علقت إحدى بناتي على بعض عباراتي: أنها لا يمكن أن تكون لي، وأنا أصف المعارضة بلغة تبدو شديدة جافة متعجلة أحيانًا وأنا أستاذ الفلسفة والفكر الذي علمتها وغيرها- حسب قولها- أن أول قواعد التفكير السليم المرونة واللين. فأحببت أن أبين لأغلى الناس عندي وهم من درست لهم الفلسفة مدة عشرين عامًا أن المعارضة الغريبة عن المنطق والعقل هي التي غيرت لغتي وذلك بشرح مفهومين وتطبيقهما على المعارضة الحالية في بلدي الحبيب: مفهوم المعارضة ومفهوم الفلسفة ذاتها، بطبيعة الحال لن أغوص إلا في المعاني القريبة تجنبًا للملل.

 

1- المعارضة تعني الاختلاف مع رأي أو فكرة أو عقيدة، من زاوية أو من زوايا عدة، حسب طبيعة المعارِض والمعارَض، فقد تكون في قضية وطنية أو دينية واجتماعية أو غير ذلك، وهي مقبولة عند كل عقلاء الأرض بلا استثناء، بل قبلها الأنبياء: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (سبأ: من الآية 24)، شرط أن لا يخرج المعارض حاملاً سلاحًا أو مؤديًا إلى حمل السلاح، لأنها لن تصبح حينئذ معارضة إنما مقاتلة، كما رأينا في ليبيا وما يتم في سوريا الآن، فمن ينجح في التغلب يصير له الأمر، وذلك لكون النظام في هذه البلاد منع نهائيًّا وجود المعارضة، فتحولت عندما جاءت الفرصة إلى خروج مسلح ومعهم، كل الحق، خاصة بعد صبرهم أربعين سنة على تغول من يحكمهم.

 

2- الفلسفة إما ممارسة عملية أو نظرية، والعملية كممارسة الحرف والصناعات، فالمزارع فيلسوف وكذا الطبيب والمهندس وغيرهم، فكل من يشارك في عمل ما هو- في الحقيقة- ينفذ فلسفة له أو لغيره، وتسمى هذه فلسفة عملية؛ لأن صاحبها يجرد توافه الأمور ويتجنب المزالق الصغيرة ليحقق المرجو منه في آنه ومكانه. والفلسفة العملية أكثر نفعًا من النظرية- على الأقل- لمباشرتها حاجيات الناس ولنتائجها القريبة. أما الفلسفة النظرية التي دورها أن تحلل وتستنبط وتستنتج وتتنبأ، فهي تسبق أو تلحق الجانب العملي؛ وأصحابها- في الغالب- أعمق فهما من الأولين، لكونها تحلل وتقارن وترى جميع الجزئيات بنظرة كلية، لكنها قد ترسف بصاحبها في قمة الجهل، حيث إن لم يكن حذرًا وقع في فخاخ الجهل باسم الفهم (الجهل المركب) وهذا يصعب علاجه.

 

إذا ما علاقة ما سبق بلغتي؟ العلاقة تكمن في أن من يعارضون اليوم في مصر يفهمون حقيقة المعارضة وبعضهم يُمارسها منذ عشرات السنين. لكن عندما يمارسونها بهذا الشكل غير المفهوم فهم يخدعون الناس ويستخفون بعقولهم، حيث يمارسون خلاف ما عُلم أو عُمل به قبلهم.

 

أولاً: هل د. عبد المنعم (مؤسس مصر القوية) يدرك ما سبق؟ بالطبع نعم سواء؛ نظريًّا أو عمليًّا، فالرجل ظل معارضًا منذ أن كان طالبًا، فهل يجهل أن المعارضة لا يجوز لها في فلسفة السياسة العملية أو النظرية أن تتعجل الخروج بالسيف والمدفع وتحاصر قصر رئيس منتخب قبل تمام مدته التي حصلها بموافقة الشعب؟ يقينًا يعلم، إذًا لماذا يخرج؟! أتريدين جوابًا؟ فقط انظري وهو يحكم بطلان الدستور كله لكونه لم يتضمن مجانية التعليم، رغم أن هذا الدستور خصص مادة كاملة لهذا الغرض (58)!!!

 

ثانيًا: الدكتور البرادعي (مؤسس حزب الدستور) لم يكن سياسيًّا قط من الجانب العملي وبالتالي الرجل قد يعذر في كثير من آرائه السياسية، لكن ألم يعش هذا الرجل في جو الديمقراطية الغربية مدة أربعين عامًا؟! فهل وصل إلى سمع سيادته أن رئيسًا لم يتم مائة يوم، تعلق له اللافتات بأنه فاشل. كيف يفشل قبل أن يعرف ما يجب فعله؟! الدكتور البرادعي يعرف أن رئيس أمريكا يجلس مائة يوم يدرس ملفات الرئيس السابق عنه، ثم يشرع في اختياراته، فما بالك برئيس يجلس على كرسي بلا ملفات أصلاً!، فقد كان سلفه دكتاتورًا وهو نفسه الملفات!! فضاعت معه في غياهب السجن. ثم هل لا يعلم- هو وكل الليبراليين (خاصة حمزاوي بيه!!)- أن رئيسًا من حزب ما أو تيار لا يجوز له أن ينفصل عن حزبه حين يصل إلى السلطة؟!!، وإلا كيف يتم حساب شخص، أليس هذا مبررًا كافيًا إذا فشل مرسي أن يقول حزبه أنا لم أكن مسئولاً؟! متى حدث هذا وفي أي دولة في العالم الليبرالي؟! أتحدى أن يثبت لي أحدهم هذا الأمر.

 

ثالثًا: أما اليسار فلولا تقديري الحقيقي والجاد لمفكر كبير مثل د. حسن حنفي والكاتب الكبير حسنين هيكل وبعض من ماتوا لقلت، أتحدى يساريًّا اليوم يفهم معنى اليسار... فهل يفهم السادة متصدرو اليسار في مصر شيئًا عن اليسار؟! فهم لا يستحقون أن يسجلوا في يسار عاش لغيره، فالسيد (ع) مثلاً ملك ضياعًا وكان معارضًا رقيقًا عطوفًا على مبارك ثم يحدثنا عن ثورة يسارية تتبنى الكذب والتلفيق (مائتي أستاذ جامعة في أسيوط بديلاً عن القضاء!) والسيد (م) جاء من الجنوب ولا يملك شيئًا والآن مليونير كبير بسبب يساريته، أما (أ) فهو راتبه تجاوز ثلاثة ملايين جنيه، صحيح دخل السجن معارضًا، لكن مبارك أخرجه بطلاً، ليتحول من كاتب إلى إعلامي يقبض بالملايين: فأين هؤلاء من اليسار يا بنيتي؟ فلقد جاورت ثلاثة رجال من اليساريين الفرنسيين (الدولة الغنية) يبيتون جوعًا، فلما سألت أحدهم وهو فريدي مولوه، قال أخشى أن أملأ بطني وبعض الفرنسيين جوعى، وهو يعبد ماركس، فكيف يجب أن تكون يسارية هؤلاء وهم مسلمون؟! طبعًا أنا لن أكلمك عن متطرف يساري مثل (رفعت)، أو متهور مثل أبو العز.. فاليسار كله لم يقدم منذ أربعين عامًا: مستشفى أو مدرسة أو ملجأ أو حتى بطانية يتبرعون بها لفقرائنا.

 

أعرفت يا بنيتي لماذا هم ليسوا معارضين! لأنهم يخشون نجاح رجل يلتحف بالمشروع الإسلامي، لعلمهم أنه نجح أن يكون يساريًّا (بالمفهوم الإسلامي) قبل أن يكون رئيسًا، فبات في العراء يدافع عن اليتامى وبنى مع جماعته أكثر من ألف مستوصف ومستشفى وأعطى زيتًا وسكرًا للأيتام من راتبه القليل وهو أستاذ جامعي وسياسي وبرلماني ومنافح، فكيف لو أصبح رئيسًا ومعه ميزانية الدولة؟ فلو كانوا يساريين لأسعدهم فعله وما هم بيساريين إنما...!!!!!!

 

رابعًا: أما سدنة المعبد فقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "قاضيان في النار وواحد في الجنة". أتعرفين لماذا يا بنيتي؟ اسأل نفسك كم قضية سياسية حكم فيها القضاء لصالح الشعب بعد الثورة؟ (صفر كأصفار مبارك الكثيرة) أتعرفين لماذا؟ لأن هناك فرقًا بين القانون والتفلسف بالقانون، فالقانون شديد بطبعه، حتى قانون السماء هو قانون حازم جازم شديد لا تهاون معه؛ لأنه يردع الظالمين، إذا فلسفته حماية المجتمع وإقامة العدل حتى لو قص الرقبة وقطع اليد ورمي الزاني.

 

وقضاة مصر الشرفاء محرومون من الأحكام التي تخص الشعب والسياسة، فالتعيين في الدستورية وفي مقام النائب العام كان حكرًا على رغبة المشئوم، لذا عُبد القانون من دون الله، فظهر التفلسف به بديلاً عنه، فجاءت أحكامه رخوة مطاطية بطئية كئيبة مميتة باردة. خاصة أن المشئوم قد ترك على سدنة قانون الشعب (الدستورية والنائب العام) من عرفوا بترزية القوانين؛ أي تفلسف القانون وليس فلسفة القانون، فالأولى شؤم لكونها سفسطة والثانية نعمة لكونها إعادة فهم واستنارة.

 

لذا كانت أحكام متفلسفة القانون غاشية من الظلم أو حتى العدل البطيء والمتكاسل المؤدي إلى الظلم بغيره. لهذا ولغيره بدت لغتي جافة منهكة مترعة من الحزن لغياب المعارضة وليس لوجودها، فمعارضة بناءة هي سياج أمان للأمة ومعارضة تتاجر بالوطن مشؤوم من ينتمي إليها، فمهما يقولون ويفعلون فإني أرى نور الله يغمر المحروسة ولن أسمح لنفسي أن أبعد خطوة عنه لا في لغتي ولا في حلمي، بك ربي مستمسك فلا تدعني.

---------

أستاذ الفكر الإسلامي بكلية دار العلوم- جامعة المنيا