المصريون خير أجناد الأرض، فهم الذين هزموا الصليبين وردوهم خائبين، وقضوا على الزحف المغولي وأسروا لويس التاسع، هل تراهم يقعون فيما أعدَّه لها أعداؤهم بعد كل هذه القرون، قرأت لكم مؤخرًا كلمات فأردُت أن أنقلها إلى كل مصري حتى يعلم أن ما يحدث ببلده الآن ليس مجرد اختلاف من أجل مصر أو اختلاف على حكم مصر؛ لأنني استمعت وقرأت كلمات لمفكرين وحكماء كثر ينصحون القوى السياسية بأن يختلفوا لها لا عليها، ولقد رأيت أن الخلاف قد يكون عليها لمصلحة غيرها فأحببت أن أرسل صرخة استغاثة لينتبه الغافل ويستيقظ النائم، ويعرف كلٌّ منا راسه من ساسه.

 

أول ما قرأت لكم: كلمة لويس التاسع التي قال فيها: "إنه لا سبيل إلى السيطرة على المسلمين عن طريق الحرب أو القوة؛ وذلك لأن في دينهم عاملاً حاسمًا هو عامل المواجهة والمقاومة والجهاد وبذل النفس والدم الرخيص في سبيل حماية العرض والأرض، وأنه مع وجود هذا المعنى عند المسلمين فمن المستحيل السيطرة عليهم لأنهم قادرون دومًا- انطلاقًا من عقيدتهم- على المقاومة ودحر الغزو الذي يقتحم بلادهم، وأنه لا بد من إيجاد سبيل آخر من شأنه أن يزيف هذا المفهوم عند المسلمين، حتى يصبح الإسلام مفهومًا أدبيًّا ووجدانيًّا حتى يسقط خطورته واندفاعه، وأن ذلك لا يتم إلا بتركيز واسع على الفكر الإسلامي وتحويله عن منطلقاته وأهدافه حتى يستسلم المسلمون أمام بقاء القوة الغربية وتروَّض أنفسهم على تقبلها على نحو من اتجاه الأهواء والصداقة والتعاون".

 

ونحن إذا حاولنا أن نسقط كلام لويس التاسع على واقعنا المعاش داخل مصر الآن لوجدنا أن لويس وأتباعه وأتباع أتباعه استطاعوا بكل مهارة واقتدار أن يوجدوا السبيل الآخر الذي زيف مفهوم الإسلام عند بعض المسلمين، وجعلوه مفهومًا أدبيًّا في عقولهم ووجدانيًّا في قلوبهم، يتضح هذا من تصريحات العلمانيين والليبراليين في رفضهم الإسلام والمسلمين جملةً وتفصيلاً، ومن ثَمَّ رفضهم الدستور الذي يُكرِّس للدولة الدينية على حدِّ زعمهم، الدولة التي تنص في دستورها صراحةً أنها رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً.

 

فهم يريدون تدينًا داخل المسجد داخل القلب، ولا يريدون أن يروا لهذا التدين أثرًا في واقع الحياة، يريدون أن يفرضوا على المجتمع قيم الغرب وعاداته وتقاليده وتصوراته، وكأنهم مبرمجون لفعل هذا الأمر ومستعدون للتضحية في سبيله بالغالي والنفيس، للأسف روضت نفوس هؤلاء في الغرب وأصبح الإسلام في تصورهم شيئًا معنويًّا وجدانيًّا لا يغني ولا يسمن من جوع.

 

والأدهى من ترويض هؤلاء لرفض دينهم والدعوة إلى مفاهيم غربية منبَتَّة الصلة عن ديننا وعن عاداتنا وتقاليدنا، تطور الأمر حتى أصبح الغرب يحاربنا بهم، حاربنا بهم منذ الحملة الفرنسية على مصر حتى الآن إلى أن وصلنا إلى ما نحن فيه من انقسام يُـتَّهم الآن التيارالإسلامي بأنه المسئول عن حالة الاستقطاب الحادة الموجودة في الشارع. بل أصبح المسلمون متهمين بالاتجار بالدين لتضليل المسلمين بدعوتهم إلى التمسك بدينهم وعدم التفريط فيه. هل نسيتم معركة الدستور أولاً؟ ألم يكن الهدف من هذه المعركة سلق دستور علماني 100% يحفظ للعلمانيين والشواذ والمثليين ومعابد بوذا والهولوكستيين حقوقهم في مصر، أما حقوق فقراء المصريين مسلمين كانوا أو مسيحيين فهذا أمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد. هل نسيتم الكذب والخداع الذي ظل بنو علمان يرددونه ويضللون الشعب به بقصد ضرب الإسلام والوحدة الوطنية في مقتل، أول هذا الكذب: رفع شعار الدولة المدنية مقابل دولة دينية كهنوتية يحكم فيها باسم الرب، مع علمهم أن الإسلام لم يعرف الدولة الدينية الكهنوتية وأن هذه الثقافة خاصة بالديانة المسيحية ولا تمت للإسلام أو المسلمين بصلة. فهل اختلف الإسلام مع معتنقيه أم اختلف بعض معتنقيه معه، فالإسلام بمفهومه الفلسفي العلماني هو الصحيح عندهم، وحرية ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن أمر يرتضيه الأب لابنته ما دامت راضية عنه.. وآخره: رفضهم لدستور الثورة والتشنيع عليه بأبشع الصور؛ لأنه أبى إلا أن يجعل من الشريعة واقعًا عمليًّا يعيد للأمة مجدها ومكانتها. أو لأنه أبى أن يجعل من الإسلام واقعًا فلسفيًّا وجدانيًّا وهذا بالطبع يعطل مسيرة السيطرة على المسلمين وإضعافهم. وأبى إلا أن يكون عادلاً منصفًا للفقراء والمطحونين، وأبى إلا أن يحفظ اختيارات الشعب ببقاء الدكتور مرسي رئيسًا حتى آخر فترته الرئاسية، وأبى إلا أن يقيم العدل بين فئاتِ الشعب في الحصول على الوظائف.

 

فهل تدرك النخبة المعارضة أنها تنفذ مخطط لويس التاسع الذي حالت شجاعة وبسالة المصريين قديمًا بينه وبين تنفيذه في مصر؟ وهل يدرك الشعب المصري حجم المخطط الذي يراد له؟ وهل يأسر المصريون لويس التاسع مرةً أخرى في دار ابن لقمان بعودتهم إلى عامل الحسم عامل المواجهة والمقاومة والجهاد وبذل النفس والدم الغالي في سبيل حماية العرض والأرض من لويس وأتباعه بقول "نعم للدستور" ورفض "لا"، ولكن دون مساسٍ بأي مواطن آخر حتى ولو كان مقتنعًا بـ "لا"؟ لأن الغمة ستزول عن قريبٍ إن شاء الله، وسيتذكر كلُّ من صوت بـ "لا" قول الشاعر العربي الأصيل: 

 

                ستعلم حين ينكشف الغبار       أفرس تحت رجلك أم حمار؟

 

ولا يسعني إلا أن أُذكِّرَ كل مصري أصيل بقول الله سبحانه وتعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران: من الآية 103).