السجود هو أعلى درجات التذلل والخضوع، أن تلصق جبهتك- رمز العزة والوجاهة والكبرياء- بالأرض وتعفره بالتراب، ولن تقترب من ربك إلا بالسجود، فالربط بين السجود والقرب من الله محكم وثيق، لا قرب بلا سجود، وكلما زاد السجود زادت درجة الاقتراب، وكلما طلبت القرب أكثر اتخذت السجود وساطةً وسببًا ووسيلةً.
للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه. فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه شدد عليه ذلك الموقف، قال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27)) (الإنسان).
وما كل ساجد بمقترب إلا إذا خلع النعلين فألقى بالدنيا وراءه ثم ألقى بنفسه خلفها ودخل مستسلمًا قلبه خاشعًا فؤاده ساجدة أعضاؤه.. حينئذ يكون القرب.. وتكون السجدة.
* لما أراد الله تعالى أن يخبر نبيه الحبيب بأنه يراه وأنه معه، اختار له مقام السجود. (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)) (الشعراء).
* وعندما أحس نبي الله داوود، عليه السلام، بخطئه (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) (ص: من الآية 24)، والمقصود هنا السجود لأن (خرَّ) لا تكون إلا للسجود.
* وعندما امتدح الله عباده المؤمنين ذكر أخص ما يمتازون به (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الفتح: من الآية 29)، (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ) (التوبة: من الآية 112).
* ولما أراد الله تعالى أن يكرم أبا البشرية آدم عليه السلام ويميزه على غيره من المخلوقات جعل السجود علامة التكريم والتمييز (فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر: من الآية 29).
* ولم يجد سحرة فرعون وسيلة للتوبة والإيمان أبرز وأسرع وأظهر من السجود: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ (121)) (الأعراف).
* وقد جعل الله تعالى السجود علامة الخضوع والانقياد لكل من في السماوات والأرض: (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) (الرعد:من الآية 15)، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ) (الحج: من الآية 18).
* وهو أمر الله لمريم بعد أن اصطفاها وطهرها (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)) (آل عمران).
* ولا عجب أن الطير يدرك معنى السجود ومدلولاته، فهذا هدهد سليمان يستنكر على بلقيس وقومها أن يسجدوا لغير الله قال تعالى على لسان الهدهد: (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)) (النمل).
* وإن الذي أبعد إبليس وأورده موارد الهلكة الأبدية تمنُّعه عن السجود: (فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)) (الحجر).
* وعدم السجود لله هو من صفات الكافرين (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)) (الانشقاق). وإذا كان السجود غاية التذلل فإنه نهاية العظمة والسمو والارتفاع والقرب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.. فأكثروا الدعاء فقَمنٌ أن يُستجاب لكم"- رواه مسلم- قمن: أي حريُ أن يستجاب لكم.
أخي الحبيب: اعلم أن من أعظم مظاهر وأسباب الترقي في منازل السائرين إلى الله كثرة السجود.
قال رسول الله عليه وسلم: "عليك بكثرة السجود.. فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة" رواه مسلم، وعن ربيعة الأسلمي خادم الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "كنت أَبِيْتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآتيه بوضوئه، وحاجته فقال: سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود" (رواه مسلم).. قال الحافظ بن حجر رحمه الله: فمن كثُر سجوده حصلت له تلك الدرجة العالية، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ حَالَةٍ يَكُونُ الْعَبْدُ عَلَيْهَا أحَبَّ إِلى اللهِ مِنْ أَنْ يَرَاهُ سَاجِدًا يُعَفِّرُ وَجْهِهُ فِي التُّرَابِ"، وقال رسول الله صلى عليه وسلم "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَمَحَا عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً فَاسْتَكْثِرُوا مِنَ السُّجُودِ"، وقال أيضًا "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطانُ يبكي ويقول يا ويلاهُ أُمِر هذا بالسجود فسجد فلهُ الجنة وأمرتُ أنا بالسجود فعصيتُ فليَ النارُ".. قال رجل للحسن البصري رحمه الله: ما أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله عز وجل؟ فقال: لا أعلم شيئًا يتقرب به إلى الله أفضل من قيام العبد في جوف الليل إلا الصــلاة في السجود أسرار يعرفها صاحب القرب وفيه طعم لذيذ لا يذوقه إلا من حقق أعلى مراتب الذل، وفيه دموع جاءت بها عيون المحبين لما خلوا بربهم وذاقوا القرب منه.
فكثرة السجود هي جواز المرور والعبور والمرافقة والقرب في جنات النعيم، واسجد واقترب، قبل أن يصل جبينك إلى الأرض فليسبقه قلبك، وليسبقه إخلاصك وتجردك، عندها تحس بمعنى السجود وعظمته.
أخي الحبيب... الاقتراب من الحبيب غاية كل محب رويدكم، لسنا هنا بحاجة إلى أن نشد الرحال لنقترب.. ولسنا بحاجة إلى تقنية تلغي المسافات لنقترب.. ولا لسرعة تطوي الساعات لنقترب، سنكتفي هنا بوسيلة لم تحتضنها كتب العشاق التي اكتفت بالحسِّيات، ولم تحتوها أشعارهم التي تشبعت بالماديِّات.. سنكتفي بوسيلة تختصر لنا طريق الوصول إلى نعيم القرب ولذته لتستريح به القلوب المُتعبة، وتقر به الأعين المُعذبة سنكتفي هنا بــ"وأسجد"، نعم فقط وأسجد هذا هو الطريق الوحيد والوسيلة المختصرة للقرب، قال الإمام أبو حنيفة في كتاب الفقه الأكبر:
"وليس قرب الله تعالى ولا بعده من طريق طول المسافة وقصرها ولكن على معنى الكرامة والهوان، فالمطيع قريب من الله والعاصي بعيد من الله بلا كيف" إذن(واقترب) ليس معناه القرب المسافي بل المقصود تقرب إلى الله عز وجل بالطاعة والعبادة.
أخي الحبيب..
* إذا أردت القرب منه سبحانه، وحدك الشوق إليه وأخذك الحنين له.. فاهرع إليه، تذكر (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق: من الآية 19)، وأطل في سجودك له..
* وعندما تذهب بك الدنيا بعيدًا، وتنغمس في مشاغلها وزخرفها، فانفض يديك منها، تذكر (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) وأطل في سجودك له.
* وكلما ضاقت بك السبل، وادلهمت الخطوب، وكثرت المحن، وأردت المخرج منها والخلاص، فالجأ إليه.. تذكر(وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)، وأطل في سجودك له * ومتى ظهرت الفتن، وتشعبت بك الطرق، وأحاطت بك الشكوك وطاردتك الشهوات والشّبَه، فاعتصم بالله، واسجد واقترب..
* في ظلام الليل ووحشته لا وحشة.. وفي نومة القبر ووحدته لا وحدة.. وفي فزع يوم الفزع لا فزع.. وعندما يخاف الناس لا خوف.. ما دمت تسجد وتقترب.
* إذا امتن الله عليك بنعمة من نعمه التي لا تعد ولا تحصى فاسجد واقترب..
أخي الحبيب.. هيا نتناغم مع الكون، فالكون كله يريد أن يقترب... والكون كله ساجد..
وهيا نقرأ بقلوبنا قول ربنا (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ) (الحج: من الآية 18).
يقول القرطبي: هذه رؤية القلب؛ أي ألم تر بقلبك وعقلك، ويقول البغوي: "ألم تر": أي ألم [تقرأ] بقلبك.
أخي الحبيب.. هيا ننضم إلى قافلة عباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)) (الفرقان4)، فإذا كنت منهم (وأنت منهم إن شاء الله) فأنت من أصحاب الغرف الذين قال الله فيهم (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75)) (الفرقان)، وإن غلبتك الدنيا فاغلبها واسجد واقترب، صلي صلاة العابدين الخاشعين المودعين واسجد سجود الطائعين المتذللين فيستجاب الدعاء ويتحقق الرجاء. وإن أصابتك النار بذنوبك فاعلم أن سجودك في الدنيا نجاة لك في الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يخرجوا من يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود" (رواه البخاري).
أخي الحبيب: بقدر سجودك لله بقدر رفعتك عند الله، فالسجود لغيره ذلة واتضاع، والسجود له عزة وارتفاع. وعليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك خطيئة. إذا سجد الإنسان فك سلاسل التقليد من الأعراف والعادات، فخرّ ساجدًا يمرغ جبينه لله تعالى، وأعطى القلب زمامه، وأرسل النفس على سجيتها، فلا حجر على الخشوع، ولا ملامة على الدموع، وقد غلى مرجل الصدر، وفاضت كأس القلب، واشتعلت حرقات الفؤاد، إنها السجدة التي يرتعد لها القلب، وترتعش لها الجبال الراسيات، وتهتز بها الأرض، ويرتعد لها الجبابرة والطغاة.
لقد كان رهبان الليل من سلفنا الصالح، هم فرسان النهار، وهم حملة الراية والمشعل واللواء، وهم الذين كسروا شوكة كسرى، وهرقوا ماء وجه هرقل، وهم الذين انطوت الأرض تحت أقدامهم العارية، وهم الذين نصبوا أعلامهم على شواطئ الأطلسي، وأدغال إفريقيا، وهم الذين داسوا تراب الصين... وهم... وهم...
إن من ينحني لله رب العالمين ساجدًا لا ينحني رأسه لغيره ومن يأبى السجود لله، سيجد نفسه ذليلاً ساجدًا لما هو دونه سبحانه، سبحانك يا إلهي.. نكبر بالخضوع لك ونصغر بغير ذلك.
أخي الحبيب.. ليكن لنا في مواطننا مواضع للسجود نحبها وتحبنا نشتاق إليها وتشتاق إلينا ويا حبذا لو روينا هذه المواضع بدموع المحبين ولهفة قلوب العاشقين، في لحظة القرب هذه سل الله ما شئت فالأمل فيه أنه مجيبك، سل الله رضاه فإن بلغت رضاه فسوف تدهشك عطاياه أسأل الله لي ولإخواني أن نكون من القانتين الراكعين الساجدين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعــين.