في ذكراها الثانية، حادت الثورة التونسية عن أهدافها، لم تتحقق التنمية، لم تنجز الوعود، عاد الاستبداد، والإشاعة تملأ البلاد وتخوف الناس، لا شيء تحقق، بل كل ما تحقق أن ألقى بعض من شباب سيدي بوزيد، في هذه الذكرى التاريخية، بالحجارة على رجال وقفوا ضد المخلوع منذ سنوات وقاوموه، ألقى بالحجارة بعض من الذين لم يرفعوا رؤوسهم مطلقًا حتى أمام صورة الهارب، ومن خوفهم آنذاك لم ينخرطوا إلا في لعب الورق في المقاهي، أو في إبداعات تحاليل المقابلات الرياضية، والحكومة نادت في بعض من المواقف بأن هناك من يعطّل عملها، وكان استحياؤها في إعلان عدوّها سببًا وجيهًا؛ لأن يقوى ويقوى، ويضربها في الخاصرة، نعم في الخاصرة، بمعنى أن يعمّق من الهوّة بينها وبين الفقراء والمستضعفين، والمهمّشين في الجهات.

 

 بكل بساطة إنها الثورة المضادّة، الثورة التي ترافق كل ثورة، تعمل على إضعافها إلى حدّ الانقضاض عليها، وبقدر ما يكون الثوار ضعافًا بقدر ما يكون وقت هزيمتهم أقصر، وهذا ما تبدو عليه حكومة ثورتنا في تونس، يحتاج الأمر إلى الحسم، الحسم من أصحاب الثورة أو أصحاب الثورة المضادة، لتنتقل الدول من وضعها الانتقالي إلى الوضع اللا مؤقت، وللأسف فإن الحسم في أغلب الثورات كان عنيفًا ودمويًّا أيضًا، ولم يكن غير ذلك، إنها متطلّبات المرور إلى وضع طبيعي، المهادنة وخطابات الكتب لا تجدي، وعبارات الودّ والحبّ ليست سوى مجرّد أوهام.

 

 فقد ترنحت الثورة الفرنسية لمدة عشر سنوات كاملة (1789 إلى 1799)، كُتب دستورها بعد أربع سنوات من قيامها في 1793، وتعثّرت الثورة؛ لأن الثورة المضادة كانت قويّة، فقام الثوّار بإعدام كل من اعتبروه ضدّ الثورة وفاق عددهم 15 ألفًا (وفي بعض المراجع 40 ألفًا) في عملية سمّيت "بسيطرة الإرهاب" ومن بين الذين أعدموا لويس السادس عشر.

 

وقد ووجهت الثورة البلشفية، سنة 1917، بثورة مضادّة لمدّة أربع سنوات من طرف أنصار النظام القيصري والقوى السياسية المعارضة التي كونت "الجيوش البيضاء" ووجدت مساندة خارجية من طرف الحلفاء الذين تخوفوا من تسرب الثورة خارج أوروبا، وللتصدّي لهذه الثورة المضادة فقد قام "مجلس مفوضي الشعب" بإقرار سلسلة من الاعتقالات لكل من زعماء المعارضة وقادة المناشفة والحزب الاشتراكي الثوري وحبسهم، وفي 20 ديسمبر أسس لينين لجانًا استثنائية من شأنها مواجهة الثورة المضادة سميت في ما بعد (الشي كا)، وهو الأمر الذي يعتبر كنقطة بداية لقضاء البلاشفة على كامل أعدائهم ومعارضيهم، وقامت هذه اللجان الاستثنائية بالتصدي لكل أعداء الثورة من ممثلي الفئات الغنية والمتوسطة للمجتمع الروسي والمثقفين ورجال الدين والضباط المشتبه بمعاداتهم للسلطة الجديدة، ومع ذلك فقد تمكنت الجيوش البيضاء من السيطرة على ثلاثة أرباع التراب الروسي.

 

 وفي ثورة إسبانيا عام 1936 فقد تراجع الجمهوريون ومعه بدأ تراجع الثورة وتقدمت قوات فرانكو المدعومة من ألمانيا وإيطاليا حتى انتصرت نهائيًّا وقضت على الثورة في بداية 1939.

 

وكانت ثورة مصدق في إيران سنة 1951، ثورة مدنية حقيقية تحت قيادة "الجبهة الوطنية" وكان من أهم أهداف ثورته هو تأميم النفط الإيراني وتحديدًا شركة النفط الأنجلو- إيرانية.

 

ولكن الثورة المضادّة كانت أقوى فوقع الانقلاب على حكومته سنة 1953، وقام الجنرال "زاهدي" بقصف منزل مصدق وسط مدينة طهران؛ وساعده "كرميت روزفلت" ضابط الاستخبارات الأميركي في إنجاح الانقلاب.

 

وفي ثورة شيلي في السبعينيات التي بدأت إرهاصاتها في الفترة ما بين 1964 و1970، والتي أسفرت انتخابات سنة 1970 عن فوز الثوري "سلفادور اليندي".

 

وقد رأت قوى الثورة المضادة ومن بينها البورجوازية أن حكم "اليندي" يمثّل تهديدًا خطيرًا لوجودها، وقامت بشن هجوم مضاد منظّم ضد العمال وحكومة الوحدة الشعبية معًا شمل سحب رؤوس الأموال وتعمد تخزين السلع لخلق اختناقات اقتصادية شديدة، وتنظيم مظاهرات عديدة ضد النظام، وقد قرّر "أليندي" لمجابهة الثورة المضادة، بضم العديد من الجنرالات لوزارته وأعلن حالة الطوارئ سنة 1973، ولكن الجنرال "بينوشيه" أحد أعضاء الحكومة الجديدة قام بانقلاب دموي في تشيلي قتل خلاله 30 ألف شخص أغلبهم من المناضلين الاشتراكيين والنقابيين خلال الـ12 شهرًا التالية للانقلاب، كما تعرض الآلاف للاغتصاب والتعذيب والموت جوعًا، وانتصرت الثورة المضادة.

 

والثورة الصينية 1949، شهدت هي الأخرى ثورة مضادّة هامّة، قادها أحد قادة حرب التحرير من الاحتلال الياباني الجنرال "تشان كاي تشيك" ضد شريكه في الحرب الزعيم الشيوعي "ماو تسي دونغ"، الحرب الأهلية التي قاد إليها هذا الخلاف نتج عنها تقسيم الصين إلى بلدين بعد هزيمة "تشان" وتأسيسه للصين البديلة في تايوان، تكرر الأمر ثانية في ثورة مضادة أخرى قادها رفيق ماو وأحد كبار مسئولي الحزب الشيوعي "دينغ هسياو بينغ" صاحب المقولة المشهورة "لا يهم إن كانت القطة سوداء أو بيضاء، فهي جيدة طالما تصيد الفئران"، وقد قام "ماو" بالتصدي للثورة المضادة بإطلاق ملايين الطلبة من المدارس العليا والجامعات؛ ليخدموا كحرس حمر ولكنهم سببوا الفوضى في البلاد، دافعيين بالصين إلى حافة الانهيار في الستينات والسبعينات، ربح ماو معركته مؤقتًا مع دينغ الذي عاد بعد وفاة ماو ليتصدر الصين ويوصلها إلى ما هي عليه الآن.

 

وفي الثورة الكوبية وبعد انتصارها أصبح فيديل كاسترو رئيسًا للوزراء في 1959، وفي نهاية 1960 وللتصدي للثورة المضادة، فقد قام بإغلاق جميع الصحف المعارضة، وأصبحت محطات الإذاعة والتلفزيون تحت سيطرة الدولة وسجن ما يقارب من 20 ألف منشق كل عام، وتشير إحدى التقديرات إلى إعدام نحو15 ألفًا إلى 17 ألف شخص في تلك الفترة.

 

وفي الثورة الإيرانية الإسلامية سنة 1979، بادرت قيادة الثورة في البداية، لحماية ثورتها، إلى تصفية كبار الجنرالات، وبعد شهرين أعدم أكثر من 200 من كبار مسئولي الشاة المدنيين بهدف إزالة خطر أي انقلاب، وتم إغلاق عشرات الصحف والمجلات المعارضة للحكومة، كما فصلت الدولة حوالي 20 ألفًا من المعلمين وتقريبا 8 آلاف من الضباط باعتبارهم "متغربين" أكثر مما يجب.

 

في أغلب الثورات، الحسم هو الآلية الوحيدة لإقرار مصير الثورة، ولكما كانت سلطة الثورة قوية وجريئة فإن الحسم أسهل، وكلما ضعفت سلطة الثورة فإن الثورة المضادة ستقوى، وتساوي القوى لن يفرز مجتمعًا آمنًا، وإنما يؤسس للفوضى الاجتماعية، وللبؤس والسقوط الاقتصادي، فهل تقدر حكومة يلقى رئيس دولتها ورئيس مجلسها التأسيسي بالحجارة، ويهان وزرائها يوميًا في الإعلام على قلب المعادلة وإيجاد طريقة حسم عادلة؟

--------------------

* drkahri@gmail.com