أظهرت معركة الدستور حقيقة العديد من الوجوه، وأسقطت الأقنعة عن كثيرٍ مما صدَّعنا طوال السنين بالديمقراطية ومميزاتها، فإذا هي تمثل لهم تمثال العجوة الشهير، وقد صدر العدد الأخير من جريدة "القاهرة"، التي تصدر عن وزارة الثقافة، ويُصرف عليها من الموازنة العامة، والمفروض أنها تمثل ثقافة المجتمع ومرجعيته، إلا أنها منذ أن صدرت قبل ثلاثة عشر عامًا تنحاز لفريق واحدٍ ضد أطياف المجتمع قاطبةً، كانت الجريدة بوقًا لوزير الثقافة وزوجة الرئيس السابق، ترصد حركاتهما وتنشر أخبارهما أولاً بأول، ولم تتغير سياستها بالرغم من حدوث تغيير كبير في مصر وانتخاب رئيس ينتمي للتيار الإسلامي الموجود بقوةٍ في الشارع المصري، في الماضي كانت تشيد بسياسات الرئيس المخلوع وحكمته، وكان رئيس تحريرها اليساري يحجُّ إلى قصر العروبة في كل موسم، بينما في الوقت رأينا الجريدة تسخر من كل منجزٍ يختاره الشعب ومن كل قرارات الرئيس وسياساته، صدر العدد الأخير وتتعرض للدستور بالغمز واللمز، وتتجاهل مناقشة حقيقية لهذا الأمر، صبغت معظم الموضوعات بلون الاتجاه السياسي والأيديولوجي لرئيس التحرير، ولعلك تعجب عزيزي القارئ أن هذه الصحيفة الحكومية التي يُصرف عليها من ضرائب الشعب، ويُهيمن عليها فصيل، وهو الذي يهيمن على مفاصل وزارة الثقافة، الذي قام وزيرها الحالي (الذي ينحاز لهذا الفريق اليساري) بـ"فلترة" الوزارة من كل الأشخاص الذين ينتمون للتيار الإسلامي.. لم نتعجب من دعوة الكاتب مدحت بشاي من تأييده لدعوة الأديب علاء الأسواني الذي طالب باستبعاد الأميين من الاستفتاء، والذي أثار غبارًا كثيفًا عند طرحه، واستياء من جموع الشعب فقال في مقاله "الأمي وحقوق الممارسة الوطنية"، تعجَّب في مفتتح مقاله من تصويت أهالي قرية المندرة بمنفلوط لصالح نعم للدستور، وهي القرية التي قدَّمت أكثر من 50 طفلاً ضحية في كارثة القطار والمزلقان الأخيرة، واستغرب أن يصل بنسبة 88% وعلق: الخبر مؤثر ومبكٍ، ابحثوا عن الأمية يا سادة"، وأشاد بشاي بتبني الكاتب صالح عريبي لفكرة استبعاد الأميين من المشاركة السياسية وقال: "وبموضوعية شديدة كتب "عريبي" مقاله (16 مليون أمي يختارون الدستور)، ومن بين ما كتب وقد استشهد بقوانين التوظيف واستخراج رخصة القيادة؛ حيث إن الدولة تشترط الحصول على شهادة محو أمية للتعيين بوظيفة العامل بالمؤسسات، كما أنها ترفض التصريح للأمي بالحصول على رخصة قيادة، لأن القيادة أصبحت تتطلب الاعتماد على العلاقات الإرشادية واللافتات الخاصة بالطرق، وقارنت في إحدى المقالات بين المخاطر التي تقع من وللأمي القائد للسيارة والأمي الذي يشارك في الحياة السياسية بالتصويت، قائد السيارة أضراره تقع على شخصه وبعض مَن يصطدم بهم في المشاركة السياسية الأضرار تقع على البلاد والمواطنين جميعًا، وقد أشرت إلى أن أغلب الأميين يقعون في شريحة الطبقة الفقيرة والأكثر فقرًا، وبعضهم يتم شراء أصواتهم بالمال أو بكرتونة زيت وسكر ومكرونة وصابون، وكما نعلم جميعًا أن المنتخبين يقومون باستغلال هذه النسبة في عملية الاقتراع، إما أن يحصلوا على أصواتهم باسم الدين وشرع الله أو بمقابل مادي...".

 

هذه هي الديمقراطية العنصرية التي لا تُطبَّق في أي قطرٍ في العالم إلا في الكيان الصهيوني، هم عمموا أن الأميين فقراء، والفقراء يسهل شراؤهم، والريف يحقد على الحضر (كما قال أستاذ بالجامعة الأمريكية عقب الاستفتاء)؛ لذلك يصوت نكايةً فيه، وقد عشنا طوال حياتنا في الريف وفي الصعيد وما زلنا، وطفنا مصر كلها من شمالها لجنوبها ووجدنا الناس لديهم وعي كبير لا يتوفر عند مَن يجلسون على الغرز الثقافية في شارع  طلعت حرب، أو يمكثون في الاستوديوهات المكيفة في قنوات الفلول ومَن يحجون إلى نوادي الروتاري، ومَن يرتادون نوادي الشمس، ويسكنون الأحياء الفاخرة بعيدًا عن هموم الفقراء، وجدنا الناس في هذه البلاد يخافون على البلاد، ولم نجدهم يحرضون على الإضراب مرةً في حياتهم، ولم نجد فلاحًا يتحرش بعاملةٍ عنده أو يطلب منها رشوة جنسية نظير توظيفها، لم يدرج في طموحه الحج إلى أوروبا وأمريكا يعربد ويتآمر ويملأ جيوبه بالدولارات واليورو لصرفها في زرع الشقاق وعدم الاستقرار، لم نجد هؤلاء أحرص الناس على جلب المال الحرام من لصوص مبارك وهي تُقدَّر بالملايين، لم نجد عندهم الفصام في الشخصية، يدَّعي الوطنية والخوف على مصالح البلاد وهو يتآمر مع أعداء ينقدونه الثمن، انزلوا يا سادة وسط هؤلاء الناس فأكثرهم الصالح وأقلهم الخبيث، يراعي الله في كل شيء، هل عدم إيمانه بأفكار ماركس، وإنجلز، ولينين، وستالين، وخروشوف مبررًا لاستبعاده وتهميشه؟ هل تمسكه بدينه وموروثه وعادته وطرد الأفكار الخبيثة الغريبة عليه عيب يُعيَّر به؟

 

وجدنا الفقراء أذكى من خبراء الاقتصاد يُدبرون أمورهم بأقل القليل بنفسٍ راضيةٍ لا تقبل الحقد والحسد.. وجدناهم يُعطلون مصالحهم وأعمالهم ليس لمحاصرة بيت من بيوت الله (مسجد القائد إبراهيم مثلاً) أو تعطيل مرفق عام (مجمع التحرير مثلاً)، ولكن لمواساة مريضٍ أو تشييع جنازة، نرى الناس وقد خرجت عن بكرة أبيها، تواسي في المصائب والنوازل، نرى الجميع (شبانًا وعجائز) في الحقول قبل مطلع الشمس، الكل يعمل ويروي الأرض في الصيف حيث الحر اللافح، وفي الشتاء وسط البرد الشديد، بينما كل الأطياف أضربت عن العمل سعيًا عن مطالب شخصية وفئوية بينما تتعافى وتعاني من الأزمات، لم يقولوا (أنا ومن ورائي الطوفان، أو أنا مالي).. أبعد هذا كله نحرمه من المشاركة في المجتمع وهو عنصر فعال في هذا المجتمع؟!!!.

 

ثم وجدنا "صاحب الرحرحة" ابن روزاليوسف المعرف، يكتب مقالاً بعنوان "الداعية النصَّاب"، وهو يلمز ويغمز بالدكتور عبدالله بدر ويهتف ضد الرجل قائلاً: "ظهر الحق وزهق الباطل وقد انكشف الرجل تمامًا فإذا به نصاب محترف.. يدَّعي أنه حاصل على الدكتوراه، ويؤكد أنه أستاذ التفسير بالأزهر الشريف فإذا هو ساقط إعدادية.. لم يحصل على مؤهل طوال حياته.. لم يدخل جامعة الأزهر أبدًا، ومع هذا يمارس الفتوى ويُكفِّر الناس ويختار الفن والفنانين هدفًا للهجوم.. على اعتبار أن وضعهم على التنشين يضمن له الانتشار والشهرة"، ومع اختلاف العلماء حول تعامل الدكتور عبدالله في دفاعه عن رئيس الجمهورية والدفاع عن الشعب الذي اختاره، عندما وجد الفنانة الفلولية تسخر من رئيسها ومازالت تحنُّ إلى عصر الفساد، ووصف أعمالها الفنية، فهو لم يكن الوحيد الذي انتقدها ، فقد انتقد أعمالها بشدةٍ بالتزامن مع عبدالله بدر الفنان حمدي أحمد، وعلى فرض أن عبدالله بدر قد أخطأ فهل نُشنِّع عليه ونسلبه علمه، هل يفوقه صاحب المقالة في علمه حتى يُقيمه، ومن أين له وصفه بأنه راسب إعدادية؟ ونحن وجدنا أعماله وكتبه ومحاضراته ودروسه، يقرأها للناس على الملأ، وقد تعرَّض للسجن نظير آرائه ونقده لفساد مبارك وسياساته، الذي كنتم تتراصون على خشبة المسرح ترقصون له "الدبكة"، وتغنون له "اخترناك"، و"أديها كمان حرية"، و"النسر المصري شق السما"، و"يا مبارك يا حبيب الشعب"، و"أدب ومسامحة يا كفر مصيلحة وعشان كده احنا اخترناك"، وإذا كانت بيوتكم من زجاج فلا ترموا الناس بالباطل ولا يغرنكم تسييس القضاء في هذا  الوقت، ونكايته للتيار الإسلامي وتذكروا بأنه في الوقت الذي انتصر فيه القضاء لكرامة إلهام شاهين وحكم لصالحها، لم يُدن أحد في مئات قضايا السب والقذف التي تعرَّض لها الرئيس المنتخب الشرعي، ولم يُدن أحد من قتلة الثوار في مهرجان البراءة للجميع.

------------

* abu_algamal@yahoo.com