أبدع الروائي "سعد مكاوي" روايته "السائرون نيامًا" في عام 1963 وكان يحكي فيها عن صراع المماليك خلال ثلاثين عامًا من القرن الخامس عشر، ورأى النقاد أنه يُسقط الأحداث بنتائجها الكارثية على ما يحدث من رجال ثورة 1952 والصراع بين "الضباط الأحرار"، وآثار ذلك على الشعب، فاختار الهلاك "بالطاعون" نهاية لجيل شوهته الصراعات المجنونة وكأنه يقول إن الوباء القدري كان سببًا مباشرًا لوباء النفوس الثائرة أو التي كانت ثائرة.

 

بعض النقاد رأى أن الإسقاط يتطابق أيضًا مع "عصر مبارك" حيث غطت الرواية أحداث ثلاثين عامًا مملوكية، وكذلك كان "عصر مبارك".

 

ويبدو أن "ثوار اليوم" لم يتعظوا بالتاريخ المملوكي، ولا "بالأدب المكاوي" ليستفيقوا، واختاروا أن (يسيروا نيامًا) إلى الصراع المشئوم ذاته، ليجنوا النتائج نفسها: التشرذم والضياع، فانقسموا سريعًا إلى عدة طوائف مملوكية !

 

أولى هذه الطوائف: الثائرون إعلاميًّا

 

ولا نتحدث طبعًا عن الإعلاميين المحترفين، ولكن عن الثوار الذين وجدوا ضالتهم في (العمل) كإعلاميين، ووجدوا ترحيبًا من كل القنوات الفضائية الخاصة التي استدرجتهم لتأخذ (قشدة) اللبن الثوري، وتركتهم على أقصى حريتهم يثورون ويسبون ويأمرون وينهون حتى اشتهرت "القنوات"، ثم بدأت الحقيقة تصدم (النائمين)؛ حيث بدأت هذه القنوات في فرض أجندتها على (الثائرين)، فمنهم من تصور أن قنوات أخرى ستفتح له صدرها فاستعلى وأظهر الكبرياء الثوري،! ومنهم من وجد أن (أكل العيش الإعلامي) حلو المذاق فخضع للشروط، ومنهم من توافقت أجندة القنوات الناقمة على"التيار الإسلامي" مع أجندته فاستمر وتألق، وهؤلاء كلهم يتصورون أنهم واعون لثورتهم ومحافظون عليها، لكنهم في غيبوبتهم هذه، ومرور الزمن عليهم لم يعودوا (ثائرين) على النظام الفاسد، وإنما دخلوا في حالة رفض ﻷي نظام؛ تلك الظاهرة التي يسميها اﻷمريكان "حالة إنكار(denial state)"؛ حيث لا يثبتون وجودهم إلا بإنكار كل تصرفات النظام القائم، وبهذا يطمئنون إلى أن عيونهم مفتوحة، وأنهم (حراس الحقيقة)، وأن كل أفعالهم تمثل هذه (الحقيقة)، وأن أي نتائج مدمرة ﻷفعالهم فهي بسبب (اﻵخر) الذي لا يمتثل (لصوت الشعب)، الذي هو صوتهم بالطبع !!

 

 وهم أيضًا في حالة (رضا كاذب( على أنفسهم إذ يتصورون أنهم (سدنة الثورة) رغم أن النظام الذي ولدته الثورة قد ناصبوه العداء، والعداء هنا نفسي، بل هو (دواء) ضروري ليشعروا أنهم (أحياء) و(ثوار)، لكنهم للأسف نيام حاليون، وثوار سابقون، ومواطنون وقف بهم الزمن عند مشهد (اللحظة الثورية) التي يتلذذون بها ولا يستطيعون مفارقتها، فتجاوزتهم اﻷحداث، رغم أنهم هم الذين تجاوزوا الجميع باﻷمس وصنعوا الحلم المستحيل،
 يحتاجون لمن يأخذ بأيديهم، ولا نجاة لهم إلا في يوم يتكاتفون فيه لمواجهة (الطاعون)، طاعون الفقر والبطالة والفساد والمرض، وألا يكونوا حجر عثرة أمام مجهودات النظام المكافح لصالح الشعب الذين ثاروا بالأمس لصالحه وقدموا أرواحهم رخيصة لحياته، الآن هم في مفترق طرق، إما ينضمون لقافلة البناء، أو يظلون في أحلام اليقظة وكوابيسها التي أفقدتهم الطريق .

 

ثاني هذه الطوائف: الثائرون سياسيًّا

 

فهؤلاء الذين اختاروا مبكرًا طريق العمل السياسي، وانخرطوا في الأحزاب والائتلافات السياسية، وكانوا ككل من شارك في الثورة، يعتبرون أنفسهم قد أسقطوا "الطاغية" لذلك أصبحت عملية (إسقاط) كل مخالف لهم هي البديل السياسي الوحيد، وهم لا يرون البدء في (معركة التطهير والبناء) إلا بشروطهم، ولسان حالهم يقول: لقد أسقطنا "مبارك" ألا يكون من الأسهل إسقاط رجاله الفاسدين، وأباطرة البترول المتوحشين، وفاسدي المحليات والبنوك والإسكان والزراعة والصحة و... إلخ؟، وطبعًا يجيبون على أنفسهم في"جيتوهات مغلقة: نعم نستطيع.. هكذا وبلا أي رؤية واقعية لهذا (اﻹسقاط) .

 

وإذا لم يفعل "الرئيس" ذلك، أولم تأتمر"الحكومة" بأوامرهم فيجب إسقاط "الرئيس" و"الحكومة" والكل، وهنا يصبح الكلام عن "الاستقرار" لونًا من الخداع، ويكون التذكير بآلام الفقراء والمهمشين وضرورة مراعاتهم لونًا آخر من التجارة بالناس .

 

 لا بديل أمامهم إذن إلا الهدم الكامل لكل التشكيلة الفاسدة ثم البناء (على نظيف)، وإلا فأنت عدو الثورة !!

 

والحقيقة أن القارئ الممحص للتاريخ يجد أن هذا الحلم الجميل (التطهير الكامل ثم البناء المثالي) لم يحدث إلا في عهد النبوات قبل "إبراهيم الخليل" عليه السلام حين كانت تتدخل يد القدرة الربانية "بعذاب الاستئصال" فتبيد الفاسدين والكفار، ولكن بعد قدوم "إبراهيم عليه السلام" (كما أجمع العلماء) فقد أوكل الله نصر الحق لجنوده من البشر وافتُتحت بذلك مرحلة متباينة من صراع الحق والباطل، ولا نظن عبر التاريخ أن حدث (هدم كامل) ثم (بناء كامل) إلا في ظل "الإمبراطوريات الدموية" التي كانت تكتسح البلدان فتدمرها ثم تستذلها وتستعمرها لنفسها، ولم يكن هذا هو نموذج الفتوحات اﻹسلامية التي تدرجت وأعطت الفرصة الكاملة لتفاعل أهل البلاد المفتوحة، بل تركتهم أحيانًا كثيرة ﻹدارة شئونهم بطريقتهم حتى يستقر اﻹيمان في قلوبهم .

 

والمفارقة الكبرى أن هذا اللون من"الثائرين السياسيين" يطالب الجميع بأن يمتثل "لأهداف الثورة" وأن يصارح نفسه بأخطائه، وأن يعلى المبادئ على المصالح، هذا في وقت تمكنت منهم "آراء شخصية"، لا يستطيعون تجاوزها، وهم رغم ثقافتهم المحدودة للغاية يريدون فرض طريقتهم في "بناء الدولة"!!

 

وعلى هذا فلا تنتظر منهم إلا "مظاهرات" و"غضبًا" و"رفضًا" وشعورًا جازفًا بأن "الآخر" كاذب ومنافق وراكب للثورة وسيظلون "نيامًا" حتى توقظهم حقائق المكافحين العاملين على الأرض؛ والذين يغيرون الواقع بكدهم وعرقهم وإصرارهم على السير رغم العقبات والتشويه، ورغم تحول رفاق "الميدان" إلى عثرات في الطريق، ولا أمل لليقظة إلا بمصارحة النفس والخروج من أجواء الضغائن والأحقاد والرفض المنهجي، إلى عالم البناء والاصطفاف الوطني .

 

وأخيرًا طائفة الثائرين المجاهدين

 

وهؤلاء هم الذين انضموا للقافلة سريعًا، واستعلوا على أهوائهم، حتى ولو كانوا معارضين للنظام الحالي، فهم "معارضون" محترمون إذا عارضوا، ومؤيدون جادون إذا أيدوا.
لا تسيطر عليهم هلاوس سياسية، ولا استقطابات أيديولوجية، يعلمون أن (رفاهية الديمقراطية) تحتاج أولاً (لتأسيس الديمقراطية)، ويرون أن البناء يحتاج إلى السواعد أكثر من اﻷلسنة.

 

هؤلاء لا تشغلهم المظاهرات التي تطالب بحق الفقراء ولكنهم ينكبون على دراسة القوانين التي تحفظ هذه الحقوق.

 

لا تشغلهم الاعتصامات من أجل حقوق العمال، ولكنهم يكافحون على موائد المفاوضات مع النظام للوصول إلى حلول جذرية شاملة ﻷوضاع هؤلاء العمال.

 

لا يشغلهم العداء مع"الشرطة"، ولكنهم يستعينون بكل الخبرات العالمية والوطنية لإعادة تأسيس"الشرطة"، هؤلاء لا يشهرون "قميص الشهداء" في وجه "النظام" ويجعلونه سببًا للعداء، ولكنهم يؤسسون لمنظومة تكرم الشهداء وأهليهم وترعي المصابين، ولا تنال على ذلك منفعة سياسية ولا تقبل الادعاءات الزائفة.

 

هؤلاء جميعًا وآخرون وآخرون، ستجمعهم (ساحة العمل)، و(ميدان البناء).. وستتسع دائرة مؤيديهم رغم العقبات، وستضيق دائرة "السائرين نيامًا" الذين كانوا "ثائرين"... أيامًا.

-----------------------------------------

mohamedkamal62@ymail.com