ظاهرة يلمسها كثير من الناس اليوم من جميع الأعمار وفي كل الطبقات هي الحنين إلى الماضي والترحم على القيم الأصيلة في رحاب الزمن الجميل ويبدأ الحديث عادة بواقعة أو مشهد أثار حفيظة المتحدث، أو كلمة جارحة صدمت مشاعره، فلم يملك أمام ما رأى أو سمع إلا أن ينفِّس عن غيظه وألمه بالرجوع إلى الماضي واسترجاع ذكريات هذا الزمن الجميل، وما إن ينته المتحدث من حكايته حتى يتجاوب معه السامعون بمواقف مشابهة تبعًا لذكريات كل مشارك في الحديث بما حدث له.

 

وهذه الأحاديث في هذه المجالس، وإن جاءت عفوية بغير إعداد أو ترتيب تمثل مرآة صادقة لهموم الناس وأحوالهم، وتنهض شاهدًا على هذا التحول المخيف في أذواق الناس ومشاعرهم وعلى خطورة ما يتهددهم في أخلاقهم وأعرافهم؛ لكنها تشهد من جانب آخر بمدى تشبث الناس بالأصيل الممتع من قيم الإسلام العظيم وعاداته وتقاليده.

 

ومن اللافت للنظر في ظاهرة التأسي والتحسر هذه، أنها لم تعد وقفًا على كبار السن الذين كانوا وحدهم يملكون الحق في الحنين إلى الماضي الجميل، وإنما أصبحنا نسمع ذلك من رجال ما زالوا في منتصف العمر وربما لم يناهزوا الأربعين، وبرغم ذلك يوردون صورًا من القيم يرون أنها لم تعد موجودة في هذه الأيام، بما يؤكد أن دورة التغير والتحول في القيم لم تعد تحتاج إلى بضعة عقود حتى تتم كما كان يحدث من قبل، وإنما أصبحت تتم في غضون العقد الواحد من الزمان نظرًا لتيسر المعلومات، وتقارب المسافات وتنوع وسائل الاتصال، وتحول العالم كله إلى ما يشبه القرية الواحدة، وهو أمر يدعو إلى الخوف والقلق على قيم هذه الأمة وخصائصها، وبخاصة إذا علمنا أن هذه القيم التي تختفي هي في الغالب قيم الإسلام العظيم الذي كنا به خير أمة أخرجت للناس.

 

ولو حاولنا تصنيف هذه المواقف والمشاعر التي تعج بها مجالسنا لرأيناها تنتمي في غالبها إلى الجانب الاجتماعي الذي يظهر عادة في الأقوال والأفعال والأخلاق والمعاملات.

 

وإذا كان الناس لا يدركون من المواقف والمشاهد إلا مظهرها الخارجي في غالب الأحيان، فإن أصحاب الأقلام من الأدباء والعلماء هم القادرون وحدهم على التحليل والتعليل، والوقوف على الدوافع والأسباب وعلى قدر ما يرجى للأمة من خير أو شر، وما يراد لها من سعادة أو شقاء يكون نصيبها من أدبائها وعلمائها ومفكريها؛ فإن صلح هؤلاء صلحت الأمة؛ لأنهم يمثلون لها جهاز مناعتها الذي يتصدى لكل دخيل ووبيل فإذا تعطل هذا الجهاز أو غفل رأيت الفساد يسرع إلى جوانب الحياة المختلفة ومن سوء حظ أمتنا ما نجده من انشغال كثير من أدبائنا وعلمائنا ومفكرينا بالصغير التافه من الأمور واكتفائهم بقضايا الترف العقلي، ونزولهم عن مكان الصدارة في قيادة الأمة، ويأسهم من المشاركة في صنع القرار السياسي، وتقاعسهم عن النهوض بحراسة الجانب الأخلاقي والروحي، فرأينا كل واحد منهم ينشغل بشأنه الشخصي، ويعد نفسه محظوظًا إن رشح لجائزة أو انتخب لعضوية، أو اختير لبرنامج إذاعي أو قضائي، أما أن يكون لدينا رجال يمثلون ضمير الأمة الحي، وعقلها المفكر، وشعورها المرهف، ويحرسون ذوقها العام أمثال: الرافعي والمنفلوطي، والبشري، والمازني، وعباس العقاد وأحمد أمين ورجب البيومي.

 

وأن يكون لدينا في مجال التجديد الديني أمثال الأساتذة: محمد عبده، ورشيد رضا، وحسن البنا، ومحب الدين الخطيب، وأبو زهرة والشعراوي إن وجود أمثال هؤلاء الكرام في قرن واحد كان كافيًا لأن يجعل الزمن جميلاً، فقد استطاعوا أن يملئوا فضاءنا الثقافي والفكري، وأن يشنفوا الآذان بالجميل الممتع من كل علم دفن؛ لأنهم ارتفعوا فوق حظوظ أنفهم وتعلقوا بكل رائع وجميل.

 

لقد أدرك هؤلاء الكرام أنهم يمثلون للأمة، صمام أمانها، ومستودع أسرارها، وصناعة قرارها، وحراسة قيمها، ورهافة حسها فقاموا برسالتهم خير قيام، ولك أن تقارن بين أمة رواد مقاهيها أمثال هؤلاء الكرام، يتبادلون طرائف الأدب، وفرائد الحكم، وجميل الأشعار وبين ما نراه اليوم من مقاهٍ تنبعث منها روائح السكر وألفاظ السباب والهذيان.

 

لقد آن الأوان أن نقف اليوم وقفة لنتساءل عما حدث فأصاب حياتنا الثقافية والروحية بهذا العقم الخطير، وأن نبحث عن مصادر القوة التي هيأت من قبل لوجود هذه العطاء الكريم.

 

ونستطيع أن ندرك السبب واضحًا دون احتياج إلى إعمال فكر أو إرهاق ذهن أو بحث كثير، إذا نحن قرأنا قول الحق سبحانه: "وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ"(الأعراف: 58).

 

إن العامة من الناس معذورون إذا وجدوا أنفسهم ضحية لزمان غابت فيه القدوة الصالحة، والبيئة الطاهرة، والمحضن النظيف، وافتقدوا في رموزهم الدينية والفكرية والأدبية ما كانوا يأملونه من الرأي الصائب، والنصح الصادق والتوجيه الكريم، كما افتقدوا ما كان أسلافهم يجدونه في زمن هؤلاء الكرام من الدلالة على الخير، والتذكير بالحق، ورسم معالم السلوك الجميل، أو ليس لنا أن نبكي على زمان كانت كبريات الصحف فيه تتنافس على قصائد الشعراء الكبار لتجعلها في صدر صفحاتها لتصل إلى أيدي عشاق هذا الفن الجميل إن لك أن تعقد مقارنة سريعة بين زمانين: زمان كان المسجد فيه مأوي للغريب وملاذًا للفقير، ومأدبة للجائع، وأمانًا للخائف، ودارًا لابن السبيل، أو هو كما وصفه أستاذنا الدكتور رجب البيومي هو مهوى القلب، وراحة العين، ومهد السكينة والاطمئنان، وبين المسجد كما نراه اليوم.

 

وإليك مشهدًا للبيئة التي خرجت أمثال هؤلاء العلماء يرويه لنا أستاذنا الدكتور محمد رجب البيومي في كتابه الرائع: (المسجد في الإسلام عبادة وثقافة)، فيقول: "تعودت صغيرًا منذ بدأت أفكر فيما حولي عن بصيرة أن أجد باب منزلنا يفتح قبيل الفجر دائمًا؛ حيث ينهض والدي للصلاة، كما رأيت من والدي ووالدتي مشجعين لي على أن أقف في هذا الوقت لأقف بين يدي الله!! ومن لي اليوم بفرحة الطفولة البريئة وبهجتها بالذهاب غلس الظلام إلى المسجد، لم يكن نور الكهرباء قد دخل القرية، ولكن نور التقوى كان يشع في كل أفق من آفاقها؛ فالناس ينسلون من كل حدب إلى بيت الله، الصغار مع الكبار دائمًا!  فإذا كان الوقت وقت رمضان، فالدنيا تموج والمسجد يتألق وكأن مهرجانًا يقام" (1).

 

ولك أن تتصور بيئة إيمانية ربانية خالصة كهذه البيئة ماذا يمكن أن يكون نباتها؟

 

وهذه صورة لبيت آخر أنجب عظيمًا من عظماء القرن الماضي هو الشيخ عبد العزيز البشري يقدم فيها صورة لطفولته فيقول: "لقد ولدت في السيدة زينب وسنحت فيه مدة الفتوة، وصدرًا من سني الشباب، ولست أذكر أنني من عهد الصبا تخلفت ليلة من ليالي رمضان إذا كان السحر، عن طلب مسجد السيدة زينب رضي الله عنها أستمع أولاً إلى درس الحديث من أستاذنا العلامة الجليل الشيخ محمد السمالوطي عليه رحمة الله، حتى إذا فرغ منه في الوقت المقسوم استوى الشيخ أحمد ندا على الدكة وأنشأ يقرأ: "مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى" (طه: 1:3) وقد أنصقل بقراءة الليل صوته، وحلا نبرة وسلس منه ما كان جامحًا، ولأن ما كان في أول الليل عاصيًا، وأطلقه في آي السورة الكريمة أبيض ناصعًا، كأنما صيغ من ذوب الفضة، أو كأنما اعتصر من صفحة البدر ليلة تمامه، لقد أسمعه في سورة (طه) كل ليلة، وفي كل ليلة يخيل إليَّ أن جبريل ينزل من جديد بسورة طه على محمد، وهو يجول في فنون النعم فارسًا خلا من هيبة الميدان، ولا يزال كذلك حتى يملأ الآذان طربًا، ويشبع في النفوس ما شاء الله أن يشبع من لذة وأريحية".

 

وصورة ثالثة ينقلها لبيته في طفولته الأستاذ أحمد أمين فيقول في مذكراته: "وكان أبي مدرسًا في الأزهر، ومدرسًا في مسجد الإمام الشافعي، وإمام مسجد، ويغمر البيت الشعور الديني، فأبي يؤدي الصلوات لأوقاتها، ويكثر من قراءة القرآن صباحًا ومساءً، ويصحو مع الفجر ليصل ويبتهل، ويكثر من قراءة التفسير والحديث، ويكثر من ذكر الموت، ويقلل من قيمة الدنيا وزخرفها، ويحكي حكايات الصالحين وأعمالهم وعبادتهم ويؤدي الزكاة يؤثر بها أقرباءه، ويحج ويُحجج أمي معه- ثم هو يربي أولاده تربية دينية فيوقظهم في الفجر ليصلوا، ويراقبهم في أوقات الصلاة الأخرى، ويسائلهم متى وصلوا وأين صلوا؟" (2).

 

ولو ذهبت تتعقب بيت كل عظيم من عظماء الزمن الجميل لرأيت صورة مطابقة لتلك الصور أو قريبة منها مما يجعلنا نقول مطمئنين واثقين: "إننا نحن الذين نصنع الزمن الجميل، ونحن أيضًا الذين نصنع الزمن الرديء، عندما نحسن صناعة المحاضن الطاهرة، ونقدم لأولادنا القدوة الصالحة، فلا يرون أمامهم إلا الإسلام ممارسة، والإيمان عقيدة، وحب الله عبادة والتأسي برسول الله أخلاقًا، وشريعةً الله منهاجًا ونظامًا يومها ستدرك حقيقة قول الشاعر الحكيم:

 

نعيب زماننا والعيب فينا     وما لزماننا عيب سوانا

 

إن من يتأمل المشاهد التي قدمناها سيدرك من أول وهلة أنها يجمعها أمر واحد هو صدق الإيمان وعمق اليقين، وقيام الآباء بأمانة التربية للأبناء، مستحضرين قول الخالق الحكيم سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (الأنفال:27) ويدركون الحكمة في إتباع هذه الآية بقوله تعالى: "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (الأنفال:28) وكأنها إشارة إلى أمانة تربية الأولاد وحسن تنشئتهم، وإلا فهي الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.

 

إن مجرد التأسي والتحسر والألم، ليس هو السبيل القويم ولا المنهج الصحيح في تنويم حياتنا وتغيير زماننا، وإنما لا بد من وقفة صادقة مع النفس نصلح فيها فسادنا ونقوم ما اعوج من سلوكنا، ونقدم القدوة الصالحة لأبنائنا وبناتنا.

----------------------

الهوامش:

1- المسجد في الإسلام عبادة وثقافة. د. محمد رجب البيومي- هدية مجلة الأزهر جـ! ص117.

2- حياتي أحمد أمين. مكتبة الأسرة سنة 2003 ص27.