إعـــداد

دكتـــور/ حسين حسين شحاتة

الأستاذ بجامعة الأزهر

خبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية

والمشرف على موقع دار المشورة للاقتصاد الإسلامي

www.Darelmashora.com

E.M: Darelmashora@gmail.com

 

 

- استهلال:

الإسلام منهج شامل لكل نواحي الحياة، فهو دين ودولة، عقيدة وشريعة، وهو قوة وسيف وهو عبادات ومعاملات، وخطأ ما يشاع جهلاً أو تجاهلاً من أنه طقوس وتسبيح فقط ولا شأن له بالحياة الاقتصادية والتجارة مع العالم، وخطأ كذلك من يرى أن الإسلام لا يعرف الدولة المدنية الديموقراطية المعاصرة، فلقد أكد الفقهاء والدعاة والمؤخرون من السلف والخلف بأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد أسس دولة مدنية في المدينة على سند من الدين مارست كل نواحي الحياة من عبادات ومعاملات ومن سياسة واقتصاد ومن ثقافة واجتماع وكان المسجد هو المنطلق لذلك.

 

ولقد كانت رحلة الموقر السيد رئيس الجمهورية إلى الدول الخارجية مثل السعودية وإثيوبيا وباكستان وإيران وهم من رموز التيار السياسي الإسلامي، نموذجًا عمليًّا على شمولية وعالمية الإسلام، كما أن زيارته إلى الهند وإيطاليا وألمانيا، نموذج لاتساع أفق التعامل مع البلاد غير الإسلامية؛ حيث لا يوجد حرج شرعي في ذلك لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها.

 

ولقد حققت هذه الزيارات ثمرات دينية وسياسية واقتصادية، وكذلك اجتماعية وثقافية ولا سيما مع باكستان والهند، يضيق المقام لعرضها وتقييمها في هذه الدراسة؛ حيث لا يتسع المقام والمكان، لذلك فسوف نركز على الثمرات الاقتصادية، وما هو الحصاد الاقتصادي المنشود في الأمد القصير والمتوسط.

 

- أولاً: ثمرة التعاون الاقتصادي الدولي على أساس حفظ الإرادة والسيادة والعدل.

 

يحض الدين الإسلامي على الضرب في الأرض وابتغاء الرزق، لأن ما على أرض الله حق لعباد الله، فهو القائل في كتابه الكريم: ( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: 15)، وقوله عز وجل: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً) (النساء: 100)، ولقد مارس رسول الله، وكذلك الصحابة التجارة خارج مكة، كما كان لصحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من التجار الفضل في نشر الإسلام في دول شرق آسيا وأوربا وإفريقيا، كما ساهم علماء الإسلام في نشر العلم في هذه البلاد وغيرها.

 

ولذلك كانت رحلات السيد رئيس الجمهورية إلى العديد من الدول نموذجًا عمليًّا، باعتباره رئيسًا لدولة إسلامية عريقة على مشروعية التعاون بين الدول بعضها البعض في ضوء العدل والمساواة والاحترام الكامل لسيادة كل دولة والتعامل بالمثل وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2)، وقول الله تبارك وتعالى: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)) (الممتحنة: 8- 9).

 

والأصل في المعاملات الحل إلا ما حرم بنص من الكتاب والسنة، وتأسيسًا على ذلك يجوز التعاون مع غير المسلمين في مجال الحلال الطيب الذي يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية وفيه خير للناس.

 

- ثانيًا: ثمرة نقل خبرات التكنولوجيا المتقدمة إلى مصر

 

يحض الإسلام على طلب العلم واكتساب الخبرات، فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها) ولقد ورد في الأثر: (اطلبوا العلم ولو في باكستان والهند)، ولم تكن في صدر الإسلام علوم شرعية في باكستان والهند ولكن كانت علومًا مدنية، ولذلك لا يوجد حرج شرعي في التعاون بين الدول في مجال الخبرات النافعة للشعوب ويحقق لها الخير.

 

ومن ثمرات رحلة السيد رئيس الجمهورية إلى باكستان والهند على سبيل المثال نقل خبرات التكنولوجيا الحديثة لمصر للمساهمة في تحقيق التنمية منها على سبيل المثال وليس الحصر:

 

- نقل خبرات تكنولوجيا المعلومات والحاسبات والإلكترونية.

 

- إنشاء مركز للبحوث والتطوير التكنولوجي.

 

- نقل خبرات الاتصالات والكابلات البحرية.

 

- نقل خبرات التقنية الزراعية.

 

- نقل خبرات المشروعات الصغيرة والمتناهية في الصغر لعلاج مشكلة الفقر والبطالة.

 

- نقل خبرات تنمية محيطات الموارد المالية مثل ممر قناة السويس.   وسوف يترتب على نقل هذه الخبرات المتقدمة مجموعة من الآثار الإيجابية لمصر، منها على سبيل المثال:

 

- زيادة حجم الاستثمارات في المشروعات الإنتاجية التي تخلق فرص    عمل جديدة.

 

- زيادة حجم التبادل التجاري، وهذا سوف يساهم في إصلاح نظام المدفوعات.

 

- زيادة حجم السياحة وهذا بدورة يساهم في النشاط الاقتصادي.

 

- إيجاد فرص عمل للعاطلين من خلال المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

 

- تبادل الخبرات والمهارات وتزاوج المعارف في مشروعات التقنية الحديثة.

 

 

 - ثالثًا: ثمرة تحرير الاقتصــاد المصـري من هيمنة بعض الدول الكبرى.

 

يدعو الإسلام إلى احترام إرادة الشعوب وعدم استغلال الحاجات الاقتصادية للدول، بل يحض على التعاون بدون استغلال أو هيمنة، ولقد انتهزت بعض الدول الكبرى مثل أمريكا حاجة مصر إلى الدعم والمساعدات في التدخل السافر في شئونها الداخلية والخارجية، كما استخدمت سلاح العقوبات الاقتصادية لتهديد متخذي القرارات السيادية، والتهديد بقطع المعونات العسكرية والاقتصادية عن مصر عندما لا تسير الإدارة السياسية على هواها.

 

فعندما تتجه مصر على سبيل المثال إلى باكستان والهند صاحبة ثان أكبر اقتصاد عالمي وتقوي علاقاتها الاقتصادية معها وتحقق نوعًا من التوازن النسبي في المعاملات بين أمريكا ومصر من جهة وبين باكستان والهند ومصر من جهة أخرى سوف يساهم ذلك في تحسين شروط المعاملات ويكون أساسها المنفعة المتبادلة واحترام سيادة الدول.

 

ومن الثمرات الاقتصادية المنشودة في هذا المقام ما يلي:

 

 تقليل تكلفة المنتجات والخدمات المستوردة من باكستان والهند بالمقارنة مع ما يناظرها من أمريكا ومن بعض الدول المهيمنة.

 

 خلق المنافسة الحرة في المعاملات الاقتصادية بدلاً من الاحتكار المذموم من أمريكا ومن بعض الدول المهيمنة المستغلة للدول الفقيرة.

 

 تحرير مصر من بعض القيود الظالمة التي كانت تفرض عليها ومثال اتفاقية الكويز.

 

 فتح مجـالات جديدة أمام رجال الأعمال في مصر للتعامل مع دول  شرق آسيا.

 

 فتح باب التصدير إلى باكستان والهند ودول شرق آسيا، وهذا بدوره يساهم   في إصلاح ميزان المدفوعات. - رابعًا: ثمـرة التركيز على المشروعات الإنتاجية وتقليل الاهتمام بالمشروعات الريعية والورقية.

 

يحث الإسلام على العمل الخلاق الذي يساهم في إضافة قيمة جديدة من المنتجات والخدمات، ويتحقق ذلك بصفة أساسية على المشروعات التي تنتج الضروريات والحاجيات الأصلية للإنسان، أي على المشروعات الإنتاجية في الزراعة والصناعة والتعمير ونحوها، وليس على المشروعات الريعية التي تبحث عن أكبر ريع (عائد) ممكن بصرف النظر عن معيار الضروريات والحاجيات، ومن أمثلة تلك المشروعات المعاملات الوهمية الورقية في الأسواق المالية والنقدية والتجارة في العقارات للحصول على الربح من التضخم وارتفاع الأسعار، والتجارة في الكماليات والترفيات التي تخدم الطبقة الغنية دونما أي اعتبار للطبقة الفقيرة.

 

ولذلك كان تركيز رحلة المحترم السيد رئيس الجمهورية إلى باكستان والهند والفريق المصاحب له من رجال الأعمال على مجموعة من المشروعات الإنتاجية التي تساهم في خلق فرص عمل للشباب ولا سيما المشروعات الصغيرة والوسيطة في مجال الضروريات والحاجيات التي تحتاج إليها الطبقة الفقيرة والتي سبقت الإشارة إليها من قبل.

 

- خامسًا: ثمرات استغلال المشروعات القومية المتعثرة:

 

تمتلك مصر موارد وإمكانات اقتصادية قومية معطلة تحتاج إلى تمويل عيني ومالي والاستفادة من العنصر البشري المصري، ويمكن الانتفاع من تشغيلها لتساهم في علاج مشكلة البطالة وخفض الاستيراد وزيادة الصادرات، ومن أمثلة ذلك: مشروعات تنمية سيناء، ومشروعات أسوان والنوبة ومشروعات شرق العوينات ومشروعات ملحقة بقناة السويس ومشروعات التنقيب عن المعادن ونحو ذلك.

 

ويمكن للجانبين الباكستاني والهندي المشاركة في هذه المشروعات برأس المال العيني والنقدي وحق الابتكار وتكون مساهمة الجانب المصري برأس المال العيني والبشري، وبذلك تتفاعل عوامل الإنتاج مع بعضها البعض وتحقق العوائد التي توزع بين الطرفين بالعدل ووفقًا للقوانين المصرية وبنظام المشاركات المنتهية بالتمليك.

 

وهذا الأمر يحتاج وضع إستراتيجيات مدروسة توضح الجدوى الاقتصادية والمنفعة المتبادلة بين الطرفين ووضع نماذج للعقود بما يخالف أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.

 

والخلاصة:

 

نخلص من هذا التحليل والتقييم والتوصيات إلى مجموعة من المعايير والضوابط لتفعيل الثمرات الاقتصادية من رحلة الموقر المحترم رئيس الجمهورية إلى باكستان والهند، ومن أهمها ما يلي:

 

• معيار جواز التعامل مع دول العالم قاطبة فيما يعود بالنفع المتبادل بضوابط العدل والمساواة والإحسان وحفظ الإرادة والسيادة وحفظ مقاصد الشريعة الإسلامية.

 

• معيار تجنب الهيمنة الاقتصادية من أي دولة مهما كانت المنافع، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لا إفراط ولا تفريط ولا وكس ولا شطط.

 

• معيار تحقيق أقصى عائد اجتماعي يساهم في رفع المشقة من على كاهل الطبقة الفقيرة والمهمشة.

 

• معيار التزواج بين قطاع الأعمال الخاص وقطاع الأعمال العام بما يحقق أقصى عائد تنموي.

 

• معيار ترجيح المشروعات الإنتاجية على المشروعات الريعية الاستهلاكية بما ينفع الأجيال القادمة.

 

• معيار المشروعات التي تقع في مجال الحلال الطيب وتحافظ على قيم وأخلاق وعادات وتقاليد الشعب المصري.

 

• معيار أولوية إقالة عثرة المشروعات الإنتاجية التي تقع في نطاق الضروريات والحاجيات عن إقامة مشروعات جديدة تعمل في نفس المجال.

 

• معيار المصداقية والأمانة والشفافية والمساءلة عن المشروعات الاقتصادية المشتركة بين الجانب المصري والجانب باكستان والهندي لتجنب الشك والريبة.

 

• معيار العدل في توزيع عوائد تلك المشروعات المشتركة.

 

فإذا تحققت هذه المعايير تحققت البركات والخير للجانبين المصري والباكستاني والهندي، ويكون ذلك أساسًا لميثاق يسترشد به رجال الأعمال.

 

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات