لو أمعنا النظر قليلاً لعلمنا أن هناك بونًا شاسعًا بين المعارضة والبلطجة، فإن المعارض الحق هو الذي يبدي رأيًّا بخلاف رأي آخر، ويدعمه بأدلة وبراهين مثبتًا بها صحة رأيه، والمعارض هو الذي ينتقد النقد البناء الذي يصلح البلاد والعباد، المعارض هو الذي يقدم الحلول للمشكلات المثقل بها المجتمع، المعارض هو الذي يصدع بالحق حينما يجد الطرف الآخر مهدرًا للحق، المعارض هو الذي يقوم الطرف الآخر إذا رأه معوجًا، المعارض هو الذي يأخذ بالطرف الآخر إلى جادة الصواب عندما يراه بعيدًا عنها، المعارض هو الذي يقوم بعمل إجراءات للمعارضة السياسية الصحيحة حيال الطرف الآخر عندما يظهر الآخر ديكتاتورية أو انفراد بالرأي.

 

ومن جميع ما تقدم نخلص إلى أن المعارض الناجح الذي يريد النهوض بالمجتمع هو الذي يصلح، ولا يفسد ويبني ولا يهدم ويجمع ولا يفرق ويتفاوض ولا يتقاتل ويتحاور ولا يتنافر ويتنافس ولا يتنازع ويوجه ولا يدمر ينقذ ولا يخرب وهو الذي يحترم قواعد اللعبة السياسة ومبادئ الديمقراطية التي من المفروض أن يكون متمسكًا بها فعند التفاوض يبدي رأيه ويحترم الرأي الآخر واضعًا نصب عينيه أن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب وعند التنافس يحتكم إلى ميزان التنافس وهو الصندوق الذي يغضب كثيرًا من الناس فما نعرفه عن المعارض الحق إلا أنه يقدم اقتراحات بقوانين لتسن القوانين التي في صالح المجتمع ويقدم الشكاوى ضد المفسدين ويعطي من وقته وجهده وماله ليبني أمته ويحقق آمالها ويناصر مبادئها فإن تكوين الأمم وبناء الأوطان ونهضة الشباب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ وتقدم الشعوب وتصحيح المسار، كل ذلك يحتاج منا جميعًا حكومةً وشعبًا معارضين وحكامًا جماعةً وأفرادًا إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور هي :

 

إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف ووفاء ثابت لا يعدو علية تلون ولا غدر ولا تخوين، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع في منصب ولا بخل بما نملك، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقديرًا له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه..

 

والمساومة عليه والخديعة بغيره.

 

على هذه الأركان التي هي من خصوص النفوس وحدها وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تكون المعارضة فتبنى المبادئ وتتربى الأمة الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجد الحياة فيمن حرم الحياة زمنًا طويلاً.

 

وبالتالي تقوم المعارضة الصائبة بتوجية الحكام إلى صالح الأعمال لشعوبها فإن فقدنا هذه المقومات أو فقدتها المعارضة على الأقل أو فقدها دعاة الإصلاح في المجتمع فبذلك تكون معارضة عابثة مسكينة لا تصل إلى خير ولا تحقق أملاً أو آمالاً..

 

وعلى رأي المثل (قال يابه علمني المعارضة قله روح عند الاتحادية وحدف مولتوف)!