة؛ إنهم سينفقونها لتضيع في النهاية، ليغلبوا هم وينتصر الحق في هذه الدنيا، وسيحشرون في الآخرة إلى جهنم فتتم الحسرة الكبرى» انتهى كلام الشهيد سيد قطب.

 

نماذج معاصرة من الفئة التي تنفق مالها للصد عن تطبيق شرع الله

 

 من النماذج المعاصرة للذين ينفقون أموالهم ليصدوا بها عن تطبيق شرع الله على سبيل المثال، ما يلي:

 

- المفسدون الذين يأكلون المال العام والخاص ظلمًا وعدوانًا، وعندما يشعرون أن التيارات الإسلامية المجاهدة في سبيل تطبيق شرع الله سوف يحرمونهم من هذه المكاسب غير المشروعة، بدءوا ينفقون أموالهم لمحاربتهم.

 

- بعض الضالين الفاسقين من أنصار العلمانيين والليبراليين الذين يفصلون الدين عن حلبة الحياة، ويريدون تطبيق غير شرع الله بدعوى الدولة المدنية؛ فهؤلاء ينفقون أموالهم حقدًا وكراهيةً ضد المطالبين بتطبيق شرع الله من التيار الإسلامي.

 

-  بعض أنصار الأيديولوجيات الوضعية المناهضة للإسلام في الداخل الخارج ممن تربطهم علاقة بأعداء الإسلام مثل الصهيونية، بدءوا ينفقون الأموال المهربة لمحاربة المجاهدين لتطبيق شرع الله.

 

- بعض الخاسرين في الانتخابات بدعوى أن أنصار التيار الإسلامي خطر على البلاد والعباد -هذا على حد قولهم- فبدءوا ينفقون أموالهم وأموال من يدعمونهم لمحاربة التيار الإسلامي الذي يسعى إلى تطبيق شرع الله.

 

- المتعاملون بالأموال القذرة الذين حصلوا عليها بطرق غير قانونية وغير شرعية، ويخافون من المجاهدين لتطهير المجتمع منهم. وهذا يقودهم إلى إنفاق أموالهم القذرة ليصدوا بها عن تطبيق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ويتصدون لكل تشريع إسلامي.

 

- أنصار من يخون الناس من الإسلام "الإسلام فوبيا" ويرصدون الأموال لتشويه صورة الإسلام عامةً، والتشريع الإسلامي خاصةً، أمام غير المسلمين وأمام بعض العامة من المسلمين.

 

ومن واجبات العصبة المؤمنة حقًّا ويقينًا، التي تجاهد لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية؛ أن يتصدوا لهؤلاء الذين ينفقون أموالهم ليصدوا بها عن سبيل الله؛ حتى لا يحققوا مقاصدهم المفسدة السيئة؛ وذلك بالأساليب المشروعة لا بالعنف والشدة والكراهية، لكن باللين واللطف والحلم والموضوعية والتدرج.

 

لا يجب تكفير مسلم وإن كان ينفق ماله لمنع تطبيق شرع الله

 

 يرى أهل الفقه والعلم أنه لا يجب تكفير مسلم نطق بالشهادتين ولو كان لا يقيم بعض شعائر الإسلام؛ فهو في رأيهم مسلم عاصٍ أو فاسق أو ظالم لنفسه وللمجتمع الإسلامي وللمسلمين عامةً.

 

 على الدعاة والوعاظ أن يدعوه إلى الهداية وإلى الطرق المستقيم؛ وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. والتاريخ الإسلامي حافل بالنماذج التي كانت تحارب الله ورسوله والمؤمنين بكل الوسائل، وتصد عن تطبيق شرع الله، وتعامل معهم الدعاة بالحسنى فعادوا إلى الإسلام وتابوا وأنابوا، وكانوا من خير المجاهدين بكل عزيز لديهم من أجل نصرة الإسلام وتطبيق شريعته؛ فلا يجب قطع خيوط الدعوة بين الفئة المهدية والفئة الضالة.

 

الخلاصة

 

من متطلبات نصرة دين الله وتطبيق شريعته، الجهاد. ومن متطلبات الجهاد التضحية. ومن نماذج التضحية لمن لا يستطيع أن يضحى بنفسه، التضحية بالمال. ومن دراسة التاريخ الإسلامي، كان للجهاد بالمال دور هام لنصرة دعوة الله ولتطبيق شريعته. ومن نماذج من قاموا بذلك على سبيل الله السيدة خديجة، والصديق أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عوف وغيرهم.

 

ومن المسلمين، فئة مؤمنة مجاهدة بالمال لنصرة دين الله ولتطبيق شريعته. وهذا مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. ولقد حث الله على الجهاد بالمال في قوله تبارك وتعالى في سورة البقرة: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 261)، وحكم عمل هذه الفئة الوجوب، وثوابها هو ثواب المجاهد في سبيل الله وهو الجنة.

 

وعلى النقيض من إنفاق المال في سبيل الله، نجد فئة ضالة مفسدة ظالمة فاسقة، تنفق أموالها ليصدوا بها عن تطبيق شرع الله ويبغونها عوجًا، ومنهم على سبيل المثال بعض اليساريين وبعض العلمانيين وبعض الليبراليين وبعض أعداء الإسلام في الخارج ومن في حكمهم. وهذه الفئات من المسلمين موجودة فى كل زمان ومكان، ويريدون تطبيق مناهجهم التي تعارض شرع الله؛ فيجب على العصبة المؤمنة التصدي لهم بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أمرنا الله عز وجل؛ حتى تكون كلمة الله وشريعته هي العليا، ولا نيأس ونستشعر قول الله القائل: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُـــــورِهِ وَلَوْ كَـــرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف: 8).

 

ولكن لا يجب أن نحكم على هؤلاء بالكفر متى كانوا ينطقون بالشهادتين، لكن الرأي الراجح أنهم مسلمون عصاة ومن الفاسقين الظالمين. ويجب على العلماء والدعاة والوعاظ دعوتهم إلى طريق الحق بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لعلهم يتذكرون ويخشون الله سبحانه وتعالى ويبدل الله سيئاتهم حسنات ويكونوا من أنصار الله.

 

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل..