مرت بنا أيام، وكأنها حلم جميل، أو طيف عابر.. فكنا نرى النصارى يحمون ظهور المسلمين في الصلاة في مشهد فريد من نوعه، وترى الفتاة النصرانية وهي تصب المياه على من يريد الوضوء من المسلمين للصلاة، وترى في يوم الجمعة قُداس النصارى يتلوا أو يسبق خطبة الجمعة في المكان نفسه.. أيام كنا لا نعرف فيها الإسلامي من العلماني من الشيوعي من الليبرالي، فالكل في الميدان واحد، وكان الشعار الذي يجمعنا (إيد واحدة).. وكان الهدف الذي ألّفنا.. (الشعب يريد إسقاط النظام).. فأين ثم أين ثم أين ذهبت روح يناير؟؟!!
هذا سؤال كثيرًا ما يتكرر هذه الأيام، من جميع أطياف الشعب، ولكنني أجده عاديًّا حينما يصدر عن العامة.. لكن أن يكرره النخبة، ورجال الدين في اللقاءات، والندوات، والاحتفالات، وفي برامج التوك شو، فهذا هو غير العادي!!
ولكي نفهم وجه الغرابة، علينا أن نتفق أن الشعوب في وقت الأزمات والثورات، والحروب، تتحد فتصبح يدًا واحدة، ولونًا واحدًا، لا تستطيع أن تميز بينهم، فالكل على اختلاف دينه وفكره ومذهبه يكاد ينصهر في بوتقة واحدة؛ حيث تنصهر فيها الخصائص، والألوان، وتذوب فيها الأيديولوجيات والأفكار، لِتكوٍّن سبيكة واحدة، تجيب طارقها برنين واحد متجانس.. (الشعب يريد إسقاط النظام).. وبهذه الوحدة، وهذا التآلف، تتوفر للقدر أسباب الاستجابة.. فيستجيب.
وعندما تتحقق إرادة الشعوب وتتحقق المطالب.. تبدأ هذه السبيكة في الانصهار شيئًا فشيئًا، حتى يتمايز كل معدن عن الآخر، ويعود إلى خصائصه الأولية، ولونه المميز له، والمعروف به.. وكذلك الأحزاب، والتيارات وكل منهم يريد لنفسه شيئًا من مكتسبات الثورة.. ولا غرابة في ذلك، بل أجده أمرًا بديهيًّا، وفطريًّا.. والسيرة النبوية تحكي لنا الكثير عن ذلك.
فلقد رأينا في غزوة حنين كيف قاتل الصحابة الأعداء، على قلب رجل واحد، فلا تستطيع أن تميز بينهم وقت القتال، حتى إذا انتصروا، وحان وقت تقسيم الغنائم، تمايزوا، وتباينوا، فهذا مهاجري، وهذا أنصاري، وهذا من أهل الصفة، وهذا من المؤلفة قلوبهم.. والكل ينتظر لنفسه شيئًا من مكتسبات النصر علي الأعداء.
ففي الغزوة نفسها غضب الأنصار، حينما لم يعطهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخُمس المملوك للدولة، مع أنه أعطى بسخاء مجموعةً حديثة العهد بالإسلام (المؤلفة قلوبهم).. مع أن الأنصار قامت على أكتافهم الدولة الإسلامية الأولى، واحتضنوها، وكانوا رجال الأزمات، وفرسان المواقف الصعبة.. وقد وجدوا في أنفسهم وَجْدًا عظيمًا حتى قال بعضهم: إذا كانت الشدة فنحن نُدْعى، وتُعطى الغنائم غيرنا !!!
وعالج الرسول صلى الله عليه وسلم الموقف بكلمات يكسوها الحب والرقة، والمشاعر الفياضة حتى أرضاهم جميعًا.
وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختيار خليفة للمسلمين، رأينا فريقًا من الأنصار ينادي بأن يكون الخليفة منهم، وعندهم أسبابهم، وفريقًا من المهاجرين ينادي بأن يكون الخليفة منهم، ولديهم أسبابهم، وآخرين يرون أنه يجب أن يكون من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولديهم أسبابهم، ومبرراتهم.
وبالتالي فإن الجماعات، والهيئات، والفرق، تتوحد وقت توحد الهدف، ثم تتمايز وتتباين وقت تحققه، وهذا عين ما رأيناه في الثورة المصرية وفي كل الثورات العربية.. تتوحد الشعوب بجميع أطيافها العقائدية، والفكرية، والسياسية، على هدف واحد وهو إسقاط النظام، فإذا سقط.. كان من الطبيعي جدًا أن تتمايز هذه الأطياف والألوان فترى هذا إسلامي، وهذا نصراني، وهذا ليبرالي علماني، وهذا ناصري، وكل منهم له مطالبه، وأيديولوجياته الخاصة، فتستشعر وقتها أن شيئًا غريبًا قد حدث، وأن الدولة قد قُسّمت، وأن هناك فئة ما تعمدت تفريق الأمة، ثم تنادي أين روح 25 يناير؟؟!!
وبالتالي يتضح لنا أنه ليس طبيعيًا ولا فطريًّا أن تستمر هذا الروح إلى ما لا نهاية، وما عرضته من السيرة يدلل على ذلك.
لذا يجب ألا نجلس ننوح كالثكلى، على أمانٍ صعبة المنال، يصعب تحققها إلا في ظروف مشابهة.. أي في ثورة أخرى أو حرب، وجهاد.. وإن كنت أتمنى من الله أن تكون هذه الروح هي السائدة في أُمة أثقلت كواهلها الخلافات، والنزاعات.