طالعتنا جريدة "الأهرام" يوم الخميس 14 فبراير 2013 في صفحة "فكر ديني" بعنوان غريب يقول: ".. والأزهر يعرب عن أمله في عودة العلاقات مع الفاتيكان"!! ووَضْع عدة نقاط  قبل العبارة في هذا العنوان يعني أن هناك كلامًا يسبق هذه الكلمات التي أتت ردًا عليه، لكن المكتوب  صيغ وكأنه يقول إن الأزهر هو الذي يأمل ويعرب عن أمله.. ويا للفضيحة، والمهانة!

 

هل إلى هذا الحد هان عليك الإسلام والمسلمين يا أزهر؟؟ ما ذلك "الأمل" الذي يتوقعه مثل هذا الأزهر من الفاتيكان؟؟ أي أمل من أناس لا يكفون عن سب الإسلام والمسلمين رسميًّا، وفي خطاب البابا الشهير في راتسبون.. أناس لا يكفون عن ترديد وتكرار ضرورة تنصير العالم، لا يكفون عن إقامة المؤتمرات الدولية بكل إصرار لتنصير العالم؟.. أي أمل تبغون بعد كل ما قدمتم من تنازلات، والقائمة طويلة مخجلة، أن يتم تنصير الأزهر؟!

 

ويبدأ موضوع جريدة الأهرام كالآتي: "عبّر الأزهر الشريف عن أمله في عودة العلاقات وحوار الأديان في ظل المتغيرات الجديدة بعد استقالة بابا الفاتيكان" إلخ إلخ.. وكأن المسألة شخصية بين بابا الفاتيكان والأزهر! لقد كان الأزهر بالفعل قد قرر يوم 20 يناير 2011، في جلسة مجمع البحوث الإسلامية، تجميد الحوار مع الفاتيكان إلى أجل غير مسمي بسبب تهجم البابا بنديكت 16 المتكرر على  الإسلام. وهذا أقل القليل الذي كان يجب أن يفعله.

 

وهذه الجزئية من الخبر مبنية للمجهول أيضًا وإن كان المجهول هنا هو كلمة "الأزهر"، دون تحديد أي شخصية أزهرية أو حتى إدارية.. ثم تليها فقرة على  لسان الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، حول توضيح سبب عدم فهم الغرب لربط الإسلام بين الدين والدنيا، تليها عبارة توضيحية تقول: "جاء ذلك في رده على  استفسار جاك ميار عمدة ميزون لافيت، رئيس الوفد البرلماني الفرنسي الذي زار مشيخة الأزهر أمس".

 

وهنا ندرك على  الفور أن عنوان المقال جاء كإعلان رسمي من الأزهر، إعلانًا مبنيًّا للمجهول، استجابة لمطلب رئيس وفد البرلمان الفرنسي، وتمت كتابته بصيغة المجهول للتخفيف من وقع مرارته أو من الجرم الذي يحتوي عليه في حق الدين، ذرًا للرماد في الأعين.. لكن هذا الرماد البخس لن يمنع من أن نسأل فضيلة الإمام الأكبر، المسئول الأساس عن الأزهر: ما معني هذه الهرولة والبابا ما زال موجودًا في منصبه ويتولي مهامه البابوية حتى يوم 28 فبراير الحالي وإلى الساعة الثامنة مساء؟! ما معنى هذه الهرولة الغريبة مجرد أن أعلن البابا تنحيه وقبل أن يغادر مقعده أو حتى قبل أن يتم اختيار خليفته ومعرفة موقفه من الإسلام والمسلمين؟.. أإلى هذا الحد الأزهر متلهف لتقديم مزيد من التنازلات؟! إن ما يمكن أن يجزم به أي عاقل يتابع الأحداث هو أنه لا تغيير في مثل هذه القضايا التي ترمي إلى اقتلاع الإسلام.

 

إن المسألة ليست عداوة شخصية بين الأزهر والفاتيكان أو بين البابا بنديكت 16 وفضيلة الإمام الأكبر، حتى يهرول ويتمنى قبل أن يغادر الرجل مكانه! إن المسألة متعلقة بقرارات أعلى وأكبر من كيان الفاتيكان وممن يمثله، قرارات تم فرضها على  العالم في مجمع الفاتيكان الثاني (1962- 1965)، وهو مجمع مسكوني، أي عالمي وقراراته تسري على  كل الكنائس المنشقة بعددها الذي قارب الثلاثمائة وخمسين كنيسة، بموجب الاتفاق المبرم بينهم على  الوضع السيادي لكنيسة روما ممثلة في الفاتيكان والبابا.

 

إن أهم ما تمخض عنه هذا المجمع، لمجرد التذكرة لمن نسى أو تناسى:

1 - تبرئة اليهود من دم المسيح، بعد أن ظلوا ألفي عام يلعنونهم في كل قداس؛ وهو ما يثبت أنه كيان لا يعنيه حتى أن يتلاعب بنصوصه وبعقول أتباعه وفقًا للأغراض السياسية!

 

2 - اقتلاع اليسار حتى لا تبقي أنظمة سياسية أخرى سوى الرأسمالية الأمريكية، وقد تم انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات وفقًا لما قرره مجمع الفاتيكان.

 

3 -  اقتلاع الإسلام حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم؛ وللعلم: لقد تم وضع الإسلام في هذا المجمع ضمن الديانات الآسيوية، لاستبعاده عن حقيقة أنه أتى كاشفًا ومصوبًا لكل ما تم من تحريف في الرسالتين التوحيديتين السابقتين، وهو القرار الصادر في وثيقة "في زماننا هذا" التي تتم كل معاملات الفاتيكان مع المسلمين بموجبها؛ وهو ما لا يكف الفاتيكان وقساوسته عن إعلانه.. ولا داعي لإضافة أن الفاتيكان للآن لا يعترف بالإسلام وحرّف وألغى انتماءنا لسلالة سيدنا إبراهيم، موضحًا أننا نتخذه مجرد مثل للإيمان!!

 

4 -  قرر تنصير العالم، ويرد هذا القرار في كل الوثائق التي أصدرها.

 

5 - فرض المساهمة في عمليات التنصير على كل المسيحيين الكنسيين منهم والمدنيين، كما تم فرض المساهمة فيها على كل الكنائس المحلية. وهو ما نرى انعكاساته اليوم من محاولات استفزازية من بعض كبار قيادات النصارى بمختلف فرقهم، فهم مأمورون بذلك، متناسين أهمية انتمائهم إلى هذا البلد، مهما كانوا أقلية. لكن من الواضح أن الخيانة تسري في العروق..

 

5 - كما تم إنشاء لجنة بابوية من أجل الحوار بين الأديان، والحوار يعني في كل نصوصه التنصير؛ ولجنة بابوية أخرى من أجل تنصير الشعوب.. وكلها حقائق معلنة ومكتوبة، ولا يجب، ولا يجوز الادعاء بعدم معرفتها.. فما معنى الهرولة؟؟

 

وهنا لا بد من وقفة نشير فيها على  مضض، لمهانتها، إلى بعض أهم التنازلات التي قدمها الأزهر فما أطول قائمة التنازلات، ومنها: أن التبشير والتنصير يتم في مصر بموافقة الأزهر، بموجب الوثيقة التي وقع عليها في أبريل 2005 مع وفد "سفراء السلام" وطالب النص الإنجليزي لها وحده بتغيير مناهج الأزهر!!   وفي أبريل 2006 أعلنها الأنبا يوحنا قولته صراحة في جريدة "المصري اليوم".. وفي أكتوبر 2007 صاغ أحد علماء الأزهر، بناء على  طلب البابا بنديكت 16، ما عرف بـ "خطاب الـ 138" المشئوم، والذي نص على  أننا نعبد نفس الإله، ووقع عليه ذلك الرقم 138 من كبار علماء العالم الإسلامي، سواء جهل أم عن عمد، علماء من 44 دولة إسلامية!! ويا لجبروت التواطؤ!!

 

هل إلى هذا الحد يجهل بعض علماء الأزهر أننا لا نعبد "ربنا يسوع المسيح الذي عُذب وصُلب ودفن ثلاثة أيام وبُعث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب الذي هو نفسه" بما أن الثلاثة واحد، كما يقولون؟!   وأنه بناء على  هذا "التهريج" من جانب الأزهر تم فرض الاحتفال بعيد ميلاد "ربنا يسوع" في 7 يناير على  المسلمين، الذين يمثلون 95% من الشعب، عيدًا رسميًّا، بكل ما في ذلك من مساس بالإسلام وثوابته ومهانة للمسلمين؟؟

 

إن ما يدور على  الصعيد العالمي من محاولات حثيثة لاقتلاع الإسلام بالحروب المعلنة أو الخفية، أو حتى بلا سبب كما يحدث في ميانمار بواعز من الكنيسة هناك، أو منها خديعة 11/9 التي نفذتها الولايات المتحدة وتلفعت بها للحصول على  شرعية دولية لمحاربة الإسلام.. وكم من ملايين المسلمين تمت إبادتهم ومؤسساتنا تحتج، وتعترض، وتشجب، وترفض في هدوء بلا أية هرولة.. يا للهول!

 

كل هذه الحقائق الدامغة كان الأدعى أن تجعل الأزهر، بكل من فيه، يتريّث بدلاً من الهرولة.. ويرفض أي مطلب للحوار، فمفهوم الحوار الكنسي الفاتيكاني لا يعني إلا تقديم مزيد من التنازلات حتى يتم التنصير.. فما الذي بقى لتتنازلوا عنه؟ كان الأكرم لذلك الأزهر أن يطالب رئيس وفد البرلمان الفرنسي بتطبيق الحقوق نفسها التي حصل عليها النصارى في مصر، وعن غير وجه حق، للأقليات المسلمة التي تحاربها الحكومة الفرنسية وتعمل على  ضياع هويتها الإسلامية أو طردها.. كان الأولى والأكرم للأزهر، بكل من فيه، أن يطالبوا الفاتيكان والبابا بتطبيق المعاملة بالمثل لكل ما حصلوا عليه من مطالب على  الأقليات المسلمة في جميع أنحاء العالم، بدلاً من فضائح الهرولة.

 

بل كان من الأكرم للأزهر أن يتذكر محاضرة سيمور هيرش التي قالها في 17 يناير 2011 بالدوحة، في مركز الدراسات الدينية الدولية، متحدثًا عن القلق الذي انتاب البعض أيام تشيني، حين أوضح: "ألم يدركوا بعد؟ سوف نحوّل المساجد إلى كاتدرائيات. وعندما نستولي على كل منابع البترول فلن يحصل أي فرد على قطرة منه"!!  وهم يتوعدون وينفذون.

 

بل لقد كان من الأكرم للأزهر، عند الله وعند كل المسلمين، أن يهرول لإنقاذ المسجد الأقصى، إن استطاع أحد أن ينقذه، ولا أقول إنقاذ القدس، التي تم تهويدها وانتهت، فقد بدأ الصهاينة فعلاً في تنفيذ مشروع بناء المعبد.

 

وتقف الكلمات في الحلق!

 

--------

* أستاذة الحضارة الفرنسية.