قبل البدء..
يبدو أن ثمة وقتًا طويلاً ما زلنا في حاجة إلى انقضائه حتى تخلو الساحة الثقافية من الكتاب المخاصمين للثقافة الإسلامية.
أقول هذا بعدما كتب محمد الشافعي رئيس تحرير مجلة الهلال في مقال له بجريدة الأهرام يوم 10 من يناير 2013م أخلصه لانتقاد الدكتور حلمي القاعود الذي كتب ينتقد الأستاذ محمد حسنين هيكل ولم يأت فيها بجديد يذكر.
على أن ما أثارني في مقالة الصديق محمد الشافعي مجموعة نقاط أرجو أن يتقبلها مني في هذا السياق:
أولاً- ليس بالضرورة حين يمتدح القاعود هيكل مع تقديرهما يلزم منه موافقة الأول للثاني في آرائه ولا سيما أن بينهما بونًا شاسعًا في المرجعية الفكرية.
ثانيًا- طريقة الصديق العزيز محمد الشافعي في حشد شواذ الآراء ومحاولة الإيهام بأنها ترد في إطار الخصم من الفكرة الإسلامية تذكرني بطريقة الراحل فرج فودة الذي كان موتورًا بدرجة ظاهرة من الفكرة الإسلامية ورموزها.
يا سيدي الشافعي إن أول من نقد الداعي إلى هدم الأهرامات كان هم الإسلاميون ولعلي أذكرك بأن الأستاذ فهمي هويدي قد وصف أمثال هذا الداعي بالسفيه.
ثالثًا- لقد ظهر في مقالك نوع تقدير لفظي للدكتور القاعود أقدره لك ولكنني أربأ بك واللفظ لك أن تظن أن حلمي القاعود يثأر لإهمال الهلال بعض كتاباته، وأستأذنك في أن أقبل بعض وساوس الشيطان فأقرر على طريقتك أن دعوتك له للكتابة نوع من الرشوة الثقافية!
وبعد ذلك أدعوك لأن تتعرف حقيقة الرجل فيما يلي:
مرة أخري قبل البدء..
إن آية من آيات الوعي بخصوصية الأمة الإسلامية تلوح في فرح النفس المعاصرة بظهور الأقلام المنتمية الحريصة على نهضة الإسلام، ورقي أبنائه المعاصرين. ولعل واحدًا من الدواعي الأصيلة التي تدفعني دفعًا للكتابة عن رموز الجهاد الدعوي والعلمي من الأساتذة الكرام المعاصرين يكمن في تجليات هذا الوعي بتمايز الأمة المسلمة، وتفردها وقدرتها الذاتية الكامنة على تجديد شبابها، واستعادة مجدها ولعل أهم آلات تحقيق هذا التجديد ماثل في جهاد هؤلاء الأعلام الكبار في ميادين الفكرة والحركة معًا؛ ذلك جانب أصيل يدفع حتمًا إلى العناية بأساتذة الوعي الإسلامي المعاصر الذين لا يقصرون في بنائه، ودعمه في النفوس العربية اليوم ولا سيما في مواجهة طوفان من التغريب والغزو وطمس الهوية والمعالم في أركان مختلفة من حياة الناس المعاصرين.
يعانق ذلك ما يؤازره من انضباط ووضوح ينسربان في إسهامات هؤلاء الأساتذة الكرام الذين ينطلقون في جهادهم الدعوي والعلمي من أرضية علمية أو أكاديمية تسلك سبيل المعالي البحثية المنضبطة في ارتباطها بهموم الجماهير بغية الارتقاء بوعيهم وتغذية وجدانهم وإعادة توجيهه (أو برمجته) وفق مؤشر محكوم بمرجعية الأمة، مهتدية بهدى تاريخها، وفكرتها في الحياة والسلوك.
وحلمي القاعود واحد من هؤلاء الأساتذة الكرام الذين يسهمون في بناء الوعي والوجدان الإسلامي في العصر الحديث عن طريق مسارات كثيرة ومتنوعة تجعله بلا مجاز أو مبالغة إمامًا من أئمة الجهاد العلمي والدعوي بحثًا وتأليفًا وإبداعًا وتوجيها للرأي العام وهو بسبب من كل هذا جدير بأن نقف أمام ملامح جهاده العلمي والدعوي نفحصه، ونستجلي قسمات صورته التي جعلته بحق إمامًا من أئمة بناء الوعي الإسلامي المعاصر، وهو الأمر الذي دفعني دفعًا إلى أن أنعته بأنه روح تسكن المئذنة، أوليست المئذنة في التصور الإسلامي، هي صوت السماء والداعية إلى الخير كله؟!
(حلمي القاعود.. وآفاق جهاده العلمي والدعوي)
أن فحص سهمة حلمي القاعود في ترقية الوجدان والعقل العربي اليوم يعكس عناية بالغة بمحاور متنوعة من خدمة الفكرة الإسلامية والعربية بما هي أساس أصيل لا يمكن تجاوزه في بناء النفس المعاصرة بما يلزمها من الثقافة العربية بعدما أحاطت بها من ينال من أصالتها، وشوهت من ارتباطها بالإسلام بفعل عوامل كثيرة داخلية وخارجية.
بالإمكان تصنيف إسهام حلمي القاعود في خدمة المعرفة العربية المعاصرة بمرجعية إسلامية ترعي أمرين معا هما:
تأصيل الوعي المعاصر وفق الأصول الثابتة الإسلامية.
ومقاومة علامات الغزو والتغريب واغتيال الوجدان العربي والإسلامي، وفيما يلي:
(1) محور التخصص العلمي ( الأدب والنقد).
أسهم حلمي القاعود بما هو أستاذ (بروفيسور) لتخصص الأدب والنقد في الجامعات المصرية والعربية بعدد وافر دال على عدد مهم من العلامات التي نحن بصددها، وهي كما يلي ( مرتبة ألفبائيًّا):
- البلاغة القرآنية.
- الحداثة تعود.
- الرواية التاريخية في أدبنا الحديث: دراسة تطبيقية.
- الغروب المستحيل: سيرة كاتب ( محمد عبد الحليم عبد الله).
- القصائد الإسلامية الطوال في العصر الحديث.
- محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث.
- مدرسة البيان في النثر الحديث.
- موسم البحث عن هوية: دراسات في الرواية والقصة.
- الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر.
(2) محو الإبداع (الرواية والقصة).
وقد كتب لنا الدكتور حلمي القاعود بعضًا من النصوص الإبداعية المنتمية إلى واحد من الأجناس الأدبية (ألا وهو الرواية والقصة) التي يعد على المستوى النقدي فقيهًا من كبار فقهائها المتخصصين، ومنها:
- الحب يأتي مصادفة (رواية عن حرب رمضان).
- رائحة الحبيب ( مجموعة قصصية).
(3) محور الثقافة الإسلامية.
تعد الثقافة الإسلامية تخصصًا أصيلاً منتميًا إلى علم الدعوة الإسلامية كما تشهد بذلك برامج كلياتها، وهو ما يعكس البعد الدعوي البارز من جهاد القاعود؛ بحيث يصح أن نقرر في اعتزاز وتقدير أن نصف حلمي القاعود بأنه مئذنة في صورة قلم معاصر، ومما كتبه في هذا الميدان:
- الأقصى في مواجهة أفيال أبرهة (قراءة أدبية في يوميات الانتفاضة).
- أهل الفن وتجار الغرائز.
- ثورة المساجد.. حجارة من سجيل.
- جاهلية صدام وزلزال الخليج.
- حراس العقيدة.
- الحرب الصليبية العاشرة.
- الصحافة المهاجرة.. رؤية إسلامية.
- الصلح الأسود.. رؤية إسلامية لمبادرة السادات والطريق إلى القدس.
- العودة إلى الينابيع.. فصول عن الفكرة والحركة.
- مسلمون لا نخجل.
- هتلر الشرق وبلطجي العراق ولص بغداد.
(حلمي القاعود.. بلال في العصر الحديث).
يظهر من خلف عنوانات هذه الكتب ومن وراء مادتها مجموعة كبيرة من العلامات والقيم تقودنا إلى أن نصف القاعود بأنه بلال في العصر الحديث، والمقصود من وراء هذا الوصف أبعد مما قد يظهر من تركيبه اللغوي من مسحة مجازية بلاغية، ذلك أن قدرًا من الارتياح النفسي المتولد عن الفهم ونقاء الرؤية بأثر من كتابات الرجل واقع حقيقة وهو ما يقترب به من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً ليكون مفتاحًا للراحة بالنداء للصلاة، كما ورد في الحديث الصحيح: "أرحنا بها يا بلال" والقاعود بما يقدم مفتاح لهذا الارتياح بما يشيعه بكتاباته من الفهم وصحة الرؤية، وضبط الحركة على هدى من توجيه إسلامي راشد.
وتتجلي من وراء هذه القائمة المتنوعة ما يلي:
أولاً- الإخلاص للفكرة الإسلامية تنظيرًا وتطبيقًا ودعوة وحركة، من منظور شامل ومتزن.
ثانيًا- الوعي الظاهر بما للإسلام من حضور في توجيه الحركة الأدبية والنقدية المعاصر، بما يدل على أن الفكرة الإسلامية الموجهة للحياة لم تغب يومًا عن حياة المسلمين على امتداد لتاريخ، وهو ما يظهر في أشكال تجلي المصطفي صلى الله عليه وسلم في الشعر المعاصر ومن وجود ملاحم شعرية إسلامية سماها هو بالقصائد الإسلامية الطوال مثلاً.
ثالثًا- الفطنة الرائدة لأبعاد الخراب الثقافي والفكري المصاحب لتفشي الفكرة الحداثية في العالم العربي من دون التورط ابتداء في الانخداع بمقولاتها الفلسفية، وتطبيقاتها الإبداعية وما لازمها من حركة نقدية، وجهاز اصطلاحي مراوغ، وهو ما يعكسه كتابان من أهم ما كتب في فضح آثارها المدمرة، وهما: "الحداثة تعود"، و"الورد والهالوك"؛ وهذه التسمية (الهالوك) وصفًا لجماعة الحداثيين اختيارٌ موفق في مواجهة الورد، ذلك أن الهالوك: "نبات ينمو مع الأعشاب الضارة، ويلتف حول النبات المثمر والخصيب، مما يضطر الفلاحين والزراع إلى استئصاله عند العزق وتطهير الأرض، فهو عالة على غيره وعائق عن النمو والازدهار" على حد تعبيره ( ص 5) من كتابه هذا.
رابعًا- تنامي الإحساس بالقيمة العلمية الراقية لإنتاجه في التخصص العلمي ولا سيما في بابه نقد الرواية والقصة ودراستهما علميًّا ذلك أنه مبدع لهما أظهر للناس بعضًا من إبداع منتم إليهما على ما مر بنا في قائمة إسهامه العلمي والإبداعي والدعوي.
خامسًا- ظهور واعٍ بالغ لما للقرآن الكريم من تأثير في الآداب العربية، وهو ما ظهر في كتاب من كتبه الحديثة الخاصة بدرس البلاغة القرآنية، فضلاً عما توصل إليه في دراسة عن مدرسة البيان في النثر الحديث.
سادسًا- خدمة الوعي الإسلامي المعاصر من اتجاهات متنوعة تحيط بالعقيدة وترمي إلى حراستها، وترعى تصحيح الصورة الأصيلة للمسلم، وما ينبغي أن تكون عليه المؤسسة الإسلامية، كما يهتم حلمي القاعود في نشاطه الدعوي بالتوقف أمام القضايا الكبرى التي تمثل بحق أعظم التحديات في وجه الإسلام في العصر الحديث خارجيًّا وداخليًّا، بما يظهر من وعيه بعدم انقطاع الحروب الصليبية، وإن تغير شكلها في النسخة المعاصرة، ووعيه كذلك بمخاطر الكيان الصهيوني وتغلغله السام في النسيج الإسلامي وتحذيره من مخاطر المصالحة معه، وتثمين المقاومة الإسلامية في مواجهته، والإشادة برموز انتفاضة الأقصى، والتعاطي مع يومياتها.
سابعًا- الفطنة إلى قيمة توجيه الواقع على هدى من الينابيع الأولى الصافية من ثوابت الأمة، على مستوى الفكرة وتوجيه العقل والوجدان، وعلى مستوى الحركة، وترشيد النشاط وتقويمه.
ثامنًا- رعاية تواصل الأجيال العاملة للإسلام وهو ما يظهر في رعاية أمر مدرسة البيان في النثر الحديث وأعلام القصيدة الإسلامية الطويلة.
إن إفساح المجال لتأمل العلامات البادية من خلف إسهام القاعود في خدمة الفكرة الإسلامية علميًّا ودعويًّا قائد إلى تضخم قائمة الملاحظات، ولكن الذي أوردناه هنا دال على روح بارزة تلهمه في كل إسهام وإنتاج، وهي روح رمزها الأعلى المئذنة بكل ما تمثله من تمايز حضاري في مواجهة الأشكال الموازية عن غير المسلمين، وبما تبثه من أجواء الارتياح والأمان النفسي، وبما تشيعه من أجواء النداوة والمتعة، وبما يتعانق معها بعد إعلاء قيومية وتعاليه عن كل ما في الوجود.
إن حلمي القاعود بجهاده العلمي والدعوي مئذنة في صورة معاصرة دعوة إلى الخير، وشموخًا نحو العلا.
كلية الآداب- جامعة المنوفية.