استمرارًا لمسلسل تعمد الكذب والتضليل الذي احترفه البعض وأدمنه ويبذل كل ما يملك وما يستطيع من أجل نشره وإشاعته بين الناس، تحدث هؤلاء عن منح النائب العام الضبطية القضائية للمواطنين المصريين وعن مخاطر القرار وعن أنه يمهد لتشكيل ميليشيات إسلامية لتصفية المعارضين.
هكذا تناولت بعض وسائل الإعلام وبعض القوى السياسية والأحزاب وبعض التيارات الأخرى الخبر وتعاملوا معه على أنه حقيقة واقعة وأن القرار صدر بالفعل وبدءوا في تحليل خطورة الأمر على الأمن القومي وعلى أنه يمهد لحرب أهلية مثل بلاد كذا وكذا، وأنه يقوض أركان دولة القانون والمؤسسات ويهدمها.
وحددوا في ذات الوقت المستفيد من ذلك والداعي له وأنهم القوى الإسلامية دون غيرها.
هكذا أصبح حديث كافة وسائل الإعلام والخاص منها على وجه الخصوص هذا القرار المزعوم وأصبح في العناوين الرئيسية للجرائد والموضوع الرئيسي في برامج التوك شو، في رسالة واضحة لتبني تشويه تصريح النيابة وترسيخ صورة ذهنية سلبية عنه والتعامل معه على أنه الخطر الأكبر.
والعجيب في الأمر أنه برغم توضيح النيابة لمقصدها من البيان وأن ما حدث ما هو إلا تفعيل لمادة موجودة في القانون من عشرات السنين وأنه ليس من حقها إعطاء الضبطية القضائية لأحد، إلا أن البعض ما زال سادرًا في غيه متبعًا سبيل شيطانه في التدليس المتعمد ولوي عنق الحقائق وتشويهها وإشاعة القلق والاضطراب في المجتمع بأسره.
فلا يوجد قرار صادر من النائب العام أصلاً بهذا الخصوص وهو ليس مخولاً بمنح الضبطية القضائية لأي أحد، وإنما المخول بذلك هو وزير العدل وفق ما ينظمه القانون. ولماذا قصر الاتهام على الميليشيات الإسلامية؟! وأين هي الميليشيات التي تدمر الوطن من شهور تحت رعاية حصرية من قوى بعينها وبغطاء سياسي وإعلامي منها؟!
ومن العجب أن توصف تلك الميليشيات المسلحة التي تهاجم بالمولوتوف والخرطوش وتستخدم الونش في فعالياتها بالمتظاهرين السلميين، وتنتقد وسائل الإعلام تلك الاستخدام العنيف للشرطة للغازات المسيلة للدموع.
إن البعض يعمد إلى تشويه صورة النائب العام الجديد وتشويه كل ما يصدر عنه من قرارات لأسباب مشبوهة أصبحت لا تخفى على أحد، إما للتغطية على فساد أولياء نعمتهم، أو لخوفهم من ملاحقتهم على ما ارتكبوه من جرائم في حق مصر وشعبها.
فهل من قبيل المصادفة تشويه البيان الصادر عن مكتب النائب العام وتبني معظم وسائل الإعلام والسياسيين لنفس المفردات والمضامين الإعلامية والسياسية في خطاباتهم؟!
و ليست هناك شبهة تواطؤ في قلب الحقائق وتزيفها وتسويقها وتسميم الأجواء بمثل تلك الأكاذيب والأراجيف؟!
إن ما حدث هو حلقة في سلسلة التشويه المتعمد التي تقوم بها بعض الجهات الإعلامية والسياسية لأهداف متعددة منها على سبيل المثال لا الحصر: خدمة أولياء نعمتهم، أو كرههم للمشروع الإسلامي وبذل كل الجهد لإفشاله، أو وضعهم تحت السيطرة من قبل أجهزة أو هيئات بعينها، أو متاجرة بمقابل بمستقبل البلاد ودماء الشهداء وآلام المصابين.
ففرية الضبطية القضائية للشعب سبقها تزيف حقائق وكذب متعمد وتشويه ممنهج وتلاعب بالمسميات، مثلما تم تسمية المجرمين والمخربين الذين يحرقون ويدمرون ويستخدمون الأسلحة بالمتظاهرين، واعتبار أن العنف والتدمير تظاهرات سلمية للتعبير عن الرأي وتسمية إضراب بعض رجال الشرطة بالحرية والتقدمية، والهجوم على المقرات الحكومية والسيادية وحصار البنك المركزي والبورصة بالأعمال الثورية، واستعداء الجيش على قوى سياسية والقيادة الشرعية ومحاولتهم المستميتة لاستدعائه للحياة السياسية على أنه الملاذ الأخير والضرورة الملحة.
بل ووصل الأمر ببعضهم للتهكم على الشعب وعلى وعيه وقدراته عندما طالب بمنع غير المتعلمين من التصويت وقال آخرون إن الشعب لا يعرف الفرق بين الديمقراطية وقرص الطعمية، وطالب آخرون بضرورة تطبيق التصويت التمييزي.
إن ما يحدث من البعض لمحاولة إرباك المشهد السياسي بإثارة تلك الأكاذيب هو لمحاولة إعاقة التحول الديمقراطي وللحفاظ على مصالح قوى وأفراد بأعينهم ولتشويه صورة الإرادة الشعبية والشرعية المنتخبة وهو ما سيبوء بالفشل والخسران المبين بإذن الله.
فالشعب أوعى بمراحل ممن يثيرون تلك الأكاذيب وسيلفظهم كما لفظهم من قبل ولن يكون لهم وجود مؤثر في الحياة السياسية لا في المستقبل المنظور ولا البعيد، فهذا ما أكدته دروس التاريخ والسنن الكونية والإلهية.
إن المعركة بين الحق والباطل والخير والشر والعدل والظلم والبناء والهدم والقانون والخارجين عليه والشرعية والهمجية؛ هي معركة أزلية ومستمرة منذ فجر التاريخ، ولكن نتيجتها واضحة وجلية فإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يصلح عمل المفسدين (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس) فقد وعد سبحانه بأن العاقبة للمتقين (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص).
وفي رسالة طمأنة ربانية تربط على القلوب وتصحح اتجاه البوصلة نجد قوله تعالى (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ) (فاطر) وفي دعوة واضحة للتمايز نجد قوله تعالى (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً) (الإسراء)، وفي دعوة للعمل الجاد والحثيث (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة).
لنعمل ولنري الله من أنفسنا خيرًا طاعة لربنا وحبنا لأوطاننا ولا نلتفت للأكاذيب التي يروجها البعض ليشتت الجهود ويعيق التقدم ويشوه الصورة ويحقق مآربه المشبوهة.
فلنتحد ونتكاتف ونعمل وننتج ونغلب الصالح العام على الخاص ونسعى لكل ما فيه خير مصر وشعبها، فبنهضة مصر تنهض الأمة كلها.
حمى الله مصر وشعبها ورئيسها من كل مكروه وسوء.