دار في خلدي حين شرعت في كتابة هذا المقال أني أفاخر بصعيد مصر، فتراجعت كلماتي، لكن عندما نظرت للموضوع من جانب آخر أيقنت أن شعراء الحماسة والفخر لم يكونوا بالسوء الذي صوَّره لنا مؤرخو الأدب في العصر الحديث؛ فقد صوروا لنا أدب الحماسة والفخر بأنه أدب متشنّج متعالٍ يدعو للفرقة ويُظهر التعصب..إلخ؛ مما بدا واضحًا في كتابات تلامذة الأديب البارع طه حسين؛ الذي نقل لنا أدب الغرب الهادئ والهادف دون مبالغة أو فخر، فعدت لما نقل فوجدته يُخفي عامدًا أو ناسيًا حمل الأدب الغربي السمات نفسها: الفخر والحماسة!! فعلمت يقينًا أن الأدب ليس فقط مرآةً للشعوب، بل هو أحد وسائل الصناعات الثقيلة في تربيتها؛ لذا فالفخر ليس عيبًا ولا عارًا.

 

فقد كانت هناك كلمة مؤلمة لي شخصيًّا من د. عصام العريان بعد شهر واحد من نجاح الثورة المصرية الرائدة في إزاحة رأس الطاغوت وإعلان تنحيه: "لن نطمع في أكثر من 40% من البرلمان القادم؛ وذلك لأن عائلات الصعيد ستصوِّت للعائلة وليس للثورة في هذه المرحلة"، قلت والذي نفسي بيده أن أخانا د. عصام لا يعرف الصعيد ورجاله؛ لأنه يقول عن صعيد الكنانة به بعض الأفاعي، ولا يعلم أن هذه الأفاعي التي يعرفها هو في الإعلام وربما في البرلمان؛ ليس لها وجود أصلاً في الصعيد.. "اللي ميعرفش يقول عدس"!؛ مثل يتردد كثيرًا هناك في بلادي.

 

سأكتفي  في هذا المقال بدلائل من التاريخ أحللها المقال القادم إن شاء الله:

- في العصر الفرعوني وحَّد مينا ملك الجنوب القطرين، وفيه أيضًا احتل الهكسوس شمال البلاد، فأخرجهم أحمس الأول ملك الجنوب من البلاد، في القديم كانت الحضارة كلها في الجنوب، آثارهم تدل عليهم، وفي الوسيط تبادل الشمال والجنوب الحضارة العامرة في مصر والفيوم خير شاهد.

 

- وعندما جاءت الحملة المشئومة (الفرنسية) التي لها عبيد كثر في شمال مصر وفي عاصمتها إلى يومنا هذا، إذ يسبحون بجلالها وبأفكارها، قاومها كل المصريين وعجزت عن البقاء أيامًا في الصعيد، وأتحدى أن يكون لها أثر في الجنوب أو حتى ذكر، وهي التي تسكن في قلوب عشرات بل ألوف من أهل العاصمة وبعض مدن الشمال.

 

- عندما شيَّد محمد علي القناطر وحفر المصارف استعان بأهل الصعيد لجلدهم وصبرهم وما فعلوه لضعف أو ذل، بل لإدراكهم أنه عمار البلاد وعز العباد، فكما بنى أجدادهم الأهرامات حفروا قناة السويس واسألوا لماذا معظم سكان أهل القناة (الإسماعيلية والسويس) من الصعيد.

 

- عندما قامت الثورة الأولى في 1952 حماها أهل الصعيد ظنًّا أنها ثورتهم المجيدة وكانوا أول من كفر بها، فحاول بعضهم قتل ناصر الاشتراكي (حتى لو نسب لهم هذا افتراءً لكن الفكرة وجدت) وقتلوا السادات فعلاً وإن أخطأوا، وحاولوا قتل مبارك في قنا وفي أديس أبابا!! يا ترى هل كان هذا طمعًا في الحكم أم خوفًا على ضياع هوية مصر (لغة ودينًا وحضارة).

 

- وعندما تفتح دلائل الثورة المباركة في عام 2005 بقيادة قاض رصين زكريا عبد العزيز وهو صعيدي وكان رئيسًا لنادي القضاة يومئذ، فهجم هجمته التي أوهنت بيت الوعل فأخذ يتداعى..

 

- وعندما قامت الثورة المصرية المباركة لم يُعلم للصعايدة دور مباشر فيها؛ لأن البوق الذي كان يتكلم باسمهم هو عدوهم (إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم) (التغابن)، فسمعنا عاشور وباكور ورشوان ورشدان وسليمان وكأنهم من أبناء الصعيد، وهم لم يسكنوه يومًا، بل كلما مروا به يتغامزون وبأهله يمكرون، فامتلكوا الضياع (أحدهم مات عن ثروة تقدر بستة مليارات) وعينوا أولادهم في القضاء والشرطة ليكونوا لهم عزًا وهم لهم يوم القيامة ندٌّ.

 

-  ثم إنه لم تم انتخاب أول رجل رئيس مجلس نواب حقيقي وليس مزورًا، كان ابن سوهاج وأبرز قيادات المنيا، وهو الدكتور الكتاتني رئيسًا له، ورأى الجميع فيه رجل دولة فريدًا مؤدبًا واعيًا، وكأن أمه ولدته ليكون زعيمًا، ولولا سدنة المعبد المباركي لكتب التاريخ أنه أفضل من رأس برلمان مصر منذ إنشائه عام 1872 بواسطة الخديو إسماعيل.

 

- ثم لما جاءت أول انتخابات رئاسية ولم يكن فيها مرشح صعيدي واحد اختاروا بلا تحيز أصلح الموجودين رغم تنغيم الإعلام، وصرف الأموال ولطم الخدود لضياع مصر لكونها ستبتلع من الغول الإخواني!!؛ ليخدعوا الناس ولتقع مصر من جديد في يد بقية آل طاغوت، فرغم كل ذلك ورغم قلة عدد الإخوان بالصعيد1: 10 تقريبًا بالنسبة للوجه البحري، كان أهل الصعيد أوعى من الإعلام ومن القاهرة والدلتا، فقد أدركوا أن مصر لن تقوم لها قائمة إلا بعصبة تحميها، وليس هناك الآن إلا عصبة الدين، وعلى رأس هذه العصبة الآن الإخوان؛ فمرشحهم هو الحل؛ وذلك لخبرة أهل الصعيد بقيمة العصبة، وأنها الحل الوحيد في الأزمات؛ حيث لو انفرط العقد لن نجد من نستدعيه لحل المشكلات، فهكذا تعلموا وهكذا اختاروا بثقافة وفهم وليس بهوى وجهل كما يدعي العكاشيون والأديبيون والإبراشيون والمزمرون والمطبلون والمنتفخون بعلم السياسة والقانون، بل والمتاجرون بالوطن والساهرون على موائد النقم.

 

- وعندما سار مرسي خطواته الأولى تحمَّل أهل الصعيد الأزمات الحقيقية في الوقود والأمن وغيرها، ولما استدعاهم لضرب بقية الطاغوت الذي فصلت الثورة رأسه، ولم تحرك جسده طيلة عام ونصف، وقفوا معه صفًّا واحدًا فثاروا تأييدًا له في أسيوط ودماء أبنائهم لم تجف، ووقفوا خلفه في المنيا رغم افتعال الأزمات وكثرة السرقات، وجُمعت كلمة أهل قنا خلف الرئيس، وبات أهل الفيوم وبني سويف كأنهم وحدهم حراس البلاد، وظهرت شهامة أهل سوهاج ونخوة أهل النوبة وأسوان ولم يجرؤ أحد من الحزب "الواطي" أن يرفع صوتًا بخلاف مراد أهل الوادي، ورغم أزمة السياحة في الأقصر والبحر الأحمر، تناسوا الجوع من أجل بقاء مصر بهويتها وتاريخها.. إلى أي مدى أنت معلم يا صعيد مصر؟!!.. إلى أي مدى أنتم حصن البلاد يا أهل الصعيد يا فخر العباد؟!!

 

- حتى بقية الصعايدة في الإسماعيلية والسويس نجحوا أن يكونوا أهلاً للمسئولية، بل إن أشقاءهم العرب في سينا وفي مطروح لم يتخلوا عن مشروع مصر، وهو: مصر عربية اللسان مسلمة المشروع، ولا ينافى ذلك مع قبطيتها الأصيلة، ومن بقي من أهل القبط على ديانة أجداده؛ فهو وما يدين به محفوظ في دفتر المشروع وبلسان عربي مبين (أن تبروهم وتقسطوا إليهم) (الممتحنة) "استوصوا بقبطها خيرًا فإن لهم زمةً ورحمًا" "جئت بصلة الأرحام" (ذلك بأن منهم منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون) (المائدة).