مع نسمات ربيع الأول وذكرى ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم نستلهم العبر والدروس من سيرته العطرة، لتنير لنا الطريق وتهدينا لسواء السبيل ، ونقف اليوم أمام ميزة كبرى وجانب مضيء من سيرته المباركة، والتي اتخذ منها الإمام الشهيد حسن البنا شعارًا لدعوة الإخوان المسلمين، وهتافًا من هتافاتهم التي تلهج بها ألسنتُهم وقلوبُهم وأعمالُهم: (الرسول قدوتنا) قولاً وفعلاً وتطبيقًا، وهكذا نسعى جاهدين لنقتدي به.
إن وجود القدوة الحسنة في حياة الأمم والشعوب والدعوات ضرورة حتمية، ليُقتدَى بها وتُكتسب منها المعالم الإيجابية في الحياة، لذلك جعل الله سبحانه تعالى الرسولَ صلى الله عليه وسلم قدوةً ونموذجًا يجسِّد الدين الذي أُرِسَل به، حتى يعيش الناس مع هذا الدين ورسوله واقعًا حقيقيًّا بعيدًا عن الأفكار المجردة، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام خيرَ قدوة للأمة في تطبيق هذا الدين، ليكون منارًا لها إلى يوم القيامة، لذا وجب على كل مسلم الاقتداء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم; فالاقتداء أساس الاهتداء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوةً كاملةً في جميع جوانب سيرته، إيمانيًّا وعباديًّا وخلقًا وسلوكًا وتعاملاً مع غيره، وفي جميع أحواله. وكانت سيرته مثاليةً للتطبيق على أرض الواقع، ومؤثرةً في النفوس البشرية؛ فقد اجتمعت فيها صفات الكمال وإيحاءات التأثير البشري، واقترن فيها القول بالعمل، ولا ريب أن القدوة العملية أقوى تأثيرًا في النفوس من الاقتصار على الإيحاء النظري؛ لهذا أرسل الله تعالى الرسل ليخالطهم الناسُ ويقتدوا بهداهم ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِه﴾ (الأنعام).
فهم الشعار
إن المصطفى الكريم هو إمام الدعاة، وهو القدوة والأسوة والمعلم والمربي الحكيم؛ الذي أمر الله تبارك وتعالى باقتفاء نهجه، وأن نقتدي به في عبادتنا ودعوتنا وخلقنا وسلوكنا ومعاملاتنا وجميع أمور حياتنا، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف).
وهكذا يجب فهم شعار وهتاف "الرسول قدوتنا" كمنهاج حياة؛ فمنهج الإسلام يحتاج إلى بشر يحمله ويترجمه بسلوكه وتصرفاته، فيحوِّله إلى واقع عملي محسوس وملموس، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم الصورة الكاملة للمنهج، لنقتدي به في عبادتنا ودعوتنا وخلقنا وسلوكنا ومعاملاتنا وجميع أمور حياتنا.
وهكذا ينبغي أن نتعامل مع هذا الشعار "الرسول قدوتنا" كمشروع للتطبيق العملي علينا قبل غيرنا، اقتداءً به صلى الله عليه وسلم في جميع مناحي حياتنا، وما المناهج والبرامج العملية والأنشطة والفعاليات المختلفة إلا لتحقيق هذا المشروع عمليًّا، وتحويله لواقع ملموس يُرى أثره علملياً سلوكًا وتطبيقًا. لذا وجب الاقتداء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم على جميع مسارات الحياة دون استثناء؛ في البيت والمجتمع والقيادة والدعوة والإرشاد، والعمل الحثيث على تحقيق هذا الاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم.
كيفية الاقتداء
إنَّ أوَّل خطوة على طريق الاقتداء بالنبي الكريم هي أن نعرف بمن نقتدي وفيما نقتدي به، وذلك بمدارسة سيرة النبي الكريم وسنَّته؛ حتى نتعلَّم كيف كانت حياته، وكيف كانت معاملاته، وكيف كان يسير في جوانب حياته كلِّها، فإنه صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الوحيد على وجه البسيطة الذي كانت حياته كلُّها كتابًا مفتوحًا للجميع، فلم يكن في حياته الجانب الخاص الذي لا يعرفه الناس، بل إنَّ حياته من أصغر صغيرةٍ وأخصِّ خصِّيصةٍ فيها كانت معروفةً لأصحابه، بل إنَّها دُوِّنت حتى تقرأها أمَّته من بعده إلى قيام الساعة.
فالواجب علينا الارتباط بالمنهج والقيم الثابتة فيه، ومحاولة تكييف حياتنا بما فيها من تنويعاتٍ مختلفةٍ؛ كي تتواءم وتتماشى مع هذه القيم الثابتة حتى نجعلها حاكمةً لحياتنا، كما يجب أن نستخرج من خلال قراءتنا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم روحه في التعامل مع الأمور، لذا ينبغي أن تكون قراءتنا لسيرة نبينا قراءةَ الباحث عن المنهج الذي يضبط له أموره.
إنَّ الاقتداء الحقيقي بالنبي صلى الله عليه وسلم يتطلَّب منَّا: العمل بسنته باطنًا وظاهرًا، وحبًّا لصاحب المنهج، ومعرفةً بمنهجه الذي نريد الاقتداء به فيه، ووعيًا بالقيم العظيمة التي نستلهمها من حياته، والتدرُّج بالنفس شيئًا فشيئًا حتى تكون صبغتها الدائمة هي الحياة على المنهج النبوي، والاسترشاد بمن اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم من المصلحين والدعاة، ومحاولة التزام الصحبة الصالحة التي تعين على الثبات على هذا النهج.
ولنكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ، ولا ننسى أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أصلٌ من أصول الإيمان الذي لا يتم إلا به.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين"، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء) فلا بد من تحقيق المحبة الحقيقية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتقديم محبته وأقواله وأوامره على من سواه "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُهُ أَحَبَّ إليه مما سواهما..".
كما أن اتباعه صلى الله عليه وسلم والاقتداء به دليلٌ على محبة العبد لربه، وبها سينال محبة الله تعالى، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران).
فيجب أن نقتدي بالمصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم في كل خطوة نخطوها، وأن نكون كما يحب ربنا ويرضى، وأن نتمثل بالحبيب في كل الأوقات والأحايين، وبخاصةٍ قول السيدة عائشة في وصفها للمعصوم صلى الله عليه وسلم أنه "كان خلقه القرآن".
فلنعايش كتاب الله وسنة المصطفى عمليًّا، ولنستخرج منهما العبر والدروس، ونطبقها على أنفسنا قبل غيرنا، وأن نبذل غاية ما في وسعنا لتحقيق النموذج القدوة ولنتمثل شعار "الرسول قدوتنا" ونحوِّله إلى حقيقة واقعة في نفوسنا وواقعنا، وعلينا الاستعداد الذاتي المتمثِّل في طهارة القلب وسلامة العقل واستقامة الجوارح.
ولنتبنَّ ما يمكن تسميته بـ"ورد الاقتداء"، وهو أن نبدأ بتطبيق ما نتعلَّمه منه صلى الله عليه وسلم بشكلٍ تدريجيٍّ ومحاسبة أنفسنا على ذلك، وأن نجعل لنا تقييمًا ذاتيًّا بشكلٍ مستمر، وفي كلِّ أفعالنا نسأل أنفسنا: ما الذي كان سيفعله المصطفى لو كان في مثل هذا الموقف؟!
وبهذا يظل الرسول صلى الله عليه وسلم حيًّا في نفوسنا وضمائرنا، باقتدائنا وتأسينا به في كل خطوة من خطواتنا وسكنة من سكناتنا.