تمر الذكرى الرابعة والستون على ليلة استشهاد مجدد الإسلام في القرن العشرين، ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين.
ضحى بوقته وماله ونفسه فداءً للدعوة والوطن وعاش ثلاثة وأربعين عامًا فقط تشهد له يوم القيامة أنها ما قصر قط. إنه الإمام الشهيد حسن البنا عليه رحمة الله.
جال بخاطري الآن رؤيته في منامي عام 1989 وكنت حينذاك بالصف الأول الثانوي العام وكان قد مر على التحاقي بركب الدعوة في كنف تلك الجماعة المباركة التي نحسبها كذلك شهور قليلة، رأيت إمامنا البنا يقف على باب بستان كبير ممتلئ بالأشجار وأقبل علينا وكان معي أخي الدكتور عاطف البيطار مرحبًا باشًّا مبتسمًا وأخذني من يدي يريني الثمرات والأشجار وإذا به يقول علاء معنا.
ولا أنسى تلك الرؤية ما حييت أبدًا ولا ولقد شرفت بني مزار- المنيا- بزيارة الإمام البنا عدة مرات كما روى لي الحاج محمد الفاتح من الرعيل الأول لإخوان المنيا، ووثق أستاذنا جمعة أمين ذلك في موسوعته بقوله:
"التقى الإمام الشهيد حسن البنا بإخوان بني مزار- المنيا مساء الأحد 19 جمادى الأولى 1357- الموافق 17 أغسطس 1938 ثم أرسل الإخوان المسلمون ببني مزار خطاب شكر للبنا على زيارته جاء فيها: "من الإخوان المسلمين ببني مزار إلى فضيلة المرشد العام: لقد كان لرحلتكم الميمونة أثرها العميق في نفوس المسلمين عامة وهي في نفوسنا خاصة أشد أثرًا وتلك الليلة التي قضيناها سعداء بجوارك نرتشف الإخلاص من تلك النفوس العالية ونستقى من هذا القلب الغض الذي يفيض إيمانًا بالله ووثوقًا بتلك الشريعة الخالدة وحديثك العذب الذي ما نراه إلا أشعة من نور صادرة من ذلك القبس الذي وضعه الله بين جنبيك تضيء به هذه الأمة التي غشيتها ظلمة كثيفة وأنا إن شاء الله لمبددها فها هي أيدينا لا بل قلوبنا نتقدم بها لمبايعتك على الجهاد والتضحية في سبيل الدين فإلى الأمام تقدم وعلى بركة الله سر.. أيدك الله من عنده وسدد خطاك وكتبها لنا شهادة في سبيله، وتقبلوا منا أسمى تحية وأجل احترام".
أنسى ما قرأته وسمعته في سيرته عن جهاده حيث كان أول من طبق ركن التضحية فعندما أراد الإخوان شراء دار لهم جديدة بالحلمية فدعاهم الإمام البنا إلى الاكتتاب فكانت تضحيته بأكبر نسبة في الأسهم بل تحمل على نفسه بباقي الثمن كدين خاص عليه حتى سدده.
كذلك يروى أستاذنا عبد البديع صقر أنه كان يسير يومًا مع الإمام البنا في سكة راتب باشا فمال على تاجر البطيخ وطلب واحدة وقال كم تريد؟ قال: 15 قرشًا فدفعها على الفور فقلت له يا فضيلة الأستاذ هذا الرجل غشاش إنها بعشرة قروش فقط فنظر إلى مبتسمًا وقال: والدعوة أليس لها ثمن؟.
وأما تضحيته بالوقت كان ينفق ما لا يقل عن 16 ساعة من العمل المتواصل للدعوة بعد استقالته من التدريس ولا ينام من الليل إلا قليلاً وأما تضحيته بالنفس والحياة يرويها سكرتيره الخاص سعد الدين الوليلي يقول:
إنه ليلة صدور قرار حل الجماعة ديسمبر 1948 داهمت قوات البوليس المركز العام للإخوان المسلمين وصادروا كل ما فيه، وألقوا القبض على جميع الإخوان حتى امتلأت السيارات وانتظر الإمام دوره إلا أن أحدًا لم يسأله فرأيته يتشبث بالسيارة ويحاول اعتلاءها ويصيح لا تأخذوا هؤلاء فأنا أولى منهم بالاعتقال ولم يسمع له أحد وتركوه وحيدًا ليضحي بنفسه الغالية ليلقى شهادته على أيدي الملك والحكومة والإنجليز وينعم بالموتة الكريمة ويصدق قوله: يكذب من يدعى التضحية بالنفس وهو شحيح بالمال لأن النفس أغلى من المال.
ومن القدر أن تكون ليلة استشهاد الإمام البنا هي ذكرى تنحي المخلوع مبارك عن الحكم كأن القدر يحكي لنا أن ثمرة الاستشهاد مؤسس الدعوة كانت زوال ملك ظالم مستبد.. رحم الله إمامنا رحمة واسعة.