إنَّ الصحابة هم الطبقة التي تأثرت برسول الله صلي الله عليه وسلم فحملوا هذا الدين فكانوا- حقًّا- جيلاً قرآنيًّا فريدًا تجسَّد فيهم الإسلام في أبهى صورة؛ رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار، رغمًا عن بشريتهم التي نتقاسمها معهم.
لكننا حينما ننظر إلى عطاء الصحابة للإسلام مقارنه بعطائنا، ندرك أنهم كانوا قمة في الإيمان وأعلى كعبًا في الأداء والتضحية حتى كدنا ننسى أنهم بشر مثلنا لديهم مشاكل تؤرقهم وطموحات في الحياة تراودهم؛ ما يدفعنا إلى أن نسائل أنفسنا:
ما الفارق بيننا وبين الصحابة؟
إن الفارق بيننا وبين الصحابة أنهم رغم أن كانت لهم مشاكل كمشاكلنا وطموحات كطموحاتنا في الحياة لكنهم نأوا بأنفسهم عن أن تستوعبهم وارتقوا فوقها وأدوا أداءً حسنًا للإسلام، أما نحن فلنا مشاكل وطموحات استوعبتنا وأقعدتنا كثيرًا، وكل منا أراد أن تحل مشاكله أولاً، وتتحقق طموحاته ثانيًا ثم يشرع بعد ذلك في التفكير والعمل للإسلام.
إن كل مَن ظنَّ أن الصحابة كانوا في رغدٍ من العيش ميسرة حياتهم؛ ولذلك سعوا في الدعوة والجهاد، مبررًا لنفسه انسحابه أو قلة عطائه فهو لم يفهم الصحابة وخدعه الشيطان، وإليك الدليل:
ألم يكن السواد الأعظم من الصحابة فقراء يبحثون مثلنا عن لقمة العيش حتى أن عديًا بن حاتم الطائي- وهو من الطبقات الحاكمة- قرأ رسول الله صلي الله عليه وسلم في نفسه سبب عدم حماسته لدخول الإسلام فقال له: لعل الذي يمنعك من الإسلام أنك تقول: إننا ضعفاء فقراء خائفون!!
ألم يكن جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- شاب قد تحمَّل من بعد استشهاد أبيه ديونًا واجبًا سدادها وتسع أخوات يقوم على إعالتهن وتتوق نفسه إلى الزواج، فماذا فعل ليواصل الجهاد مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟ لقد عمل ليعول أخواته بل الأعظم أنه قد تنازل عن مواصفات شريكة حياته من البكر إلى الثيب عسى أن تكون أُمًّا لأخواته؛ مما يتيح له التفرغ للجهاد وقد حصل له ما أراد، فخرج في غزوة، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم مساعدته فابتاعه ناقته بأربعين درهمًا وزاده ثم أعطاه المال والناقة جبرًا لخاطره وعونًا على سداد دينه والإنفاق على أهله.
ألم يكن منهم أهل الصفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين استعملهم في طلب العلم فكان منهم أمثال أبو هريرة ولم يتركهم بلا عمل.
ألم يكن فيهم عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى فاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنًا للصلاة ووظَّف عماه أحسن وظيفة في الجهاد في سبيل الله وهو الأعمى الذي ربما يفقد طعم الحياة مع عماه- ولذلك جعل الله الجنة للأعمى إن احتسب- ولكنه ارتفع فوق عاهته فأذَّن للصلاة وأخذ ثواب المصلين وخرج في جيش يحارب الروم قائلاً: لأكثر سواد المسلمين وحينما انكشف المسلمون في صبيحة اليوم الأول والثاني ذهب إلى القائد فقال: "أريد أن أحمل الراية غدًا؛ فإني لا أرى ولن أتراجع".
ألم يكن منهم الأعور الذي قال: أحرس المتاع لجند الله.
ألم يكن منهم أم عمارة: نسيبة بنت كعب ربة البيت وأم العيال والمجاهدة التي باشرت بيدها القتال وهي امرأة حتى قُطعت يدها في معركة اليمامة.
ألم تفقد بيوت عائلها وتركوا زوجاتهم أرامل وأولادهم يتامى بعد استشهاد سبعين في غزوة أحد وغيرها من غزوات أُخر.
ألم يكن منهم طلحة بن عبيد الله الذي شُلت يده.
ألم يكن منهم من ليس له حلة كاملة فإذا جلس أمسك بتلابيب ثوبه حتى لا تنكشف عورته، بل إن حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه- لبس ثوب زوجه يوم الخندق، وهناك آخرون غيرهم لا يكفي المقام لذكرهم.
إنَّ هؤلاء الصحابة الكرام صمدوا وجاهدوا دون أن تضطرب الموازين في أنفسهم؛ فلم يعتزلوا المجتمع والدعوة أو يتأخروا عن أداء واجبات دينهم قبل أو بعد المشكلة وصدق فيهم قول الشاعر:
وصابرٌ تلهج الدنيا بنكبته *** تخال من جميل الصبر ما نُكِبَ
ولماذا؟
لأنهم آمنوا بأن الأمور بيد الله؛ تجري بمقادير، فطلبوها بعزة النفس وآمنوا بأن المستقبل بيد الله، وأنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها وعلموا أن من حسب أن المشاكل والعقبات والطموحات ستتوقف يومًا ما فهو واهم؛ فقد قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)، وأخبرهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: "لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لابتغى ثانيًا، ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب"
وآمنوا بأن الدنيا دار ابتلاء، وأن الحياة اختبار نخرج من واحد لندخل في ثان "ومن يرد الله به خيرًا يصب منه"، وأن الدنيا مزرعة الآخرة فكانت الجنة مرمى أملهم؛ يقينهم بها أعظم من يقينهم ببيوتهم التي يعيشون فيها وما في يد الله أوثق مما في أيديهم لا يلتفتون إلى رغبةٍ ولا إلى شهوةٍ إلا إذا كانت عونًا لهم على الفوز بالجنة.
وإذا ما أرادوا وأصبحت لهم آمال ورغبات فكلها لدين الله، وإذا بذلوا أو ضحوا فمن أجل الدفاع عنه؛ جاعلين من أنفسهم وقفًا لله؛ فكانت أعمارهم بمحتواها في مرضاة الله ودعوة الله، يرون تكليفات ربهم وما يبذلونه أقساطًا واجب أداؤها؛ مؤمنين بقول الله (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَمَا يُجاهد لنفسه)، وقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
نموذج منهم:
الصحابي الجليل جليبيب- رضي الله عنه- كان دميم الخلقة، لكنه جميل الإيمان؛ راضيًا بقضاء الله فيه، رغب في النكاح فلم تقبله فتاة؛ فهل لعن الحياة ومن فيها؟ هل نقم على الصحابة وبناتهم؟.
والله بل رضي بخلقته وقضاء الله فيه؛ فهي ليست غلطة فإن كل شيء بقدر؛ بل عرف البلاء منحة قبل أن يكون محنة، له معها ثلاث درجات: صبر ورضا وشكر، ولكل ثوابه وأعلاهم الشكر؛ فشكر رضي الله عنه متأسيًا بحبيبه- صلى الله عليه وسلم- في غزوة أحد، وما كان من الهزيمة فقال للصحابة: (اصطفوا لاثني علي ربي).
فجليبيب علمنا أن يكون تكويننا الإيماني بقيم القرآن لا بكلام الناس؛ لذا لم تستوعبه المشكلة ولا دارت حياته حولها ولا نقم على المجتمع، ولا شغل القيادة بها ليل نهار، ولم يتخلف عن الصلوات ولا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غزوة، في سبيل الله، وحينما جعل الله له مخرجًا وفرحه بالزواج خرج- هو حديث عهد بالزواج- ليواصل جهاده حتى استشهد، وقد افتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزوة التي استشهد فيها؛ فعن أبي برزه الأسلمي- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغزى له، فأفاء الله عليه فقال لأصحابه هل تفتقدون من أحد؟ قالوا: نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثم قال هل تفتقدون من أحد؟ فقالوا: لا قال: ولكني افتقد جليبيبًا؛ فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه ثم قال: أقتل سبعة ثم قتلوه؛ هذا مني وأنا منه.. هذا مني وأنا منه.
ثم وضعه على ساعديه ليس له سرير إلا ساعدا النبي صلى الله على وسلم، قال: فحفر له، ووضع في قبره، ولم يذكر غسلاً" (مسلم).
فرحم الله جليبيبًا- رضي الله عنه- فقد علمنا أن من كان عطاؤه كعطاء جليبيب سيلقى جزاءه.
وترك لنا سؤالاً: هل تستطيع أن تعيش ولك مشكلة وتمارس دعوتك، ومشروعك في ذات الوقت الذي تسعى فيه لحل مشكلتك؟
هل تستطيع أن تحمل هم حياتك فتؤجر عليه، وفي ذات الوقت تحمل هم دينك وأمتك؟
واعلم أن المؤمن له همان: الدنيا، وكيف يلقى الله؟
واسمع الأستاذ العقاد حينما قال: "إن الصبر على أداء الواجب درجة رفيعة من درجات الأخلاق الإنسانية، وأرفع منها الصبر على أداء الواجب الذي لم يكلفك أحد به، ولا يسألك أحد عنه، وأرفع من هاتين الدرجتين صبر الإنسان على أداء واجب يضار بأدائه، وينتفع بتركه، وقد يتركه فيغنم الثناء الثريا؛ تلك درجة الدعاة الصادقين).
ورحم الله أحد الإخوان حينما قال: "لقد اختلطت الدعوة بدمي، حتى لو جرحت وسقط دمي يجري على الأرض لكتب الله أكبر ولله الحمد".