تشهد ساحة "الكلمة" أمواجًا متلاطمة من "الحروب"، و"الحرب" الأكثر إثارة تتسنّم موقع الصدارة الإعلامية، بصرف النظر عن كونها حربًا حقيقية أم حربًا مفتعلة، وقد لا يبصر أصحابها خطورتها على شغل "وقت" الوطن بترهات لا ناقة له فيها ولا جمل… هذه هي الحروب العمياء…

وهي كثيرة، ومتفاوتة التأثير، ومتعددة المصادر، ونعيش منها اﻵن نموذجين.. وهما:
أولاً: حرب "التعصب الحزبي":

وهي حرب أشعلها "الشباب" المنتمي للأحزاب والجماعات السياسية العديدة؛ وأهم ملامح هذه الحرب هي:

1- وضع الكافة في "حزب الشيطان" ما عدا الحزب الذي يدافع عنه صاحبه الشاب، واعتبار مواقفهم إما خطايًا غير مغتفرة، وإما خيانات غير مسبوقة.

2- تدشين كل المبررات المعقولة واللا معقولة للدفاع المستميت عن موقف الحزب أو الزعيم الذي ينتمي له الشاب.

3- استخدام" أسلحة التواصل الإلكتروني" في استدعاء تصريحات أو مواقف قديمة تظهر تناقص أو كذب الخصم السياسي، وكل ذلك دون وضع معايير الظرف الزماني والسياسي، والتركيز على تحطيم "صدقية اﻵخر" عبر مكايدة سياسية وإعلامية ترفض قبول أي دفاع من الخصم، ولا تلتزم بأدنى معايير "الموضوعية".

4- تأصيل نموذج "رفض الآخر" وعدم التعايش معه إلا إذا خضع هذا "الآخر" لشروط خصمه!... وبالتالي يأوي كل فصيل إلى خندقه، وتشرذم الجماعة السياسية إلى فصائل متناحرة لا تستظل بقواعد حاكمة ﻹدارة المنافسة السياسية، ولكن يضع كل "فريق" قواعده الخاصة التي تحميه وتضع خصمه قيد الاتهام دائمًا، ولا تسل عن قيم العدالة بعد ذلك؛ فالكل في معركة، وكل اﻷسلحة مشروعة لهدم "اﻵخر" المختلف.

5- استتبع ذلك إنشاء لغة عدوانية تشتهي الاعتراض على كل شيء، وتستحل كل المحرمات، وتنتهك كل المقامات، وتُحقّر كل القيادات، ويصبح الأكثر نحتًا للألفاظ والمصطلحات العدائية، هو الأكثر قدرة على سحق الآخر، وبالتالي هو المنتصر مهاب الجانب.

6-عدم الانصياع لكلمة "الدين" أو "الأخلاق"، واعتبار ذلك لونًا من التخدير الذي لا يليق بشباب الثورة!... لاسيما مع مساهمة الإعلام في الحط من رمزية "العلماء"، مما أسهم في خلق مناخ غير ملتزم يصل إلى حد التطرف في مجابهة "كلمة الدين"، مما أعطى غطاء للتهجم على المساجد، واعتبار هذا عملاً احتجاجيًّا من فصيل ضد فصيل آخر، بل سمح هذا المناخ بإعلان الإلحاد، أو رفض ثوابت شرعية دون اﻹنكار على من يفعل هذا.

ودرجات عدم الخضوع للدين وموازين اﻷخلاق متفاوتة، يضع كثير من هؤلاء الشباب أنفسهم في درجة منها، ثم يصنع مبرره لذلك الانفلات!

-وثمة ملاحظة مستغربة؛ وهي أن كثرة كاثرة من الشباب كانت قد أعلنت رفضها لأسلوب "الإخوان" في الالتزام بقرارات "الجماعة" والدفاع عنها حتى وإن خالفت رأى الفرد، واعتبروا ذلك إلغاء للعقل، لكننا نراهم اليوم يمارسون "التبرير المستميت" دفاعًا عن منظماتهم الجديدة، وتجاوزوا ما اعتبروه سيئًا إلى ما هو أسوأ منه، ولم يرهقوا أنفسهم في بناء تنظيمي متين مثل "الإخوان"، لكنهم اكتفوا "بالفرحة" بالكيان الجديد واستماتوا دفاعًا عنه رغم ضعف كل الأبنية التنظيمية للأحزاب الجديدة؛ حتى إنك تكاد لا تعرف منظومة اتخاذ القرار في أي من هذه الكيانات، بل رأينا قيادات تتخذ قرارات مصيرية ﻷحزابها أثناء رحلة بالخارج أو محادثة تليفزيونية أو محاضرة عامة، دون التزام بأي قواعد ديمقراطية داخلية، ورغم ذلك تجد ماكينات التبرير في أوج عملها.

ثانيًا: حرب "العقيدة":
كانت حرب (السنة- الشيعة) التي شنتها السلفية السكندرية مدعاة لاستغراب المهمومين بشأن الوطن، وحين بدأ الأمر ظننا أنها تغريدة سلفية خارج السياق كما اعتدنا منهم ذلك، لكن المستغرب هو هذا التجاوب الإعلامي الذي شجع "إخواننا" على التظاهر أمام بيت القائم بالأعمال الإيراني، ثم صاحت ميكروفونات المساجد تُرعب الناس من قدوم "الروافض"، وحذرت من محاولاتهم السيطرة على "المعتقد المصري" بأساليب شتى!

ولو كان الأمر في إطار سياسي يرفض أو يقبل التقارب مع "إيران" لكان مقبولاً، أما أن يصير الأمر إلى هجوم على "الرئاسة" باعتبارها تمهد الطريق (لتشييع مصر)، فهذا ما لا يمكن استيعابه بالعقل اﻹنساني المجرد… بل كان مضحكًا للغاية أن بعض عقلاء "إخواننا" تصوروا أنهم يتكلمون سياسة فحذَّرُوا "الرئاسة " من أن تضطرها الأزمة الاقتصادية إلى "إعطاء الدنية في الدين" أو إلى "أكل مصر بثدييها"!! وحتى هنا فإن هذا (نزق) يمكن تجاوزه… أما ما لا يمكن تخيله فهو أن يحاول الأخ " د. ياسر برهامي" في مقاله بصحيفة "المصريون" أن يثبت فساد عقيدة الإخوان!... واستدل بكلام مرسل لا وزن له من الناحية العلمية على سماح "المعتقد الإخواني" باحتضان "التشيُّع"، وهكذا ينتهي "د. ياسر" كما بدأ في السبعينيات حين أرادت "المدرسة السلفية" بالإسكندرية أن تستقل عن "الإخوان"، فلم يجدوا مبررًا يحشدون به أنصارًا إلا الخوف من "الدخن في عقيدة الإخوان"، ورغم أننا نسينا هذا النوع من المعارك الظالمة فإن "د. برهامي" أراد أن يثبت للجميع أن الخطر داهم؛ لأن المسئولين في البلاد وهم "الإخوان" تسمح لهم عقائدهم الفاسدة برعاية "التشيُّع" والترحيب به!!

ورغم أنني استمعت لمحاضرة ألقاها "الشيخ محمد إسماعيل" منذ سنوات (قبل الثورة) يحذر فيها أن "الإخوان والأزهر" سيكونان سبب انتشار "التشيُّع" في مصر، فإن الرجل عزا ذلك للتسيب السياسي عند "الإخوان" وليس لفساد عقيدتهم، ولكنه حذر من "الأزهر" عقائديًّا باعتباره لا يهتم بنشر العقيدة الصحيحة، ولا ينافح عن عقيدة أهل السنة والجماعة… أما الآن فقد انقلبت اﻷمور فجأة وبلامبرر.... إلا المنافسة السياسية طبعًا…. فإخواننا يرون اﻵن "الأزهر" هو المدافع عن السنة ويرون "الإخوان" هم الخطر على عقيدة اﻷمة!

هذه الحرب العمياء التي يعاونهم إعلامنا الفاسد فيها بكل إخلاص، تؤكد لنا أن مدرسة "د. ياسر" لا تبصر عواقب اﻷمور، هذا أقصى ما نسمح به ﻷنفسنا من نقد هذا الخطأ النهجي الجسيم، وإلا فإن آخرين يرون أن "العلمانيين" و"سدنة النظام البائد" هم أقرب لمدرسة "د. ياسر" من "اﻹخوان".
... يذكرني هذا اللغو حين كنا بالجامعة ونحفظ "العقيدة الطحاوية"... بوصفها منهجًا إخوانيًّا، وقد تعلمتها وبدأت في تدريسها ففوجئت بمجموعة من الشباب السلفي الجامعي يزورني ببيتي ويطلب مني أن أدرس لهم "العقيدة"، رغم أن المسجد الذين يصلون فيه كان يعلن حربًا شعواء على شخصي الضعيف، ويتهمني بالتصوف البدعي!.. وكان سبب الحرب هو نجاح لقاءات الثانوي التي كنا نشرف عليها!

ويبدو أن هذا التناقص الذي كنا نعيشه صغارًا… كتب علينا أن نعيش حربه العمياء كبارًا… ولله في خلقه شئون.

----------
mohamedkamal62@ymail.com