عجب أمر من يدعو لمقاطعة الانتخابات البرلمانية القادمة، ففي ظل الحكم الديكتاتوري السابق اتفقوا جميعًا ومعهم بقية القوى السياسية، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين على مجموعة من الضوابط الحاكمة، والضرورية لنزاهة الانتخابات وتمثلت في ضرورة إنهاء حالة الطوارئ، وتمكين القضاء المصري من الإشراف الكامل على العملية الانتخابية برمتها، والرقابة على الانتخابات من قِبل منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي، وتوفير فرص متكافئة في وسائل الإعلام لجميع المرشحين، وخاصة في الانتخابات الرئاسية، وتمكين المصريين في الخارج من ممارسة حقهم في التصويت بالسفارات والقنصليات المصرية، وكفالة حق الترشح في الانتخابات الرئاسية دون قيود تعسفية، وقصر حق الترشح للرئاسة على فترتين، وإجراء الانتخابات عن طريق الرقم القومي.

 

كانت تلك هي مطالب كافة القوى الوطنية وجل أمانيها لتحقيق نزاهة حقيقية للانتخابات، فهل يوجد أي من هذه المطالب لم يتحقق الآن؟ والأكثر من ذلك أن الرئيس يدعوهم ليضعوا الضمانات الأخرى التي يرونها لضمان أكبر قدر من النزاهة والشفافية للعملية الانتخابية، فنجدهم يمتنعون ويضعون الشروط غير الواقعية بل والتعجيزية في بعض الأحيان.

 

والبعض يتعلل بعدم استعداده للانتخابات الآن وأن الوقت غير مناسب، وهي ذات الحجج التي يتسابقون في التذرع بها عند كل انتخابات وكأنهم تفاجئوا بموعدها المقرر وفق آليات محددة في الدستور الجديد. فالمادة ٢٢٩ من الدستور تقول إن البدء فى إجراءات الانتخابات الخاصة بأول مجلس للنواب يكون خلال ستين يومًا من العمل بالدستور، فما المفاجأة إذن فى أن يخرج رئيس الجمهورية لإعلان موعد الانتخابات؟.

 

إن الحقيقة المرة تقضي بأنهم قد استمرءوا الهروب من تبعات العملية السياسية، ومن مواجهة الناخبين والاحتكاك بهم والسعي لحل مشاكلهم ونيل رضاهم. وهم يدركون أنهم أبعد ما يكونوا عن الإرادة الشعبية الحقيقية التي خذلتهم أكثر من مرة، فيطبقون قاعدة بيدي لا بيد عمرو.

 

فمن المقبول أن يعترض البعض على بعض مواد قانون الانتخابات، أو يطالب بالمزيد من الضمانات الحقيقية الداعمة  لنزاهة الانتخابات، لكن غير المقبول ولا المفهوم هو هذا الرفض التام لمبدأ الانتخابات من الأساس، وهو ما يمثل في الحقيقة انتحارًا سياسيًّا بكل المقاييس.

 

فهم يعتمدون في الحقيقة على محاولة تخيل  قدرتهم على استنساخ تجربة الثورة على النظام السابق مع النظام الحالي واجترار مقولات وشعارات وهتافات ومسميات ثورة ٢٥ يناير، متناسين أن الرئيس الحالي جاء وفق إرادة شعبية نزيهة ولا يمكن إسقاطه إلا بذات الآلية ووفق إرادة شعبية التي هي المتحكم الحقيقي والوحيد في المشهد السياسي وهكذا يجب أن تكون.

 

إنهم يدعون أن الشارع معهم ويؤيد مطالبهم، فلما إذن الخوف من خوض الانتخابات والفوز بالأغلبية التي تؤيدهم ويشكلون الحكومة، ويكون لهم السلطة التنفيذية وفق تلك الإرادة، أم أنهم يتشدقون بانحياز الشارع لهم دون سند من الواقع لذلك؟

 

إن الحقيقة التي يحاول البعض التهرب منها وعدم مواجهتها لأسباب مختلفة أن تلك الدعوات هي إفلاس تام وعجز صريح عن ممارسة العمل السياسي ويمثل انعدام القدرة الحقيقية على المنافسة الواقعية، وأنهم أبعد ما يكونون عن الشعب واحتياجاته وأنهم بكل أسف يتاجرون به أكثر مما يبذلون له.

 

إن مواقفهم المتعارضة وآراؤهم المتضادة تجعل الحليم حيرانًا، ففي الوقت الذي يتشدقون فيه بالديمقراطية والحرية واحترام إرادة المصريين، نجدهم ينقلبون على تلك المبادئ، ويحاولون جر مصر للعنف والمواجهات الدامية. وهو ما يؤكد أن المواقف والأهداف الحقيقية تدور في فلك التطلعات الشخصية وحسب وهي أبعد ما تكون عن أهداف الثورة ومصلحة الوطن.

 

فمن غرائب وعجائب تلك المطالب، أنهم يطلقون بين الحين والآخر دعوات من أجل إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بحجة تآكل شرعية الرئيس، التي لا نعلم مقاييس لها سوى المقاييس الانقلابية على الحرية والديمقراطية وتنكب سبيل الإرادة الشعبية، ونجدهم الآن يعلنون مقاطعتهم لانتخابات دستورية لأسباب واهية وغير منطقية.

 

إن المواقف المخزية المتتالية لتلك القوى تؤكد للجميع أنها تستهدف خراب الوطن والزج به في غيابات التيه انتصارًا لأوهام شخصية وطموحات زائفة.

 

وهم في سبيل ذلك يطالبون بالشيء وضده فهم يطالبون بعودة الجيش للسلطة وفي نفس الوقت يطالبون بمحاسبة الجيش عن الفترة الانتقالية، ويقولون إن ظروف البلد لا تحتمل انتخابات نيابية وفي نفس الوقت تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة، ويطالبون بعزل النائب العام لأن الرئيس المنتخب هو من عينه ويطالبون بعودة النائب السابق رغم أن مبارك المخلوع هو من عينه، ويطالبون بحق الشهداء بما فيهم شهداء التراس الأهلي ويستنكرون أحكام الإعدام الصادرة ضد المدانين بحكم قضائي.

 

ويطلبون بفصل الدين عن الدوله ومنع السياسة في المساجد ويمارسون السياسة في الكنائس وهو مسجل وموثق على مواقع الإنترنت.

 

ويحرضون على العنف  ويعطونه الغطاء السياسي ويقولون إن العنف سيستمر حتى الاستجابة لطلباتنا، ويستنكرون في ذات الوقت أحداث العنف التي ارتكبها أنصارهم واعترفوا بارتكابها، والأكثر من ذلك يدينون أي إجراءات قانونية تتخذ ضدهم ويعتبروها حلقة في سلسلة استهداف الثوار.

 

إنهم يدركون أن الشعب يلفظهم وأنه لا وجود مؤثر لهم في الشارع وأن وزنهم النسبي في الشارع أقل بكثير من وزنهم في الفضائيات والمؤتمرات الصحفية، وأن دخولهم أي استحقاق انتخابي الآن سيكشف حجمهم الحقيقي وسيعريهم أمام الدنيا كلها، لذا فهم يسعون لإعاقة أي عملية انتخابية تحت دعاوى زائفة وغير حقيقية خوفًا على مكانتهم الفضائية ووجودهم المؤثر والفعال في الندوات والمؤتمرات.

 

إن من يحب مصر بحق ويسعى لإعادة إعمارها مما لحق بها لا بد أن يحذف من قاموسه كلمات مثل: عصيان، إضراب، إحراق، إسقاط، ويستبدلها بكلمات إيجابية بناءة مثل: إعمار، بناء، تشييد، تكافل، تكامل، وحدة، حب، إخاء، منافسة شريفة، معارضة بناءة.

 

لنتسابق في حب مصر ونتنافس في خدمتها ونقدم لها كل سبل التقدم والرقي ونتعالى على خلافاتنا ونعلي مصلحة مصر وشعبها فوق الجميع.

 

حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها من كل مكروه وسوء.