(1) استهلال: ثورة من العمق!
كان افتتاح الدكتور محمد حافظ دياب كتابه(انتفاضات أم ثورات في تاريخ مصر الحديث)بالمقطوعة الشعرية لابن عروس التي يقول فيها:
" ولابد من يوم معلوم
ترتد فيه المظالم
أبيض على كل مظلوم
أسود على كل ظالم"
نقطة دالة ومهمة في سياق الانتصاف للشخصية المصرية التي طالما وصمت بما لا يحصى من اتهامات من الحقل الدلالي المعنون بالسلبية والاستكانة وقبول المهانة.
وهو افتتاح دال كذلك في سياق البحث عن جذور ثورة 25 يناير سنة2011م وسؤال الجذور سؤال في غاية الأهمية هنا لفهم ما جرى، والفهم المتوقع، ولتدبير ما يمكن أن يكون، والاحتياط لمأزق المرحلة التي نعيشها اليوم.
المهم في هذا البدء هو دعوة القارئ الكريم إلى الإتقان، على أن ثورة 25 يناير ليست حدثًا استثنائيًّا في تاريخ المصريين المعاصرين، أو غير المعاصرين.
وفكرة نفي الاستثناء في تقدير الثورة أمر مهم جدًا يسهم في فهم أعماق الوجدان والعقل المصريين، وهو الأمر الذي ينبغي استثماره في ميادين متشعبة اجتماعيًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا وتعليميًّا... إلخ.
(2) الكتاب: مادته وبناؤه، وانتماؤه المعرفي، وأهميته.
نحن أمام كتاب يمثل مرجعًا مهمًا لمن يروم الفحص العلمي لثورة 25 يناير، لأنه وهو يراجع موقف المصريين المرتبط دائمًا بالحركة الوطنية من المظالم الاجتماعية يضع أيدينا على ما به تكون الثورة ثورة ؛ أي عندما يكون التغيير أساسًا وجذريًّا في المجتمع يطول أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية جميعًا، أي عندما يكون التغيير المصاحب لها تغييرًا يطيح بنظام قديم عريق في الإخفاق والرسوب في تحقيق مطالب المجتمع، وتحل محله نظامًا جديدًا يعي مطالب المجتمع، وتحقيق مناخ جديد وصحي.
والكتاب يضم تسعة فصول يتقدمها مقدمتان، ويعقبها خاتمة عن مستقبل الحركة الوطنية، كما يلي:
1-مصر وأطياف الثورة.
2- مقاومة الغزو االفرنسي (1798-1801م).
3- ملحمة رشيد (1807م).
4-الجهادية والوطنيون(1881م).
5-ثورة كل المصريين (1919م).
6- انتفاضة الطلبة(1935م).
7- انتفاضة العمال والطلبة(1946م).
8- الثورة المجهضة(1952م).
9- هبة الجياع(1977م).
والكتاب ينتمي إلى حقلين معرفيين ظاهرين يختلطان اختلاطًا عجيبًا ومثمرًا فهو موزع على ما يلي:
أولاً- الانتماء لحقل التاريخ؛ أي أنه بما يرصده من أحداث تاريخية، ويقف أمام حقائقها فهو كتاب تاريخ، وهو ما رشحه لأن يصدر عن سلسلة التاريخ، الجانب الآخر إعادة قراءة التاريخ المصري التي تصدرها دار الشروق، بالقاهرة.
ثانيًا- الانتماء لحقل علم الاجتماع، وهو انتماء جاء إلى الكتاب من عدة موارد أظهرها:
أ- تخصص المؤلف العلمي الدقيق، بما هو أستاذ من أشهر علماء الاجتماع.
ب- النطاق التحليلي للمادة التاريخية التي تغوص في أعماق المجتمع المصري بغرض الكشف عما يسكن بنيته النفسية والاجتماعية والثقافية التي تحمله على الانتفاضة والهبة والتمرد والثورة.
ج- الأدوات والإجراءات البحثية المستعملة في الكتاب، بحيث تلمس عناية بالأدوات والإجراءات التي يكثر استعمالها من علماء الاجتماع.
والكتاب يستمد أهميته الكبيرة من مجموع العلامات التالية:
أولاً- من الحقبة الزمنية التي خرج فيها على الناس، يتعاطي مع قضية التغيير نحو الأفضل، وأشكال هذه التغيير، تحقيقا للتفهيم، وترشيدا باسم الثقافة لحركة المستقبل، حيث تزامن صدوره مع قيام المصريين تواجده من ثوراته العظيمة.
ثانيا- قضية الكتاب المهمة التي تحلل فارق ما بين أشكال التحرك إلى الإصلاح الشامل.
ثالثا- قلة الكتابات إلى درجة مخيفة في موضوعه، بحيث لا نكاد نقف على مرجع يحلل ويقارن ويفصل بين أنواع التحرك نحو التغيير واقع حياة الناس من الظلم والفساد إلى النور والخير.
رابعا- استثمار المعارف المختلفة ( تاريخية واجتماعية ولغوية وأدبية وفلولكورية إلخ) لتحليل القضية المطروحة.
خامسا- موقع المؤلف على خريطة البحث الاجتماعى.
(3) المعجم قبل العلم فارق ما بين الثورة وغيرها!
يدخل المؤلف إلى فحص قضية كتابه من مدخل منطقي ومتوقع ولازم وهو ارتباط أفق المعجم بما هو شئ يؤسس للمفاهيم.
وفي هذا السياق يتضح لنا:
أولا- أن الثورة في الأصل مصطلح فلكى، يعني الحركة الاعتيادية الدائرية المتكررة للنجوم، ثم استعملت الكلمة لأول مرة في المعجمية الإنجليزية 1660م بعد عودة سلطة الملكية، لتعني إعادة السلطة، ثم تطور لتستقر حول معني الحركة التي تستهدف تغييرا اجتماعيا عنيفا شديدا، نمطها الأشهر هو الثورة الفرنسية.
ثانيا- وأن الانقلاب : عملية منظمة لقلب نظام الحكم بالقوة لاستبدال سلطة بأخري وهو ما يعني أنه يستهدف إعادة توزيع السلطة السياسية وتغيير قادتها، ويقوم به في العادة فصيل من المؤسسة العسكرية.
ثالثا- وأن الانتفاضة : شكل جنيني للثورة يعتمد على القوة الجماهيرية حين تتفاقم معاناتها وتصل إلى درجة لا يمكن تحملها أو تقبلها، وهدفها التأثير على السياسات الحكومية ،ويري المؤلف أن مفهوم الانتفاضة أقرب ما تكون إلى ما يسمي بالثورات الملونة التي استهدف الاحتجاج السلمي ضد الحكومات في طريق تكريس الديمقراطية والاستقلال الوطني والقضاء على الفساد والاستبداد.
رابعا- وأن التمرد: عملية جماعية تقوم على الاحتجاج والعصيان، وتعتمد الإضراب والاعتصام والتظاهر، والعفوية.
خامسا- والفتنة : تعبير عن الاختلاف والصراع الديني أو المذهبى، قد يصل إلى الحرب والتنازع الطائفى، بما يهدد وحدة الجماعة، ويخاصم الديمقراطية القائمة على التعايش.
سادسا- والهبة: ممارسة عفوية ضد الظلم، وتسمي أحيانا باسم الشكل القديم للثورة، وهي مرتبطة في الغرب بتدهور ظروف العمل.
ومن هذا يتضح لنا أن ثورة 25 يناير، ثورة بمعني الاصطلاحي مقارن على إنجاحها مجموعة من الممارسات التي سبقتها من تمرد وهبة وانتفاضة، لكن المهم جدا أن تتأكد في الذهن أن ثورة 25 يناير ليست انقلابا و لا فتنة بأي حال، وذلك بموجب من شاهدناه من التعايش المدهش بين نسيج المجتمع المصري على تنوعه الديني الخصب والاجتماعي على أرض الميادين الثورية.
ومن جانب آخر فإن النظر إلى ثورة 25 يناير هي محصلة تراكم حصلته القوي الوطنية على امتداد التاريخ المعاصر في تقلبها المتنوع تاريخيا من ولاية عثمانية إلى الغزو الفرنسي ،وولاية خديوية أمام إسماعيل ومحمية مع اندلاع ثورة 1919م وملكية حتى 1952م وجمهورية فيما بعدها، وهو ما شكل خبرات متراكمة لفكر الحركة الوطنية مع تعد تعبير المؤلف الذي يقول(ص26) :" وهذ الاختلاف في المعطيات التاريخية والسياسية جعل فكرة الحركة الوطنية تكتسب خبرات متراكمة".
(4) مصر في مواجهة الاحتلال والطغيان
إن قراءة الكتاب الذي بين أيدينا في استعراضه لما أنجزه المصريون في مواجهة الاحتلال، وأشكال الطغيان والظلم والفساد وتشعرنا بأن مصر كيان حر نابض وهو ما تؤكده الدكتورة لطيفة محمد سالم في تقديمها للكتاب حيث تقول:" إن مصر عبر عصورها التاريخية عرفت أنواعا من الثورات أخذت أشكالا متعددة ... للتعبير عما يجيش بالصدور من ضيق ومعاناة والآم"
وتبدو هذه الأنواع المختلفة من طلب التغيير و التحرك الإيجابي ضد أشكال القهر الذي يرهق كاهل المواطنين دليلا على حيوية المجتمع المصري بسبب من حيوية المخزون الحضاري و الثقافي الذي يسكن الشخصية المصرية .
وفيما يلي وقوع أمام كلمات السر في هذه الأنواع من أشكال الحركة ضد ما يؤذي التركيبة الاجتماعية الوطنية .
أولا- المقاومة كلمة السر في مواجهة المحتل الغازى.
يلح المؤلف على أن مقاومة الغزوة الفرنسية كانت شاملة غير محصورة في القاهرة، فيقول:" وثم تصور خاطئ يقصر مقاومة الحملة الفرنسية على انتفاضتي القاهرة عامي 1798م/ 18002" ويقرر أن الثابت أن المقاومة بدأت بقدوم الحملة إلى الإسكندرية، لتشمل مصر كلها من الإسكندرية إلى النوبة، حتى رفدتها قوي عربية جاءتها من الحجاز والمغرب، ودعمها مد ديني من الأزهر ( بطلابه/ومجاوريه/ وشيوخه) وكانت المقاومة حالة عامة شعبية سكنت الوجدان الشعبي وتغني بها وظهرت في فنون الشعب!
ثانيا- مرة أخري ضد الإنجليز في رشيد 1807م
ومرة أخري يبدي الوعي الشعبي المتجذر الرافض لأي احتلال، وهو ما ظهر من مقاومة أهل رشيد لمحاولة الإنجليز الانتقام لهزيمة حملة فريزر، وتنامي تأثير القوي الشعبية، وتنامي علامات صلابتها يقول المؤلف:" إن مقاومة هذه الحملة يعود في الأساس إلى صلابة الحركة الوطنية المصرية واستعدادها للنضال مع وجود زعامة واعية تمثلت في عمر مكرم".
ثالثا- ثورة 1919م بدايات مزدهرة
وفي سياق ممتد أظهرت ثورة 1919م عضوية الربط بين النضال الوطني للحصول على الاستقلال، والنضال الديمقراطي من أجل الدستور من خلال قواعد شعبية ناشطة من خلال تأمين تنظيمي مؤسس، فضلا عن ترسيخ وحدة عنصري الأمة ( الهلال والصليب) والإعلان عن اهتمام المرأة بالعمل العام والسياسى.
رابعا- الشباب يفجر حركة التغير
وعلي امتداد طويل يبدو الشباب فاعلا وهو ما ظهر في انتفاضة الطلبة سنة 1935م ثم 1946م، وهو ملمح مهم جدا على طريق تقدير إسهام الشباب في \دعم مقدمات ثورة 25 يناير، وتفجير الفعل الثوري على أرض الميادين، مواجهة الآلة الباطشة للنظام السابق بمهارة وشجاعة وابتكار.
وقد كان الشباب أكثر الفئات ظهورا على سطح الأحداث التمهيدية السابقة لثورة 25 يناير، وهو ما ورط عددا من المحللين في أن يقرر أن ثورة 25 يناير ثورة شباب، وهي حقيقة مقبولة على التجوز والتسامح، بما هم إحصائيا وفعليا أكثر من دعم الثورة وغذاها.
وهؤلاء الشباب يمثلون مصر كلها، ويمثلون أطياف التنوع الثقافي والاجتماعي جميعا.
(5) ماذا تريد مصر ؟ رهانات المستقبل
وفي رحلة البحث عن المستقبل يبدو الملمح قائما يتبلور حول ما تريده مصر وتسعي إليه، والاعتقاد الصحيح مع إمكان التباحث حول ترتيب هذه المرادات هو أن مصر تسعي ما يلى:
أولا- تحرير القرار، واستكمال مسيرة الاستقلال الوطنى.
ثانيا- تكريس الديمقراطية، وتخليصها من ملامح أزمتها الغربية، وإكسابها روحا مصرية منتمية.
ثالثا- توحيد الأمة ودعم محددات الانسجام بين عناصر الأمة.
رابعا- تحقيق العدالة الاجتماعية.
كان الكتاب متفائلا عندما قرر أن ثمة احتمالا قائما يدور حول احتمال خروج الحركة الوطنية من مأزمها.
إن الكتاب يقرر في رحلة البحث عن مسارات للمستقبل أن المطلوب هو ألا نرقع الثوب ويستعير من الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر أن المهم هو أن نستبدل الجسد.
وهو ما يعني أن على من يلبسون ثياب المعارضة أن يتنبهوا إلى أن السياق المعاصر الآن سياق شرعية تقوم برعاية حقوق الشعب المصرى، وتنتمي إلى ثقافته الأصيلة.
كلية الآداب/ جامعة المنوفية.