جمعني الليلة لقاء بقدر الله على غير موعد بأخوين كريمين من الإسكندرية، الأستاذ أسامة جادو والأستاذ أبو بكر عبد الغفار، وبحكم أنني من دمياط تذاكرنا معًا الأخ الكريم المهندس أكرم زهيري رحمه الله، الذي حضرت جنازته بدمياط في ١٨ شهر يونيو ٢٠٠٤.
كانت المفاجأة أن الأستاذ أبو بكر كان ملازمًا له في فترة الاعتقال التي قتل فيها المهندس أكرم الزهيري؛ حيث كانا محبوسين في زنزانة واحدة، فكانت فرصه ثمينة لأستمع من شاهد عيان ظروف وملابسات استشهاد الأخ المهندس أكرم، فحكى لي الأخ أبو بكر ما أسطره الآن:
تم القبض علينا أنا ومجموعة من الإخوان يصل عددهم لحوالي ٥٧ أخًا من عدة محافظات، حبسنا بسجن مزرعة طرة في ظروف عصيبة؛ حيث يتم إغلاق الزنازين علينا طول الليل والنهار فلا تفتح إلا إذا كان فيه توريدة (أي معتقلين جدد) أو أخذوا منا عددًا من الإخوة للذهاب بهم لجهاز أمن الدولة بمدينة نصر للاستجواب والتعذيب.
تم ترحيلنا لنيابة أمن الدولة للعرض والتحقيق وتجديد الحبس، كنا جميعًا حريصين على إنكار انتمائنا للإخوان المسلمين لعلمنا أن من يقر أنه من الإخوان فلا بد أن يستتبعها تحقيق بمقر أمن الدولة بمدينة نصر مصحوب بوصلات من التعذيب؛ لكي تعطي لهم معلومات عن أسرتك وأعضائها ومسئولك والنشاط الذي تعمل به ومن يشاركك العمل.
وبعد تجديد الحبس والعودة إلى محبسنا بطرة، وفي الزنزانة جلسنا نتسامر ويحكي كلٌّ منا ما حدث معه أثناء تحقيق النيابة.
وكانت المفاجأة لنا ما حكاه المهندس أكرم رحمه الله؛ حيث أخبرنا أنه قال لوكيل النيابة في التحقيق أنه ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وأنه محبوس ظلمًا وعدوانًا، وأن حسني مبارك طاغية وظالم، جميعنا لام المهندس أكرم على ما قاله، فأخبرنا أنه سيعود للتحقيق معه في الغد مرةً ثانيةً بالنيابة.
وأضاف الأستاذ أبو بكر قائلاً: كان الأخ المهندس أكرم يعاني من مرض السكر، ولما تم القبض عليه اصطحب معه عددًا من زجاجات الأنسولين، وحيث لا توجد وسيلة لحفظ الدواء (فوسيلة حفظ الأنسولين هي وضعه بثلاجة) كنا نضعه في شباك الزنزانة؛ حيث بعض الهواء ودرجة الحرارة منخفضة بعض الشيء؛ حيث إننا كنا في الصيف والحر شديد داخل الزنزانة، ففسد الأنسولين وارتفعت نسبة السكر فكانت المعاناة الشديدة والإصابة بنوبات اختناق رحمه الله.
وفي الصباح اصطحبوه للترحيل للنيابة فكان هذا المشهد الذي حكاه لنا بعد عودته من النيابة في المساء محمولاً على نقالة والدموع تذرف من عينيه، قال رحمه الله:
لما اقتادوني مكبلاً بالكلابشات وذهبوا بي خارج السجن؛ حيث سيارة الترحيل، فإذا بعيني تقع على زوجتي التي جاءت لزيارتي بالسجن هي وابني ومحبوبتي ابنتي هدى، فتمنيت أن أسلم عليهم وأحتضن هدى وأقبلها، ولكن السجانين حالوا بيني وبين ذلك، وقذفوا بي داخل سيارة الترحيلات التي لا تصلح إلا لنقل الحيوانات، بل حينئذ قد يتعرض النظام للمساءلة من جمعيات الرفق بالحيوان، وتم اقتيادي للنيابة، ثم التحقيق ثم ركوب سيارة الترحيل مرة أخرى؛ حيث رحلة العودة للمحبس بطرة.
وبعد تحرك السيارة وأنا أركب وحيدًا فإذ بالسيارة تسرع الحركة وتهتز يمنة ويسرة وكأن السائق متعمد ذلك فتخبطت يمنةً ويسرةً حتى سقطت على أرض السيارة فكسرت عظمة الفخذ.
لما عادوا به إلى الزنزانة محمولاً على أكتاف الجنود، ظلت فخذه تتورم شيئًا فشيئًا والآلام تزداد لدرجة كبيرة ومع ارتفاع نسبة السكر ساءت حالته الصحية، ظللنا نطرق على باب الزنزانة مستغيثين نريد طبيبًا دون جدوى، ولما علا صوتنا وازداد الطرق على جدران وأبواب الزنازين استجابوا لنا، وحضر الطبيب فدخل ووضع يده على قدمه قائلاً: بسيطة وخرج ليكتب أنه لا يعاني من شيء وأنه متمارض.
وفي صباح أحد الأيام أخبره أحد الإخوة أنه رأى رؤيا وهو معه وذهبوا لمعاينة شقة لتأجيرها لهما فإذا بي لا تعجبني الشقة؛ لأنها على الطوب الأحمر فقال له المهندس أكرم إنها الآخرة، وهذا قبري فرددت عليه وقلت له كيف تقول ذلك أخي أكرم؟ "دا انته ممكن ياخدوك المستشفى وهناك هاتشوف ناس وتاكل أكل كويس"، فرد عليَّ قائلاً: لا إنها الآخرة، وساءت حالته الصحية؛ حيث يزداد تورم الفخذ والقدم وبدأت نوبات السكر، فأحدثنا هرجًا ومرجًا فاضطرت إدارة السجن لإحضار سيارة إسعاف لتنقله لمستشفى قصر العيني.
وعلمنا بعد ذلك أنه بمجرد وصوله لمستشفى قصر العيني وتوقيع الكشف الطبي عليه فارق الحياة ولقي ربه الذي لا يغفل ولا ينام في ١٧ يونيو ٢٠٠٤، مات بعد حرمانه من إلقاء السلام على زوجته وأولاده، مات بعد حرمانه من تقبيل هدى! هدى التي حضرت لمسجد القائد إبراهيم لتحدث محبيه عن أبيها حبيبها فإذ بها تفاجئ الحضور قائلة: لقد كانت السيدة فاطمة الزهراء أول أهل النبي صلى الله عليه وسلم لحوقًا به بعد وفاته، وأسأل الله أن يجعلني أول من يلحق بأبي من أهله، وكان لها ما تمنت على ربها وبعدها بأشهر قلائل وأثناء عبورها الطريق صدمتها سيارة مسرعة فلحقت بأبيها، صعدت روحها تشكي ظلم العباد ليكون دمها ودم أبيها لعنة على الظالمين.
أخي القارئ.. أرى دمعات تترقرق في مقلتيك، هون عليك أخي الحبيب فهذه الدمعات رحمة الله التي أودعها في قلوب الناس والمؤمنين منهم خاصة، هون عليك أخي الحبيب فثقتنا في عدل الله تقول إن هذه الأسرة سيجمع شملها في جنة الله، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وكانت هذه صفحة من آلاف الصفحات التي سطرها الإخوان المسلمون بدمائهم لمقاومة الظلم والقهر والاستبداد والطغيان، صفحة كانت إحدى إرهاصات ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.