في مثل هذه الأيام من عام 1939 (4 من أبريل) ألقي الإمام الشهيد حسن البنا رسالته المهمة «الإخوان المسلمون تحت راية القرآن»، في دار الإخوان بالقاهرة، تناول فيها بالنقد موجة التقليد الغربي التي اجتاحت العالم الإسلامي وقتها، خصوصًا مصر، وطرح في الرسالة سؤالا: ما مهمتنا نحن الإخوان المسلمين؟، وأجاب عنها إجمالا وتفصيلا، وحدد ما يريده الإخوان المسلمون، وأوضح عدة الجماعة، وغايتها ومنهاجها، وتحدث عن طبيعة الفكرة، ونظامها، ومنزلة من ينضمون إليها ويعتنقون مبادئها.
والرسالة، من أولها لآخرها، قطعة من البيان، ونثر بليغ أقرب إلي الشعر المنظوم، وفيها صراحة ووضوح رؤية، واستشراف مستقبل، لا تصدر سوي من خبير بأمراض الأمة وأدوائها، عالم بسنن من سبقونا من الأمم وأخبارهم، وكيف كانت عواقبهم.
بعد مفتتح الرسالة يجذب الإمام آذان سامعيه بالنداء عليهم بطريقة محببة إلي النفوس، ثم يعرفهم -بأسلوب يشد الانتباه- بطبيعة دعوة الإخوان المسلمين، يقول:
«أيها الإخوان المسلمون.
أيها الناس أجمعون.
في هذا الصخب الداوي من صدي الحوادث الكثيرة المريرة، التي تلدها الليالي الحبالي في هذا الزمان، وفي هذا التيار المتدفق الفياض من الدعوات التي تهتف بها أرجاء الكون، وتسري بها أمواج الأثير في أنحاء المعمورة، مجهزة بكل ما يغري ويخدع من الآمال والوعود والمظاهر.
نتقدم بدعوتنا نحن الإخوان المسلمين..
هادئة، ولكنها أقوي من الزوابع العاصفة..
متواضعة، ولكنها أعز من الشم الرّواسي..
محدودة، ولكنها أوسع من حدود هذه الأقطار الأرضية جميعًا.
خالية من المظاهر الزائفة والبهرج الكاذب، ولكنها محفوفة بجلال الحق، وروعة الوحي، ورعاية الله.
مجرّدة من المطامع والأهواء والغايات الشخصية والمنافع الفردية، ولكنها تورث المؤمنين بها والصادقين في العمل لها السيادة في الدنيا والجنة في الآخرة».
ثم يطرح الإمام مجموعة أسئلة أخري ويجيب عنها بكل صراحة، منها: أين نحن من تعاليم الإسلام؟!، أهذا هو الإسلام -يقصد ما كان عليه المسلمون وقتها- الذي أراده الله أن يكون رحمته العظمي ومنته الكبري علي العالمين؟، أهذا هو تشريع القرآن الذي عالج أدواء الأمم ومشكلات الشعوب، ووضع للإصلاح أدق القواعد وأرسخ الأصول؟!.. وغيرها من الأسئلة التي كان الهدف منها الوصول إلي السؤال الأهم:
ما مهمتنا إذًا نحن الإخوان المسلمين؟
وقد أجاب عن السؤال إجمالا بقوله:
«فهي أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات، التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها عن زعامة النبي صلي الله عليه وسلم وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها، وأخرت تقدمه مئات السنين، حتي تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا، ولسنا واقفين عند هذا الحد بل سنلاحقها في أرضها، وسنغزوها في عقر دارها، حتي يهتف العالم كله باسم النبي صلي الله عليه وسلم، وتوقن الدنيا كلها بتعاليم القرآن، وينشر ظل الإسلام الوارف علي الأرض، وحينئذ يتحقق للمسلم ما ينشده، فلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله {لٌلَّهٌ الأّمًرٍ مٌن قّبًلٍ $ّمٌنً بّعًدٍ $ّيّوًمّئٌذُ يّفًرّحٍ پًمٍؤًمٌنٍونّ (4) بٌنّصًرٌ پلَّهٌ يّنصٍرٍ مّن يّشّاءٍ $ّهٍوّ پًعّزٌيزٍ پرَّحٌيمٍ} [الروم: 4،5].
ماذا يريد الإخوان المسلمون؟
وحدد الإمام ما يريده الإخوان المسلمين بعد كل هذا السعي، وتلك الدعوة الجديدة التي جاءت تجديدًا لما اندرس من شعائر الدين، يقول -رحمه الله-:
«نحن نريد:
الفرد المسلم...
والبيت المسلم...
والشعب المسلم...
والحكومة المسلمة...
والدولة التي تقود الدول الإسلامية، وتضم شتات المسلمين وتستعيد مجدهم، وترد عليهم أرضهم المفقودة، وأوطانهم المسلوبة وبلادهم المغصوبة، ثم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة إلي الله، حتي تسعد العالم بتعاليم الإسلام».
عدة الإخوان لتحقيق أهدافهم
أما عدة الإخوان لتحقيق تلك الأهداف ولإنجاز هذه المهمات، فيلخصها الإمام في أمرين مهمين هما: الإيمان، الجهاد، باعتبارهما عدة السلف الصالح، يقول:
«عدتنا هي عدة سلفنا من قبل، والسلاح الذي غزا به زعيمنا وقدوتنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم وصحابته معه العالم، مع قلة العدد وقلة المورد وعظيم الجهد، وهو السلاح الذي سنحمله لنغزوَ به العالم من جديد. لقد آمنوا أعمق الإيمان وأقواه وأقدسه وأخلده، بالله ونصره وتأييده: {إن ينصٍرًكٍمٍ پلَّهٍ فّلا غّالٌبّ لّكٍمً} [آل عمران: 160]».
ولقد توقع -رحمه الله- أن يشكك البعض في برنامجه ومنهاجه، ظنًا منه أنه منهاج بعيد كل البعد عن تفكير الجماهير واهتمامات المواطنين، وأنه إن صلح في زمن فلا يصلح في زماننا هذا، وهنا أجاب -بوضوح وثقة شديدين- أصحاب هذا الرأي بقوله:
«سيقول الذين يسمعون هذا إنه الخيال بعينه وإنه الوهم، وإنه الغرور، وأني لهؤلاء الذين لا يملكون إلا الإيمان والجهاد أن يقاوموا هذه القوي المتألبة المجتمعة، والأسلحة المتنوعة المختلفة، وأن يصلوا إلي حقهم، وهم بين ذراعي وجبهة الأسد.
سيقول كثيرون هذا، ولعل لهم بعض العذر، فهم قد يئسوا من أنفسهم، ويئسوا من صلتهم بالقوي القادر. أما نحن فنقول إنها الحقيقة التي نؤمن بها ونعمل لها، ونحن نقرأ قول الله تعالي: {$ّلا تّهٌنٍوا فٌي \بًتٌغّاءٌ پًقّوًمٌ إن تّكٍونٍوا تّأًلّمٍونّ فّإنَّهٍمً يّأًلّمٍونّ كّّمّا تّأًلّمٍونّ $ّتّرًجٍونّ مٌنّ پلَّهٌ مّا لا يّرًجٍونّ} [النساء: 104]..
وإن الذين فتحوا أقطار الدنيا، ومكّن الله لهم في الأرض من أسلافنا لم يكونوا أكثر عددًا، ولا أعظم عُدة؛ ولكنهم مؤمنون مجاهدون، ونحن سنعتد اليوم بما اعتد به رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم قال: «بشر خُبَيبًا بظهور هذا الأمر حتي يسير الراكب من عدن إلي عمان لا يخشي إلا الله والذئب علي غنمه» وكانوا إذ ذاك يستترون.
ويوم وعد سُراقة بن مالك سوارَي كسري، وكان مهاجرًا بدينه ليس معه إلا ربه وصاحبه.
ويوم هتف مطلعًا علي قصور الروم البيضاء، وقد حاصره المشركون في مدينته بجنود من فوقهم ومن أسفل منهم: {$ّإذً زّاغّتٌ الأّبًصّارٍ $ّبّلّغّتٌ پًقٍلٍوبٍ پًحّنّاجٌرّ} [الأحزاب: 10]».
تلك قواعد دعوتنا
وفي نهاية تلك الرسالة المهمة يؤسس الإمام البنا لقواعد دعوته، فيضع لها المبادئ والمفاهيم، ويؤلف الأسس والتعاليم، التي صارت -من بعده- ثوابت الجماعة وخطوط سير الدعوة.. يقول -رحمه الله-:
«أيها الإخوان المسلمون
بل أيها الناس أجمعون
لسنا حزبًا سياسيا وإن كانت السياسة علي قواعد الإسلام من صميم فكرتنا..
ولسنا جميعة خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا..
ولسنا فرقًا رياضية، وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا..
لسنا شيئًا من هذه التشكيلات، فإنها جميعًا تبررها غاية موضعية محدودة لمدة معدودة، وقد لا يوحي بتأليفها إلا مجرد الرغبة في تأليف هيئة، والتحلي بالألقاب الإدارية فيها.
ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتي يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين.
نحن أيها الناس - ولا فخر - أصحابُ رسول الله صلي الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشَّروا، ورحمة الله للعالمين {$ّلّتّعًلّمٍنَّ نّبّأّهٍ بّعًدّ حٌينُ} [ص: 88].
أيها الإخوان المسلمون:
هذه منزلتكم، فلا تصغروا في أنفسكم، فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا في دعوتكم سبيلاً غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم التي تتخذ نورها من نور الله ومنهاجها من سنة رسوله، بغيرها من الدعوات التي تبررها الضرورات، وتذهب بها الحوادث والأيام. لقد دعوتم وجاهدتم، ولقد رأيتم ثمار هذا المجهود الضئيل أصواتًا تهتف بزعامة رسول الله صلي الله عليه وسلم وهيمنة نظام القرآن، ووجوب النهوض للعمل، وتخليص الغاية لله، ودماءً تسيل من شباب طاهر كريم في سبيل الله، ورغبة صادقة للشهادة في سبيل الله. وهذا نجاح فوق ما كنتم تنتظرون، فواصلوا جهودكم، واعملوا والله معكم، ولن يتركُمْ أعمالكمْ.
فمن تبعنا الآن فقد فاز بالسبق، ومن تقاعد عنا من المخلصين اليوم فسيلحق بنا غدًا، وللسابق عليه الفضل. ومن رغب عن دعوتنا، زهادة، أو سخرية بها، أو استصغارًا لها، أو يأسًا من انتصارها، فستثبت له الأيام عظيم خطئه، وسيقذف الله بحقنا علي باطله فيدمغه فإذا هو زاهق.
فإلينا إلينا أيها المؤمنون والعاملون، والمجاهدون المخلصون فهنا الطريق السوّي، والصراط المستقيم، ولا توزعوا القوي والجهود: {$ّأّنَّ هّذّا صٌرّاطٌي مٍسًتّقٌيمْا فّاتَّبٌعٍوهٍ $ّلا تّتَّبٌعٍوا پسٍَبٍلّ فّتّفّرَّقّ بٌكٍمً عّن سّبٌيلٌهٌ ذّلٌكٍمً $ّصَّاكٍم بٌهٌ لّعّلَّكٍمً تّتَّقٍونّ} [الأنعام: 153].