ما وقعت فيه "المصري اليوم" على لسان خالد السرجاني من اتهام الصحف القومية ورؤساء تحريرها مرتين في الثاني من يناير بعنوان (أخونة الصحف القومية) وفي منتصف يناير بعنوان (كيف تكون رئيس تحرير مرضي عنك من الإخوان) ليس إلا إفلاسًا صحفيًّا ونوازع حقد شخصية وخروجًا على حق الزمالة الصحفية وممارسة نوع من الإرهاب الفكري والضغوط المهنية على رؤساء تحرير الصحف القومية تستهدف العودة إلى إقصاء التيار الإسلامي ومحاولة تشويهه كما كان يفعل رؤساء تحرير مبارك ومشروع التوريث ولجنة السياسات بالوطني المنحل قبل ثورة 25 يناير.

 

إن الكتابة النقدية لها أصولها التي تقوم على تقييم عمل الصحف القومية وأداء رؤساء تحريرها الجدد فتكشف عن التطورات المهنية التي لحقت بها شكلاً ومضمونًا وكذلك الإخفاقات التي وقعت فيها دون تجريح، وليس مجرد انطباعات وأوهام وظنون شخصية وانتقاء مُتعمد لشخصية عزت بدوي رئيس تحرير مجلة المصور وحوارها مع قادة الجماعة الإسلامية وذراعها السياسية البناء والتنمية رغم أن الحوار كان سبقًا مهنيًّا في الصحافة المصرية لأسرار التحالفات الانتخابية والدوافع الحقيقية لنبذ العنف وخفايا التنظيمات الجهادية بسيناء ودوافع تشكيل الجناح العسكري للجماعة وتفكيكه، الأمر الذي أثار حقد "المصري اليوم" فلم تر في الحوار إلاّ صورة قادة الجماعة على غلاف المصور دون قراءة التفاصيل واعتبرتها أخونة للدولة رغم ما أكدته الجماعة الإسلامية بالحوار ذاته من استقلاليتها فكريًّا وانتخابيًّا وسياسيًّا عن الإخوان ومعارضتها لهم في كثير من المواقف.

 

إن هناك أكثر من 50 رئيس تحرير لإصدارات الصحافة القومية لم يخص السرجاني منهم بالاسم إلاّ عزت بدوي، كما أن "الأهرام" كبرى الصحف القومية وأعرقها والتي ينتمي إليها السرجاني رسميًّا حاورت قادة الجماعة الإسلامية على حلقتين بصفحة كاملة لكل حلقة مع إشارة كبيرة بالصفحة الأولى ولم نسمع من السرجاني تعليقًا، وأكد حارص أن حوار المصور بالذات مع قادة الجماعة الإسلامية قد تأخر كثيرًا لأن الجماعة الصحفية تعلم أن مثل هذه الحوارات انطلقت من المصور على يد مكرم محمد أحمد الذي اهتم بها إلى درجة اتهامه وقتها بتحسين صورة الجماعة، أما الآن وقد سجلت الجماعة قيمة نادرة في تاريخ الحركات الإسلامية بمراجعة فكرها وإنكارها لذاتها وإعلائها لمصلحة الوطن وخروجها من سباق تقسيم الغنائم ومبادراتها المعروفة بلم الشمل المصري وتحول خطابها من الخلافة الإسلامية إلى الدولة المصرية فلا يستحق هذا كله عند السرجاني محاورة المصور لقادتها!!

 

ولذا فإن اتهام السرجاني لعزت بدوي بعدم المهنية لأخونة المصور وحواره مع قادة الجماعة الإسلامية هو نوع من الإفك الصحفي وتطفل غير مقبول في سياسة تحريرية أكثر احترامًا من سياسة صحيفته التي يعمل فيها متأثرًا بضخامة المبلغ الذي يتقاضاه منها وعاكسًا حالة مرضية لظاهرة الانتماء المزدوج التي يعانيها محررون بالصحف القومية ويعملون في الوقت نفسه بالصحف الخاصة باعتبار أن السرجاني حالة من هذه الظاهرة.

 

وأقول بوصفي مشاركًا في حوار المصور مع قادة الجماعة الإسلامية إن مراجعتي لمقالات عزت بدوي تكشف عن كاتب يعلم الكثير عن أصول المهنة وأخلاقياتها ومواثيق شرفها وأنه يستخدم ذلك في تقييم ما يجري على الساحة السياسية والإعلامية وأن مقالاته تخلو من المديح لأي طرف وتتسم جميعها بالطابع النقدي الذي لم يدافع مطلقًا عن فصيل بعينه ولكنه ناقد لكل القوى والتيارات وداع إلى الوحدة والتآلف، والدفاع عن المهنة أمام مجلس الشورى الإخواني ذاته، ولم يتورط باعتباره طرفًا في صراع سياسي ويختار مفرداته بدقة وأدب، ولا يمكن لأي محلل علمي لمقالات عزت بدوي أن يتوصل إلاّ لوطنيته ونقده البناء واحترامه لزملائه ودرايته بأدبيات الكتابة والحوار التي افتقدها السرجاني وصحيفته التي يسترزق منها.

 

إن التقارير العلمية العربية والأجنبية تتحدث الآن عن سقوط ذريع لمعظم الفضائيات والصحافة الخاصة في مستنقع السياسة المليء بالأكاذيب والشائعات والتعصب والتحيز وإثارة الفتن والنعرات الفئوية والحزبية بينما تحقق الصحافة القومية مزيدًا من التقدم باتجاه التوازن والتعددية الصحفية وتهدئة الأوضاع والحفاظ على قومية صحفها التي أغضبت السرجاني وجعلته يتهمها بالميل إلى الأخونة في تعصب أعماه عن ضرورة تمثيل الصحف القومية لكل التيارات واستيعابها لكل الاتجاهات بالمجتمع، ولا شك أن التيار الإسلامي يمثل أغلبية هذا المجتمع كما كشفت عنه كل الانتخابات والاستطلاعات النزيهة وفي قلب هذا التيار يأتي الإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية بتاريخهم الوطني وجهادهم المشرف للمستعمر والمستبد.

 

وأخيرًا.. فإن هذا اللون من الكتابة التي تضغط باتجاه تراجع رؤساء تحرير الصحف القومية عن التعامل مع الإسلاميين بوصفهم تيارًا أصيلاً في المجتمع المصري كان محرومًا من التعبير عن وجهات نظره في زمن المخلوع يتنافى مع أبسط مقتضيات حرية الصحافة التي يشترك السرجاني في هيئات وجمعيات تدافع عنها، وتعكس على الأقل شبهة مجاملة وتصفية حسابات لصالح الأخوين في التوجه: ياسر رزق المخلوع من الأخبار إلى المصري اليوم، وحمدي رزق المخلوع من المصور إلى النقمة على نجاحات عزت بدوي.

---------

* أستاذ الصحافة ورئيس وحدة بحوث الرأي العام بجامعة سوهاج.