ذلك شعار أطلقته (القوى الثورية!!) لإعادة الجيش إلى السلطة مرة أخرى، ليس حبًا في الجيش ولا رغبة في أن يحكم كما يزعمون، إنما بغضًا للفكرة الإسلامية التي يتولى أبناؤها السلطة الآن ويجاهدون- في جو مليء بالمؤامرات والخيانة- كي ينهضوا ببلد ظُلم لعقود وانتهبت خيراته على يد العسكر أنفسهم، الذين تحاول القوى إياها استدعاءهم من جديد!!.
ومن يتأمل الشعار لا يتردد في وصف من رفعوه بالتذبذب والنفاق؛ إذ الأسف يعني أنهم أخطئوا بما فيه الكفاية في حق المعتذَر له، وفي الوقت ذاته فإنهم لم يبدوا هذا الأسف إلا عندما احتاجوا الجيش ورغبوا في خدماته.. ومن المتوقع- وهم على هذه الرعونة- أن يتطاولوا عليه مرة ثانية وثالثة وعاشرة إذا عاد للحكم، ربما ليس لتقصير عنده، لكن لقصر نظرهم، وعمى بصيرتهم؛ ولأنهم جُبلوا على أن يكونوا أدوات في أيدي غيرهم، يلعبون بهم كيفما ووقتما يشاءون؛ من أجل أن يستمر مسلسل الفوضى وعدم الاستقرار حتى يقبل الناس- بعد إحباط وضيق شديدين- بمن تفرضه عليهم الإدارتان: الأمريكية والصهيونية.
لقد نال الجيش ما ناله من تجريح إبان الفترة الانتقالية التي استمرت ما يزيد على العام ونصف العام، وكان شعار "يسقط يسقط حكم العسكر" كالعلكة في فم المتسكع، وكان هناك عشرات الآلاف ممن يتقوتون على الإساءة للمجلس العسكري، ومثلهم ممن يملئون الفضائيات جلبة وضجيجًا، وهؤلاء وهؤلاء تحولوا- بفعل فاعل- إلى أصدقاء وأحباء للجيش، وانطلقوا يجمعون التوكيلات لتفويضه بإدارة البلاد بديلاً عن الإخوان، فهل يصدق عاقل هذا السلوك المشين الذي ينسف أدنى قواعد الديمقراطية التي يدّعون الإيمان بها والنضال من أجل توطينها ودعم ثقافتها؟!
ولو أن نفرًا من الحزبيين المتمرسين غير المتلونين هو الذي طرح هذا الرأي، واعتبره بديلاً للخروج من المأزق الراهن لهان الأمر، لكن- للأسف- يطرح الفكرة مجموعة الأراجوزات الذين لا يغادرون الفضائيات وقد سئمت الجماهير وجوههم الشقية وأحاديثهم الغبية، وهذا يؤكد أن هؤلاء لا يبحثون عن حلول سياسية ولا يمارسون معارضة حقيقية.
لقد غاب الشعب عن فكر هؤلاء الناس، ليس في هذه الحادثة فقط، بل في كل الحوادث السابقة بلا استثناء، فهم تلح في عقولهم فكرة، فيسارعون بإعلانها، ويسعون سعيًا في تنفيذها، كأنهم مفوضون من قبل الشعب في هذا الأمر، والواقع أن الشعب في واد وهم في واد آخر، ولو استطلعت آراء الناس لقالت الأغلبية العظمى إن هؤلاء مجانين الأمة، ولو كان لهم موضع قدم بين الشعب لأعطاهم أصواتهم في الانتخابات والاستفتاءات العديدة التي مرت بنا منذ الثورة، لكن يبدو أنهم مغيبون فلا يدركون ذلك، أو إنهم يدركون بغض الناس لهم فيتصرفون بهذا الخبث والدهاء كأن الشعب لا وجود له.
وإذا كان هؤلاء قد ابتلاهم الله بما ابتلاهم به من عته، فإن طرفي القضية على وعى تام بما يحاك بالبلد من مؤامرات؛ أما الشعب فإنه يؤمن بالشورى والديمقراطية، ولسوف يحافظ على اختياراته وشوراه، ولن يسمح لأقلية مشاغبة مشكوك في نياتها وسلوكها بأن تهدم ما بناه.. وأما الجيش فقد عهدناه جيشًا وطنيًا ومؤسسة مصرية صميمة، محترمة وعريقة، ولا يشوبه- فيما مضى- سلوك بعض أفراده في مجلس عكسري أو حكم رئاسي، ويدرك الجيش- في اعتقادي- خيوط اللعبة جيدًا، وأبناؤه الكرام يقدمون مصلحة مصر على أي مصلحة أخرى، ويضعون شعب مصر في أعلى درجة من درجات التكريم والاعتزاز.. كل هذا كفيل بإحباط سعي من يريدونها فتنة، ومن يحاولون الوقيعة بين الشعب وجيشه.. فليخسأ المحرضون، وليعد أهل الباطل إلى بيوتهم خاسرين. فقد ولى زمن الجهل والضلال، وجاء زمن نستبشر فيه جميعًا بمستقبل مزهر لأبناء وطننا، بعيدًا عن التبعية والمهانة وسوء الخلق.
-------------