حبيبك يبلعلك الزلط وعدوك يتمنالك الغلط ! ورغم أن هذا المثل لا ينطبق على رؤيتي التي أطرحها هنا حول قانون الانتخابات ومباشرة الحقوق السياسية الذي أقرَّه مجلس الشورى مؤخرًا، إلا أنه يؤكد أن التربص بالأفعال والغواية في تفسير الأحداث والتزيد في المواقف ضد أي إجراء يتم اتخاذه من مجلس الشورى الذي يمثل فيه حزب الحرية والعدالة نسبة 44% بعد أن كان قبل التعيينات الأخيرة يمثل 57% هي محور كل معارضة اليوم فقالوا إن الحوار الذي تمَّ، وقدَّم المقترحات للتعديلات التي تمَّ التوافق عليها لم يلتزم بها حزب الحرية والعدالة! رغم أنه تأكد أن المعارضة في المجلس غير المعارضة التي حضرت فلقد تم إلغاء القائمة الاحتياطية بحجة أن الأحزاب الصغيرة لا تستطيع استكمال القائمة الرئيسية فأنَّى لها أن تأتي بأخرى احتياطية ؟!!!
ورغم أن الأمر لا يمثل صعوبة للحرية والعدالة أو النور إلا أنه تم الأخذ برغبة المعارضة في المجلس عكس ما أرادت المعارضة في الحوار الوطني! وجاء التمييز الإيجابي للمرأة في الدستور ووضعها في النصف الأول إلا أن حزب النور وآخرين لا يمكنهم، بل لا يرغبون في هذا التمييز بحجة أن التدرج أولى.
وقد اتفقوا مع أساتذة القانون الدستورى في المجلس على أن نص كهذا مطعون فيه بعدم الدستورية فكان وضعها في القائمة دون التقيد بأي مكانٍ هو رأي الأغلبية، وهنا أتمنى أن يظهر المعدن الحقيقي لأحزاب المعارضة المدنية بكل توجهاتها ومرجعياتها لتثبت قناعتها بوجوب وجود المرأة بشكلٍ يمثل تواجدها في المجتمع بحيث تظهر قوائمهم بأغلبية نسائية في بعض الدوائر، وبعدد أكثر من واحدة في باقي القوائم لاستكمال عجز قوائم الأحزاب المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وحلاًّ لمشكلة عدم الدستورية فهل نرى ذلك فعلاً؟ مع العلم أن المرأة دخلت عالم المشاركة السياسية بقوةٍ في كل انتخابات خاضها الإخوان المسلمين منذ عشرات السنين ترشيحًا وتأييدًا ومشاركةً في الجولات والمؤتمرات الانتخابية بينما اكتفت باقي الأحزاب خاصة الليبرالية بمشاركة نسائية رمزية في أنشطتها السياسية! ثم جاءت الغضبة الثانية للمعارضين من الإصرار على عدم فصل النائب الذي يغير انتمائه الحزبي والإبقاء على عضويته!!
والرد على تلك الغضبة ليس بعيدًا عن العقل والمنطق، خاصةً عندما أثار البعض قدر التشابه في ذلك بين حزب الحرية والعدالة والحزب الوطني المنحل! فليس يخفى على أحد أن الحزب الوطني الذي ساءت سمعته، وقد أدرك ذلك وحرم الكثيرين من أعضائه من الترشح لاعتبارات فساد من رشوةٍ أو تمويل أو تصفية حسابات قد سمح بنزول هؤلاء مستقلين حتى قالوا عن أنفسهم إنهم مستقلون على مبادئ الوطني! ولما نجحوا عادوا إلى بيتهم الحقيقى تحت ضغوط الترهيب والترغيب لقضاء مصالح ناخبيهم! أما الأحزاب التي تشكلت مؤخرًا بعد الثورة وتبذل جهدًا جهيدًا لاستكمال قوائمها من غير رجالها الذين لا ينتمون لها بقوةٍ بل مصالح متلاقية!
يخافون من هؤلاء النواب الترانزيت حين يفكرون في انتمائتهم الحقيقية وتتأكد الخلافات بينهم وبين الأحزاب التي ترشحوا على قوائمها، وهنا تظهر الرغبة في التحول إلى أحزاب أخرى، لكن يقينًا ليس منها الحرية والعدالة أو أيًّا من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية!! فالحديث على أن المتحولين سيذهبون إلى الحرية والعدالة، كما كانوا يذهبون إلى الوطني المنحل هو نوعٌ من التدليس والكذب لاختلاف الأصل والصورة فلا هم أصحاب توجه إسلامي، وإلا لن ترشحهم الأحزاب الغاضبة من هذه المادة!! ولا هم سيذهبون للأقلية كما تشيع تلك الأحزاب من انفضاض الناخبين عن الحرية والعدالة بعد أن انكشف عجزهم وقصور أدائهم! مما يعني أن هؤلاء المتحولين سيذهبون للأكثرية وقتها التي تشكل الحكومة من تيارات مختلفة بعيدًا عن الإسلاميين!!
هذا التناقض الذي وقعوا فيه هو السبب الحقيقي لاعتراض الأحزاب التي لم يشارك أغلبها في الحوار، واليوم الحزن يخيم عليهم لأن الحرية والعدالة لم يلتزم بما لم يتوافقوا هم عليه!! ولله في خلقه شئون! باختصار المطلوب من المعارضين على طول الخط أولاً أن يرشحوا المرأة على قوائمهم وعلى المقاعد الفردية بكثافةٍ تعوض تخلف الإسلاميين، ثانيًا أن يحسنوا اختيار مرشحيهم ويتمكنوا منهم ومن ولاءاتهم ويتثبتوا من إخلاصهم وقناعتهم ببرامجهم وإلا فلا يلومون إلا أنفسهم لو العقد مع هؤلاء المرشحين انتهى بدخولهم البرلمان ولم يجدوا لدى تلك الأحزاب ما يستحق حبًّا لله وللوطن فتحولوا وهذا حق يحميه الدستور!!
الحكومة والمعارضة و25 يناير
لاشك أن روح التحريض وإثارة الشغب وإحياء الموتى والنفخ في الأزمات وتضخيم الحوادث الذي يسيطر على أغلب الإعلام المرئي والمقروء في الأيام العشر الأخيرة مع إخفاقات الحكومة في الضبط والربط لإنهاء حالة الانفلات وتجفيف منابع البلطجة التي هي السلاح الأهم في إثارة الفوضى في البلاد والعجز عن تفعيل دور المراقبة والمحاسبة على الأداء الحكومي الخدمي وتجار المواد الغذائية الأساسية كل ذلك مسئول عن إشاعة حالة الخوف من يوم الذكرى الثانية للثورة الشعبية المصرية العظيمة ورغم كل هذه المقدمات والمحاولات التي تجري في الشارع المصري بفعل حكومة لا تجيد اتخاذ القرارات الصائبة في الوقت المناسب ومعارضة تجيد الكيد السياسي والتربص والتشهير الإعلامي إلا أن ما يغمرني هو الاطمئنان من عدم حدوث أي أحداث سلبية بل أتوقع حالة من المراجعة سوف تنتاب كل الفصائل الوطنية.
وهنا أعيد الوطنية التي تحب مصر والمصريين ولن تغامر مع لدد الخصومة إلى إثارة فوضى تساعد على تأخير خروج مصر من مرحلتها الانتقالية وانفراج محنتها الاقتصادية! سيتبعها إن شاء الله عودة للأمن بشكل أكثر تفاعلاً وتغييرات هيكلية لتعيد وضع الإنسان المصري في بؤرة الاهتمام الحكومي تركيزًا على الفئات الأكثر احتياجًا من العمال والفلاحين والشباب العاطل والحرفيين والفئات التي ظلمت في العهد البائد في كل قطاعات الدولة، وأتوقع بل أتمنى مصارحة حكومية للشعب بالواقع واعترافًا بالمشاكل ووضع جدول زمني لانهائها حتى لو طال الوقت لكن يبقى الالتزام بذلك مخرجًا من مسلسل الفوضى الذي يُركِّز عليه البعض ومدخلاً للاستقرار وإظهارًا لقوة الدولة وهيبتها أمام مظاهر التعدي على الآخرين وقطع الطرق وتعطيل المؤسسات عن العمل وترويع المصريين في كل مكان!
وستبقى ذكرى الثورة سنويًّا عاملاً مساعدًا لمراجعة ما تم إنجازه كل عام في وجود المصريين كلهم بمختلف أفكارهم وتقويم الأداء والخروج بما يجب أن يتم في العام القادم على ضوء أهداف الثورة بعيدًا عن السباب والتحريض والرغبة في إسقاط النظام الذي جاء بإرادة شعبية حقيقة، ولنتيقن أن بعد الإجماع على اللجوء إلى صندوق الانتخاب كآلية شفافة ونزيهه لتداول السلطة لن يسقط نظام كما سقط مبارك! والإصرار على ذلك غباء سياسي بل خيانة لدماء الشهداء ودعوى لاستمرار الفوضى!!
حمى الله مصر وشعبها من كل سوء وأحاط المكر السيء بأهله!
-------------
أستاذ جامعي ونائب الشعب