انتهت المرحلة الأولى من الاستفتاء على الدستور والتي خرج فيها ما يزيد عن 25 مليون مصري للإدلاء بصوتهم في هذا الاستفتاء الأول من نوعه تحت رعاية أول رئيس مدني منتخب, وجاءت النتيجة بالموافقة على الدستور بنسبة تقترب من 60% في الداخل, وهذا ليس بغريب وليس بجديد فدائمًا ما يثبت لنا الشعب المصري أنه شعب واع يعي دائمًا ما يحدث من حوله في البلاد, وما يحاك بها من مؤامرات ويعلم جيدًا من يتحدث باسم الثورة والثوار والشهداء ومن يتاجر بهم ليل نهار على شاشات الإعلام المأجور, كما أنه لم يعر الاهتمام بما يبثه الإعلام المأجور من سموم وفتن تكاد تهلك هذا الوطن وتثير الحروب الأهلية بين أبنائه.
وبالرغم من أن عملية الاستفتاء على الدستور الجديد قد شابها بعض المخالفات التي لا تؤثر على العملية برمتها, والمتمثلة في "تأخير فتح بعض اللجان, وقلة الموظفين؛ مما أدى لبطء العملية, والدعاية المخالفة أمام بعض اللجان في بعض المحافظات من الجانبين المؤيد والمعارض على سواء, وكذلك التوجيه من قبل بعض الأشخاص والموظفين وبعض القضاة للتأثير على الناخبين سواء بنعم أم لا, وغيرها من التجاوزات البسيطة "إلا أن العملية برمتها لم تتأثر بذلك بل على العكس مرت العملية بكل نزاهة وحيدية شهد بها العالم أجمع بل وشهد بها الشعب المصري العظيم, الذي خرج وعبر عن رأيه بكل شجاعة وقوة دون تأثير من أحد, وجاءت نتيجة المرحلة الأولى من الاستفتاء معبرة وبحق عن إرادة الشعب المصري العظيم, وكانت هذه النتيجة إحدى ثمار الثورة المباركة التي ما زالت تؤتي ثمارها كل حين بإذن ربها.
وبالرغم من ذلك كله إلا أن هناك من شكك في نزاهة العملية برمتها, بل وطالب بإلغاء نتيجتها وإعادة المرحلة الأولى من جديد, لماذا؟ لأنها لم تأت بما يريدونه ويتمنونه, ولكن من هؤلاء وما هي حقيقتهم, ولماذا فعلوا ذلك هذا ما نتعرف عليه الآن, فهؤلاء ثلاثة فئات هم:
الفئة الأولى: هي الحملة التي أطلقت على نفسها "جبهة إنقاذ مصر" وهي ليست كذلك بل هي جبهة خراب مصر, وهذه الجبهة التي شكلت حملة لمراقبة عملية الاستفتاء هي ذاتها من حكمت من قبل على الدستور الجديد بالفشل وعلى الجمعية التأسيسية أيضًا وطالبت بحلها وإلغاء الدستور, والدعوة لعمل جميعة تأسيسية جديدة تشكل على أهوائهم حتى يرضوا عنها, وبالتالي فهم قد حكموا على الدستور قبل أن يتم الاستفتاء عليه, وعندما فشلوا في ذلك لم يجدوا أمامهم سوى المشاركة في الاستفتاء والدعوة لرفضه عبر الصناديق بالتصويت بـ "لا" على للدستور, وعندما جاءت نتيجة الاستفتاء على عكس أهوائهم, وعلموا أن الشعب لم ولن يسمع لهم لم يجدوا أمامهم سوى التشكيك في نزاهة الاستفتاء ومصداقيته, والتشكيك فيمن قاموا بالإشراف عليه, وبالتالي فعندما يطالبون الآن بإعادة الاستفتاء في المرحلة الأولى من جديد فهذا يعني أنه انقلاب على إرادة الشعب وهم يغلبون المصلحة الشخصية على المصلحة العامة للبلاد.
أما الفئة الثانية: فهم الحملة التي تنتمي للمستشار أحمد الزند وهم القضاة التابعون له, والكل يعلم من هؤلاء وما هو موقفهم من الدستور الجديد قبل عرضه للاستفتاء، وكذلك الجمعية التأسيسية, كما أن هؤلاء القضاة هم من نادوا من قبل بحل الجمعية التأسيسية وإلغاء الدستور الجديد, ليس هذا فحسب بل هم من اعترضوا من قبل على إقالة النائب العام- علمًا بأن الرئيس لم يقله بل حدد مدة تعيينه بأربع سنوات وبالتالي عاد لمنصبه القضائي السابق- والأدهى من ذلك والأمر أن هؤلاء هم من صرحوا علانية وفي كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بأنهم لن يشاركوا في الاستفتاء الجديد, أليست هذه هي تصريحاتهم النارية التي أطلقوها حتى يتم حل الجميعة وإلغاء الدستور الجديد وإعادة النائب السابق مرة أخرى لاستكمال مسيرة التستر عليهم وعلى جرائمهم التي ارتكبوها ولم يحاكموا عليها إلى الآن وهذا ما يخشون منه, إذًا فعندما فشلوا في تحقيق أهدافهم, لم يجدوا أمامهم سوى أن يقوموا بعمل حملة للمراقبة على الاستفتاء؛ لكي يقوموا من خلالها بتشويه الصورة التي تم بها الاستفتاء والتشكيك في نتيجته لهدفين في أنفسهم أولهما: أن يعيدوا المرحلة من جديد؛ لأن نتيجتها لم تأت بما يريدونه, ثانيهما: أن يوهموا الشعب بأن الاستفتاء تم تزويره وفشل القضاة في إدارة العملية؛ لأن هذه الفئة التي نتحدث عنها لم تشارك في هذا الاستفتاء.
وأخيرًا الفئة الثالثة: فهم مجموعة من المراكز الحقوقية الممولة والتي لها أجندات خاصة, والتي أفصحت عن نياتها تجاه هذا الدستور من قبل؛ حيث كثيرًا ما طالبوا بحل الجميعة التأسيسية وإلغاء الدستور الجديد, وكثيرًا ما عقدوا المؤتمرات والندوات للنيل من هذا الدستور الجديد وتشويه صورته والجمعية على حد سواء, وأخيرًا شاركوا في رفع العديد من الدعاوى لحل الجميعة التأسيسية- التي تكونت من لفيف من أطياف الشعب المصري الشرفاء الذين لم يتقاضو أجرًا عن هذا الجهد العظيم- وإسقاط الدستور الجديد, ليس هذا فحسب بل الغريب إن هؤلاء المنظمات الحقوقية خلطت بين العمل الحقوقي والعمل السياسي وأصبحت تتبني رؤى سياسية لأحزاب سياسية بعينها, وبالتالي عندما فشلوا في مخططاتهم لم يجدوا أمامهم سوى المشاركة في مراقبة الاستفتاء على الدستور الجديد حتى ينالوا من هذا الاستفتاء ويشوهوا صورة العملية برمتها, ويدعوا كذبًا تزوير نتيجة الاستفتاء, وأنه لم يكن هناك إشراف قضائي كامل وأن اللجان كانت خاوية, وهذا كذبًا وافتراءً؛ لأن القضاة كانوا بداخل اللجان بل إن بعض القضاة المخلصين كانوا يقومون بعمل بعض الموظفين نتيجة لتأخرهم حتى يتم تسهيل العملية على الناخبين, إذًا فهؤلاء جميعًا ومعهم طبعًا "الإعلام الخبيث" مطلبهم واحد وهدفهم واحد وعندما فشلوا في تحقيق أهدافهم لم يجدوا أمامهم سوى تشويه صورة الاستفتاء والادعاء بتزوير النتيجة, وقالوا إن الاستفتاء تم التأثير فيه علي إرادة الناخبين وقام التيار الإسلامي بتوزيع الزيت والسكر على الناخبين الأميين, وأن اللجان كانت خاوية بلا قضاة, وكذلك قام التيار الإسلامي بتقديم رشاوى للناخبين للتصويت بنعم للدستور, ومنع دخول الناخبين اللجان من قبل التيار الإسلامي أيضًا, كل هذا وغيره ادعوه, وإذا افترضنا جدلاً أن هذا تم بالفعل وهذا ما جعل النتيجة في الداخل بنسبة تقترب من 60% موافقون على الدستور, فما تفسير هؤلاء لنتيجة الاستفتاء في الخارج والتي تعدت 70% من الناخبين موافقين على الدستور, فهل تم توزيع السكر والزيت عليهم بالخارج؟ وهل اللجان كانت خاوية بلا قضاة؟ وهل تم دفع رشاوى للناخبين من قبل التيار الإسلامي بالخارج؟
وأخيرًا أؤكد- بصفتي مراقب للانتخابات السابقة والاستفتاء الحالي- أن هذه المخالفات التي شابت عملية الاستفتاء في المرحلة الأولي قد حدث أكثر منها بكثير في الانتخابات السابقة وفي الاستفتاء السابق أيام المجلس العسكري, والجميع يعلم ذلك ويشهد بذلك وأولها المنظمات الحقوقية التي تطالب الآن بإعادة المرحلة من جديد, ومع ذلك لم تحدث تلك الضجة من هؤلاء جميعًا بالرغم من التجاوزات التي حدثت ضد التيار الإسلامي, ولكن لأن مصالحهم الشخصية كانت تحقق فلا مانع أما الآن فهم يصرخون في جميع القنوات الفلولية والمأجورة لإعادة المرحلة والادعاء كذبا بتزوير نتيجة الاستفتاء؛ لأن مصالحهم الشخصية لم تحقق, إذًا فمن يعمل من أجل مصالحة الشخصية ومن يعمل من أجل مصلحة الوطن؟
حمي الله مصرنا من كل سوء .
----------
* محام M_alhadda@yahoo.com