مازالت بينكم وبين المخلصين من أبناء هذا الوطن شعرة، لستم أنتم مادوها بل هم، وقد أصبحت من فرط الدِّقة حادَّة، وكلما أرخوها لكم لتتواصلوا معهم ازددتم في شدها وتعنَّتم، حتى صارت من الحِدَّة أشبه بحد السيف، وقد استفززتم أهل الصبر حتى بلغ بهم نهايته، وأحسستم بأوهامكم أنكم على شيء، ولستم كذلك إلا في مُخَيِّلَة صنعتموها لأنفسكم بكذبكم وأباطيلكم، فالإعلام الذي هو أداتكم وصانعكم سيرديكم ويكون وبالاً عليكم، والمال الذي سلبتموه من شعب كريم طيب فأصبحتم تنفقونه في الفتن والإفساد أغراكم بالتآمر عليه، وكأني بكم وقد أصابكم سُعَار فلا تهدءون، وكان أولى بكم أن تتواروا خجلاً بما أجرمتم في حقه، بل بلغت بكم- حماقةًً- نار أحقادكم أن طمعتم في قلب إرادة الشعب، غركم حلمه حتى تناديتم فيما بينكم أن هلموا للانقضاض عليه، وظننتم الفرصة سانحة، لكنكم لا تعلمون أن أهل مصر أهل رباط ولم تقرءوا التاريخ فتفيقوا، وأذهبت الأطماع والأحقاد النور عن قلوبكم بعدما خَفَتَ إيمانُها، فلم تعِ أن ما يحدث في المنطقة أمر إلهي لا يستطيعه البشر، وأن الله يمهد الأرض لعودة الخير والعدل والإصلاح بعدما طال الظلم والفساد والاستبداد.
أفيقوا بني قومي قبل أن يقطع حبلٌ جعلتموه سيفًا على رقابكم، إذ إنكم مَنْ سَنَّ شفرته، وقبلما تزأر أسود يُودي بكم زئيرها، فما بالُكم بصولتها التي تستأصل بإذن الله شأفة الباطل ومَنْ يعاونه.
يا من تظنون أنكم على شيء: أنتم لا تملكون أدوات التواصل مع الغرب لنقل ما لديه من نُظُمٍِ مدنية وحضارية تفيد أوطانكم؛ بل أنتم حجر عثرة حالَ دون التواصل معه؛ إذ صار شغلكم الشاغل نقلا بلا وعي ولا فهم لما يناسب أمتكم فأغرقتموها بما لا يفيد من فلسفات سفسطائية، ومصطلحات أوجدت زخمًا جدليًّا عقيمًا لم تنتجه إلا بيئات ثقافية أرادت إقحامها لتوجد بها بيئة ثقافية مماثلة بعيدة عن أصولنا ومُضَيِّعَة لهُويتنا؛ لأنكم عاجزون عن فهم أصول هذه الأمة وثوابتها؛ إذ إنكم أبعد ما تكونون عنها رواية ودراية.
أنتم تزعمون أنكم مِنَّا هُويةً وانتماءً، فأين برهانكم؟
فواقعكم وأفكاركم يشهدان أنكم تُقْصُون الدِّيْنَ وتُفرغون الذات العربية الإسلامية من الوعي بأصولها، وإنما يأتي مسعاكم لتفريغ الساحة الفكرية، ثم ملؤها بتُرَّهاتِكم وأباطيلكم، ليسهل عليكم إعادة تشكيل الهُوية، ووضع مفرداتها الفكرية وفقًا لمنطلقاتكم وأجندات مَنْ َرَبَّوْكُم على أعينهم.
والويل لمن لم يُفق من سباته، فما زال في قوس الإفاقة منزع، فدماء الشهداء لا تقبل أن يتلاعب بها أمثال هؤلاء، لأن للدم حرمة أعظم من حرمة الكعبة، وهل هناك على الأرض أقدس وأعظم من الكعبة؟! ويلكم ثم ويلكم، أين تذهبون من الله ثم من شعوبكم؟
فإلى أدعياء الوطنية وهم ألد أعدائها، الذين يعتلون منابر الإعلام وهم أكابر مجرميها أسوق هذا البيت، للتناص مع أحداث استشهاد الشباب الذين نالتهم يدٌ ليست بمنأى عن القصاص.
إن بالوادي الذي به القَصْرُ لشهيدا دَمُه ما يُطـَلُّ
وهذا استدعاء لبيت قديم:
إن بالوادي الذي دون سَلْعٍ لقتيلا دمه ما يطل
فالدم لا يبرد؛ إذ مازال حارًّا ينادي بالثأر ممن سفكه، وإن الشاعر جعل تلبية هذه الصرخة دَيْنًا في عنقه وعهدا لا ينحل حتى يُنفذه.
-------------------
مدرس بكلية الآداب واللغات الشرقية بروسيا