في تاريخ الشعوب لحظات فارقة تنسج بأيديها تاج عزها ووقارها، أو تخط بكفها شهادة وفاتها، ومن تلك اللحظات الفارقة في تاريخنا المعاصر ثورة 25 يناير 2011 عندما قامت مصر باستكمال مرحلة فارقة من محاربتها للظلم والفساد والاستبداد؛ وذلك ضمن سلسلة طويلة من مقارعة المحتلين ومناهضة الفاسدين والمستبدين، فقام هذا الجيل بتقديم ثلة طاهرة من الشهداء- إن شاء الله- ليقّوم عوج المسيرة ويصلح فساد الساسة والقادة ويسطر تاريخًا سامقًا بين الأمم.
عندما تمر علينا هذه الذكرى العطرة ذكرى الثائر الحق الذي قام ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد كما قال العلامة الشيخ الشعراوي- رحمه الله- تستوقفني عدة أمور منها: كلفة التغيير، وبوصلة الطريق.
أما عن كلفة التغيير فقد وقعت عيناي على تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزارء بمصر عن حوادث الطرق عام 2010م؛ حيث يذكر التقرير الموجود على موقع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن عدد حوادث الطرق في عام 2010 م بلغ "24780" حادثًا، وعدد القتلى بلغ "4791" قتيلاً وعدد المصابين "49529" مصابًا، وقد بلغت أعداد القتلى في بعض المحافظات في هذا العام أعدادا كبيرة منها محافظة القليوبية- والتي يضعها التقرير على رأس المحافظات التي وقع بها" 698" قتيلاً والبحيرة"473" قتيلاً، والإسكندرية "372" قتيلاً.
والمتأمل في التقرير السابق يرى أن هذه الحوادث وغيرها يقع كثيرًا في عالمنا وهؤلاء القتلى يمضون إلى ربهم في سكون،لا يأبه لهم أحد ولا تسمع لهم ركزًا والله هو حسبهم والعالم بأحوالهم ونياتهم، أما ثلتنا المؤمنة التي خرجت في 25 يناير فيكاد عدد الشهداء منهم لا يقارب خمس القتلى في حوادث الطرق في عام 2010 ورغم هذا فقد غيروا وجه التاريخ وسطروا مجدًا عريقًا، وهنا استحضر كلام الشيخ الكبير محمد الغزالي في كتابه "تأملات في الدين والحياة" تحت عنوان "سياسة الحرية والكفاح...ثمن واحد لبضائع مختلفة" يقول رحمه الله: "إن الشجاعة قد تكلف صاحبها فقدان حياته ٬ فهل الجبن يقي صاحبه شر المهالك؟ كلا.
الذين يموتون في ميادين الحياة وهم يولون الأدبار أضعاف الذين يموتون وهم يقتحمون الأخطار... وللمجد ثمنه الغالي الذي يتطوع الإنسان بدفعه٬ ولكن الهوان لا يعفي صاحبه من ضريبة يدفعها وهو كاره حقير. ومن ثم فالأمة التي تضن ببنيها في ساحة الجهاد تفقدهم أيام السلم.والتي لا تقدم للحرية أبطالاً يقتلون وهم سادة كرام ٬ تقدم للعبودية رجالاً يشنقون وهم سفلة لئام."
أما بوصلة الطريق فلعمري إن هذه الثورة تمشي في طريقها قدمًا لا تلوي على شيء، وإن تعجب فعجب أن ترى هذه الثورة في كل محطة من محطاتتها تكشف عن خبيئة وتفضح منافقًا أو متلونًا، وتبلو أخبار فئام من الناس ظنتهم لأول وهلة الصديق الصدوق فإذا بهم ينقلبون على إرادة الشعب رغبة في مطمع أو كرسي أو رهبة من تضحية واجبة، يا ثورتنا الماضية في طريقها وأنت تكملين عامك الثاني أبشري بكل خير فالله ناصرك ومعينك، هنيئًا للشهداء بما قدموا وأرجو الله لمصرنا العزة والكرامة.
-----------------