الحمد لله رب العالمين القائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران:102)، وأشهد ألا اله إلا الله القائل: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون: 52)

يا مدمن الذنب أما تستحيي     والله في الخلوة ثانيكا

غرك من ربك إمهاله     وستره طول مساويكا

وأشهد أن محمد رسول الله صلى الله علي وسلم القائل: "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي" (1)

أما بعد..

أيها المصريون الشرفاء: في خضم الأحداث الجارية، والأمور المتشابكة، نريد أن نُذكِّر كل مسلم ومسلمة بالهدف الأساسي الذي يعيش من أجله ويعمل له، ألا وهو الجنة، الهدف الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار في بيعة العقبة الثانية، فقد قال عبد الله بن رواحة، رضي الله عنه، لرسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني ليلة العقبة- : اشترط لربك ولنفسك ما شئت! فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل (2).

وهذا الهدف لن يتحقق إلا إذا تحقق في المسلم أو المسلمة الإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا..." (3)، والإيمان لن يتحقق في قلب المسلم أو المسلمة إلا إذا نبضت الأقوال والأفعال بالتقوى؟

والمشكلة الآن أن التقوى تحوَّلت بيننا لمجموعةٍ من التعريفات والأقوال، والأصل أن تتحول إلى نبض في الأقوال والأفعال، ولكن لماذا؟.. لأنها- أي التقوى-.

1- الوصية الربانية للبشر إلى يوم القيامة: قالَ تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) (النساء: 131)، وأيضًا الوصية النبوية إلى يوم القيامة فعن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال صلى الله عليه وسلم: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء" (4).

وقد وعى السَّلف من الصَّحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ في كلِّ العصور، القيمةَ الكبيرة لهذه الوصيَّة العظيمة، فصاروا يتواصَون بها، ويوصُون بها مَن بعدهم، وقد تواترت في ذلك الآثار فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين (5).

2- أنها أساس قبول العمل: قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة:27)، وقد قال الإمام علي رضي الله وكرّم وجهه: "لو أعلم أن الله تقبّل مني حسنة لاتّكلت عليها".

3- إنها أساس القرب من الله: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (الأنفال: 34)

4- إنها أساس العطاء في الجنة: قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ، كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ، يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ، لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ  وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (الدخان: من الآية 51 إلى 57 )).

من أجل هذا نريد أن نقف مع مَن نبضت أقوالهم وأفعالهم بالتقوى:

1- فهذا والي أو حاكم نموذج لكل مَن تولَّى منصبًا صغُر ذلك أم كبر، وسارت إليه أمور البلاد أو المكان أو الوظيفة أو غير ذلك، إنه معاذ بن جبل- رضي الله عنه-،  كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قد بعثه على عملٍ واليًا، فقدم لبيته بعد مدة وليس معه شيء، فعاتبته امرأته لأنه عاد كما ذهب لا هدايا ولا أموال، فقال لها: كان معي ضاغط، يعني: مَن يُضيق عليَّ ويمنعني من أخذ شيء، فظنت امرأته أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بعث معه رقيبًا، فقامت تشكوه إلى الناس- أي عمر- (6)

نعم كيف يرسل عمر مَن يراقب معاذ بن جبل ألا يعلم مَن هو قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل" (7) فلما سُئل معاذ مَن الضاغط؟ قال الله.

فكم حاكم الآن وكم مسئول الآن يعلم أن معه ضاغطًا، وإن من أهم أسباب قيام ثورة 25 يناير كان هو فساد المسئولين في كل المجالات والأماكن نهبًا للأموال والأراضي والوظائف.

وعن أبي يعلى معقلِ بن يسارٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة. (8). وقال أيضًا: ما من أميرٍ يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح لهم، إلا لم يدخل معهم الجنة (9).

2- وإلى موظفي حكومة أو القطاع عام أو الخاص نقول لهم اسمعوا هذا الحديث.. عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ- رضي الله عنه- يُخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ، قَالَ: فَجَمَعُوا لَهُ حُلِيًّا مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِمْ، َقَالُوا : هَذَا لَكَ، فَخَفِّفْ عَنَّا، وَتَجَاوَزَ فِي الْقَسَمِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَمَا ذَلِكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَنْكُمْ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرِّشْوَةِ، فَإِنَّهَا سُحْتٌ، وَإِنَّا لا نَأْكُلُهَا (10).

وعن أبي حميد الساعدي- رضي الله عنه-  أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعمل عاملاً فجاء العامل حين فرغ من عمله، فقال: يا رسول الله هذا لكم وهذا أهدي إليّ. فغضب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضبًا شديدًا وقال له: "أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى لك أم لا!، ثم قام في الناس خطيبًا وحذَّر، حتى قال: "فوالذي نفسي بيده: لا يغلّ أحدكم منها شيئًا إلا جاء به يحمله على عنقه إن كان بعيرًا.. أو بقرة.. أو شاة" (11).

فأين موظفو الدولة، إنك لا تستطيع فعل شيء إلا برشوة أو إكرامية أو هدية أو منحة أو مكافأة المهم أن تُعطي الموظف (السحت)؛ لذلك فسدت الهيئات والمصالح ولعن صاحبُ المصلحة الموظف.

وعن بريدة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن استعملناه على عَمَلٍ فرزقناه رِزقًا فما أخذ بعد لك فهو غُلول" (12).

3- وهذا تاجر أو صانع أو حرفي أو مهني، أنه محمد بن سيرين الذي اشترى مرةً زيتًا بأربعين ألف درهم يدفعها مؤخرةً في السنة ولما فتح وعاءً من جلد كان فيه الزيت وجد فيه فأرًا متفسخًا ميتًا والزيت تأثَّر به.

ففكر ابن سيرين وقال إن هذا الزيت كله كان في إناءٍ واحد قبل أن يُوضع في أوعية والفأر وقع فيه قبل أن يقسم، ومعنى هذا أن الزيت قد تنجَّس كله بهذه الفأرة. وهذا كله من خلال تفكيره وتحليله وقد تكون الفأرة قد سقطت في هذا الوعاء فقط. ثم قال في نفسه إن رددت هذا الزيت للبائع فقد يبيعه لغيري والزيت متنجّس فيضر الناس وأنا لا أستطيع أن أبيعه فأخذ الزيت كله ورماه في مجرى المياه.. هنا خسر ابن سيرين الزيت وأصبح عليه دين ووقع في خسارة جسيمة جدًّا وحلَّ عليه دينٌ كبير.

ابن سرين تحمَّل الدين ورفض ِأن يضرَّ المسلمين وغير المسلمين؛ لأن التقوى ترجمت عنها الأفعال، فأين أهل الصناعة وأهل التجارة وأهل المهن الحرة وغيرهم، الكل- ألا مَن رحم ربي- لا يبحث ألا عن الربح ولو غشَّ الناس ولو تسبب في جلب الأمراض لهم، فالفشل الكلوي الغالبية العظمى سببه المواد الغذائية المصنعة.

عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ التُجَّارَ هُمُ الفُجَّارَ". قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ:  أَوَ لَيسَ قَد أَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ؟. قَالَ: "بَلَى، وَلِكِنَّهُم يُحَدِّثُونَ فَيَكذِبُونَ، وَيَحلِفُونَ فَيَأثَمُونَ" (13).

4- وهذه امرأة أو فتاة يراودها رجل أو شاب عن نفسها فأبت ورفضت فأراد أن يطمئنها فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، أي لا تخافين فقد غاب الأب أو الزوج أو الأخ أو المعارف فقالت له: أين مكوكبها؟ (14)

أين مكوكبها؟ سؤال لكل رجل وشاب ينتهك أعراض المسلمين، أين مكوكبها؟ لكل موظف يراود زميلته، أين مكوكبها؟ لكل جارٍ يزني بجارته، أين مكوكبها؟ لكل امرأة وفتاة خانت أهلها ومرغت شرفها.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره" (15)

يقول  الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم بعد القتل ذنبًا أعظم من الزنا، واحتجَّ بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك".

وكان الإمام أحمد ينشد :

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل     خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعةً     ولا أنَّ ما يخفى عليه يغيب

أيها المصريون الشرفاء: فليتقِ الله كل مصري، فليتقِ الله في نفسه وأهله وماله ووطنه، (اللهم اجعلنا من المتقين).

-------------

الهوامش:

1

رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

2

تفسير ابن كثير.. سورة التوبة

3

عن الزبير- رضي الله عنه- صحيح الترمذي

4

رواه الأمام أحمد

5

شروح الحديث  جامع العلوم والحكم ابن رجب الحنبلي مؤسسة الرسالة - الحديث الثامن

6

شروح الحديث جامع العلوم والحكم ابن رجب الحنبلي مؤسسة الرسالة- الحديث الثامن

7

رواه الإمام أحمد عن أنس- رضي الله عنه-

8

متفق عليه

9

رواه مسلم

10

حديث مرسل عن مالك

11

رواه البخاري ومسلم

12

رواه أبو داود - حديث صحيح

13

رواه أحمد- صحيح

14

شروح الحديث جامع العلوم والحكم ابن رجب الحنبلي مؤسسة الرسالة الحديث الثامن

15

رواه أحمد و البخاري

 

 

--------------

* صفحة الفيس بوك (عكاشة عباد)- Okasha_office@yahoo.com