يعز على المرء في زمن الفتن والحوادث الكبيرة اختلاطُ الحق عند أهل الحق واختلافهم عليه أو في فهمه، كما يعزُّ عليه قلة السالكين طريق الحق، مع علمه بأنها سنة الله في عباده (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: من الآية 13).
ويعز عليه أيضًا ألا يجد على الحق المعين والنصير مع يقينه بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا.
ويعز عليه أن يشمت في أهل الحق ويتكالب عليهم الحاقدون والمنافقون والمتربصون بهم الدوائر (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ) (الفتح: من الآية 6)، هؤلاء الذين يعز عليهم أن يكون للمؤمنين يوم يفرحون فيه بنصر الله.
ويعز عليه وجود الكثيرين من المضحوك عليهم، ومن المستخفين الطيبين أصحاب القلوب الصافية لكنهم من الأحداث والتاريخ والواقع لا يتعلمون ولا يعتبرون.
ومع كل ذلك أقول: إن للكون ربًّا يدبره بعلمه وحمه وحكمته، وما من شيء يحدث في كونه إلا بعلمه وبمشيئته وقضائه وقدره الذي سبق خلق كل شيء.
وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، وخلق الله كل شيء فقدره تقديرًا، وأحاط الله بكل شيء علمًا، ووسع سبحانه كل شيء رحمةً وعلمًا، والله لطيف بعباده.
هذه من سننه الثابتة المطردة التي تحكم كل شيء، وتحكم على كل شيء، وهي من سننه التي خلت في عباده، وفي أمم قد خلت من قبلنا، وهي التي تحكم العالمين الآن وبعد الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها، ولن تجد لسنته تحويلاً ولن تجد لسنته تبديلاً.
ومن علم ذلك وآمن به لا بد أن يُفرِّق في كلامه وتحليله وقراءته للواقع وللأحداث من حوله بين حديث الترغيب، وحديث الترهيب، وبين حديث السلم وحديث الحرب، وبين حديث العامة وحديث الخاصة.
يؤلمني ويقلقني كثيرًا حديث بعض الطيبين من إخواننا حول أخطاء البعض، وضلالات الآخرين هنا أو هناك، في الوقت الذي يجب أن تتحد فيه الكلمة وأن تتضافر فيه الجهود، وأن يتقي الله كل من ينتقص من أي إنسان يحب الله ويحب الوطن، أو يلمز أو يهمز في أي عامل لله وللحق وللناس وللبلاد والعباد- مهما قلَّ عمله وضعف جهده- ولعله في سبيل ذلك ترك الأهل والمال والولد والمنزل يرجو نصرة الحق، وإصلاح البلاد، وإنقاذ العباد، وهذا المتحدث أو (الهمزة اللمزة)، ربما يجلس بين أهله وماله وولده وبيته منعما مكيفا ثم يطلق للسانه العنان ليشك في هذا ويجرِّح ذلك ويعدِّل آخر دون بينة ولا برهان، والله سيسأله عما يقول ويفعل، والتاريخ لا ينسى، والأيام يداولها الله سبحانه بين الناس.
أكاد أقسم بالله تعالى من باب الظن الحسن- الذي أُمرنا به- بكل من يعمل في الدعوة إلى الله تعالى، وفي سبيل الخير والحق ومنه بناء الأوطان، وتوعية بني الإنسان، وهداية الضال الحيران- أن كلاًّ منهم يريد الحق، ولا غرض له إلى تحريه واتباعه.
ولا يمنعني هذا أن أقرر كذلك من باب فهمي للسنن الإلهية، وطباع البرية أن هناك أناسًا حاقدين جاهلين مغرورين مخادعين يندسون ويمكرون ولا هم لها إلا الفساد والإفساد، وهذه أيضًا من سنن الله في كونه (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (الأنعام: 123).
إن أقل ما يمكننا فعله - لعل الله يغفر لنا تقصيرنا وهفواتنا ومعاصينا التي قد تكون من أسباب تأخير النصر للأمة وللحق- أقل شيء هو القول الطيب والتقريب والسداد، وإظهار الحسنات وستر العورات، وكشف سوءات المنافقين الذين قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر.
ولابد للناس أن يُظهروا الشكر على الأمن والعافية في الوقت الذي نرى ونسمع ما حكى القرآن مثلَه في قوله سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (العنكبوت: من الآية 67).
أقول لكل مخلص محب نقي القلب، واسع الصدر، مثقف الفكر، واع بمجريات الأمور وعواقبها: كفى إخواني ما الأمة فيه من الشقاق، ولنعف ولنصفح، ولنكن على مستوى الحدث، فما تزال معركة البناء والنهضة مستمرة، ولا يزال الصراع بين الحق والباطل طويلاً .
وختامًا: لنكثر من الدعاء بمثل ما أدعو به: اللهم جنبنا قول الزور، وأن نغشى الفجور، وباعد بيننا وبين الكبر والغرور. اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . ونعوذ بك يا ربنا من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء.