ثمة ظاهرة غريبة انتشرت في إعلام فلول النظام البائد؛ ألا وهي البكاء على عصر مبارك والحنين لأيام الهناء والرخاء التي أغرق فيها البلاد؛ حتى صار الشعب إبَّان حكمه يأكل السمن والعسل والمن والسلوى!.

 

كنا نعتقد أن مثل هذه الكتابات هي تخاريف مدمن أخذ يهذي بضلالة وحماقة تصحبه ضحكات أهل الأنس والفرفشة، لكن الموضوع دخل في إطار الجد! مقالات عديدة في صحف الفلول تتحدث عن الشعب المصري منزوع الإنسانية قاسي القلب، الذي لا يرأف بقائده الحكيم ويصر على حبسه رغم أنه- يا كبدي- في الخامسة والثمانين! وقد تخصص الصحفي سليمان جودة في الدفاع عن الديكتاتور البائد كل بضعة أيام في جريدة نجيب ساويرس "المصري اليوم".

 

في مقال ركيك له بعنوان "قلة أصل مع مبارك" بتاريخ 6 أكتوبر 2012م كتب جودة يقول: "الذين ينادون، في الوقت الحالي، بأن تعاد محاكمته، وأن يبقى في السجن مدى حياته، يجب أن يقال لهم: إن رجلاً في مثل عمره، لن تفرق معه كثيراً ولا قليلاً أن يتلقى حكمًا بالسجن، أيًّا كان عدد السنوات، إذا كان هو قد فقد حفيده المقرَّب إلى قلبه منذ سنوات، فكانت طعنة لم يفارق أثرها وجدانه، وإذا كان هو، في الوقت نفسه، قد عاش مذلة أن يرى حبس ابنيه، أمام عينيه، سواء كان الحبس عن حق أو عن غير حق!"!!.

 

وفي مقال سخيف آخر بعنوان "انقلاب فريدة مبارك" بتاريخ 8 سبتمبر 2012م كتب جودة يقول: "لا أحد يناقش في أن يخضع "مبارك" و"جمال" و"علاء" وغيرهم للقانون فيدينهم أو يبرئهم، ولكن ما ذنب عمر علاء مبارك- مثلاً- حين يجري منعه من السفر مع باقي أفراد الأسرة، رغم أنه ابن ست سنوات، وما ذنب فريدة جمال مبارك ذات العامين؟! وما ذنب باقي أطفال رموز النظام السابق جميعًا، سواء كانوا أبناءً أو أحفادًا، وما الحل إذا احتاج أحدهم علاجًا أو تعليمًا في الخارج، وما ذنب خديجة نفسها التي عرفت "جمال" بعد أن أصبح "جمال"، وبالتأكيد لم تقتل متظاهرين، أو تشارك في ذلك؟!.. هل نخشى أن تدبر "فريدة" انقلابًا إذا غادرت البلاد؟!"!.

 

وفي مقال ثالث بتاريخ 21/ 12/ 2012م بعنوان "شيء في مبارك" يكشف جودة عن وجهه الحقيقي ويحرِّض القوات المسلحة لتفرج عن سيده السفَّاح: "لا يحزن المرء لأن القوات المسلحة قد رضيت أن يتعرض واحد من أبرز أبنائها لما يتعرض له الرئيس السابق، دون أن يكون لها رأي في الموضوع، مع أننا نعلم أنها لو كان لها رأي آخر فيما يجري له لأخذت به السلطة الحالية على الفور، ولن يناقشها أحد، ولو شاءت القوات المسلحة أن يقضي فترة عقوبته في بيته فسوف يقضيها؛ حيث يشاء الجيش وقياداته لا حيث يشاء أي طرف آخر.. لا.. لا يحزن المرء لهذا السبب!".

 

والواقع أن أمثال سليمان جودة لا يفعلون ما يفعلون اعتباطًا ولا لمجرد الصدفة، وإنما تحركهم خلية "أبو ظبي" بقيادة ضاحي خلفان وأحمد شفيق، وإلا فما معنى أن تقوم ثورة ضد سفاح عالمي ليُفرج عنه بعد أشهر وكأنه لم يقتل ويُفسد ويهلك الحرث والنسل؟؟ لو كان سليمان جودة قد أصيب بالفشل الكلوي أو السرطان أو الفشل الكبدي لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة قد تم اغتصابه في قسم شرطة أو سلخانة تابعة لأمن الدولة لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة تخرج بإحدى الجامعات في ثمانينيات القرن العشرين ولم يجد عملاً حتى 2011 لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة يُعالج في مستشفيات التأمين الصحي لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة شرب المياه المخلوطة بالصرف الصحي لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة تم اعتقاله أو خطف زوجته لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة قد قُتل قريب له تحت التعذيب لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة أحد أطفال غزة الذين حاصرهم الديكتاتور الدموي المخلوع لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة معتقلاً ويعاني السكر ويستجدي الحراس ليأخذ حقنة الأنسولين لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة وطنيًّا ويرفض رهن القرار المصري بالقرار الصهيو أمريكي لما قال ما قال.. لو كان سليمان جودة مصريًّا لما قال ما قال.

 

إن أرامل مبارك فقدوا الحياء، وصاروا يجاهرون بالفحشاء والمنكر ويدعون علانيةً للإفراج عن أخطر إرهابي قاتل في العصر الحديث، وهو السفاح حسني باراك، عدو الوطن والإنسانية والإسلام.

 

إن هذه المقالات وغيرها تشكل جريمة تكاد تعصف بأمن الوطن وتدمر الثورة المصرية في مهدها، وهذا خطأ عدم سن قوانين لحماية الثورة من سدنة وخصيان النظام البائد.

 

لقد وصلت الوقاحة بعبيد مبارك أن يتنطع أحدهم ويسأل الرئيس محمد مرسي أثناء زيارته لضحايا قطار البدرشين سؤاله العقيم: ألا تجد دافعًا إنسانيًّا لزيارة الرئيس السابق حسنى مبارك؟! أي إنسانية يا أعداء الإنسانية؟؟ أهي إنسانية زوار الفجر التي حماها وأيدها مبارك؟ أهي إنسانية الخطف والاغتصاب والاعتقال وهتك الأعراض التي رعاها مبارك؟ أهي إنسانية وضع صور مبارك في السجن وإجبار الإسلاميين على السجود لها؟ أهي إنسانية اعتقال الحاج حسن زلط، القيادي بالإخوان، عقب قيامه بإجراء عملية قلب مفتوح بيومين ووضعه في بطانية والإبر بذراعيه وقذفه في سيارة "ميكروباص" تتبع أمن الدولة وهو الشيخ الذي تجاوز الثمانين؟ أهي إنسانية القتل تحت التعذيب؟ أهي إنسانية منع الداعية المجاهد وجدي غنيم من حضور جنازة والدته ونفيه وطرده خارج البلاد؟! عن أي إنسانية تتحدثون يا أعداء الإنسانية؟!

 

إن أرامل حسني مبارك لم يكتفوا بالفساد والاستبداد الذي تم طوال العقود الماضية، بل يريدون إخراج سيدهم السفاح القاتل ليلوثوا الحاضر والمستقبل؛ فليحذر الشعب البطل الذي أسقط السفاح من هذه المؤامرة الدنيئة، فخيوط المؤامرة باتت ظاهرة للجميع.