يقول تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36)) (النور).
أولاً: مكانتكم أيها الدعاة:
أنتم في مقام النبوات والرسالات يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) (الأحقاف).
يقول أ.د/ محمد عمارة: أخطر حزب في مصر هو حزب صلاة الجمعة.
أعداؤنا يدركون ذلك.. فأي مفكر يكتب والقارئ يقرأ ليقبل أو يرفض- ولكن الأمة حين تدخل بيتًا من بيوت الله تُسلم عقولها وقلوبها للداعية الذي يقف علي المنبر- هذه هي الرسالة التي تشرفون بحملها رسالات الأنبياء والرسل.. نحتاج إلى وقفة نتعرف على اللحظة التي تعيشها أمتنا.
كثيرون يظنون أن ثورة 25 يناير هي في حدود مصر وجغرافية مصر, والواقع أنها ليست ثورة في حدود مصر وجغرافية مصر.
هذه الثورة (النهضة) فتحت نافذة لنهضة إسلامية حضارية للشرق الإسلامي سيستعيد بها مكان الريادة والقيادة للشرق الإسلامي بين الحضارات العالمية.
يقول الشيخ البنا رحمه الله: وأنا نشرت ذلك: (كانت الحضارة في البداية قيادتها شرقية, ثم انتقلت على يد الأغريق والرومان إلى الغرب, فلما ظهر الإسلام عادت قيادة الحضارة إلى الشرق ثم غفا الشرق غفوة كبرى فانتقلت قيادة الحضارة إلى الغرب وتحت رايات الإسلام، وفي ظلال القرآن ستنتقل قيادة الحضارة مرةً أخرى إلى الشرق, نحن على أبواب هذه المرحلة التاريخية الفاصلة, واللحظة التاريخية الفاصلة.
ولذا قال أحد الإعلاميين المفسدين.. كل الجهد الذي نبذله في الفضائيات والجرائد والإصدارات مع آلاف وملايين الناس تمحوه من الأذهان خطبة جمعة واحدة.
ثانيًا: مكانة مصر وقوتها:
مكانة مصر التي تؤكد أنها حتمًا ستتعافى من كل هذه المحن وتخرج من هذه المنعطفات إلى قيادة الإنسانية وريادتها.
1- لأن مصر بلد الخزائن: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)) (يوسف).
يقول أبو بُصرة الغفاري: مصر خزائن الله في الأرض كلها وسلطان مصر سلطان الأرض كلها.. ألا تسمع لقوله الله تعالى (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ) ففعل فأُغيث بمصر يومئذٍ كل حاضرٍ وبادٍ من جميع الأراضين.
فائدة: في قوله تعالي (خزائن) ولم يقل (خزينة الأرض) قال العلماء لأن مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي تصلح لجميع أنواع الاستثمار (استثمار زراعي- صناعي- تجاري- بشري).
أ- استثمار زراعي: الصحراء الغربية من إسكندرية إلى ليبيا (تقرير د/ الشافعي بشير أستاذ القانون الدولي) هذه الصحراء تصلح لزراعة القمح على ماء المطر الذي ينزل عليها في موسم الشتاء 4 مرات كافية لإنتاج القمح, نحن نحتاج طيران يبذر قمح وحصادات لحصد القمح.
وهنا تجد أن مصر من أوائل الدول في إنتاج القمح- وكانت رقم (1) في هيئة الأقطان العالمية في إنتاج الذهب الأبيض (القطن المصري طويل التيلة)- ورقم (6) في إنتاج الغاز الطبيعي.
ب- استثمار بشري: في خارج مصر 80 ألف عالم مصري في قيادة فروع العلم والمعرفة في العالم... إلخ.
حقيقة من الآيات: ذكرها لي د. محمد الجزار من البحيرة يقول كنت في اليمن منذ عشرة أعوام فقال لي أحد شيوخ اليمن: (إذا خربت مصر لم يستطع العالم كله إعادة إعمار مصر - وإذا خرب العالم كله استطاعت مصر إعادة إعمار العالم كله).
إنها الحقيقة فالذي يملك الخزائن يُعمر من عنده خزينة واحدة أما العكس فلا يكون.
2- لأن مصر بلد الأمان: (وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) (يوسف: من الآية 99).
3- لأن مصر بلد الوحدة: إن المتأمل في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يجده دائمًا يقول (فإنهم- فأهلها- فجندها- فهم في رباط...) ولم يقل فإن المسلمين فيها؛ ولذلك لا يوجد في عقيدة المسلمين ما يُسمَّى الفتنة الطائفية- بل هي من اختراع "نظام العار".
4- لأن مصر بلد القوة: للحديث (فإن جندها خير أجناد الأرض).
5- لأن مصر بلد العون للغير: قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص عندما أراد فتح مصر - (إنك إن فتحتها كانت عونًا للإسلام والمسلمين).
6- في التاريخ: عقب أحداث كنيسة إمبابة كنت أجلس مع أستاذي ومعلمي رائد الفكر الإسلامي المعاصر أ.د/ محمد عمارة. فقلت له أنا قلق مما يحدث وخايف على مصر - قال لي إن مصر سوف تتعافى بإذن الله كما ذكر ذلك المقريزي- يقول كانت تحدث الحرائق في المساجد بالعشرة مساجد- ثم تحدث في الكنائس بنفس العدد أو يزيد- وعافى الله مصر.
- إن مصر محفوظة؛ لأنها تحتوي على خزائن الأرض كلها.
يقول الجاحظ: "لو ضُرب سور حول مصر "يعني كناية عن شدة الحصار الاقتصادي" ما احتاجت لأحد أبدًا.
يقول جون ماكين الأمريكي الصهيوني الذي كان في زيارة لمصر بعد الثورة: "إن الأحداث التي تحدث في مصر الآن هي الحدث الأهم منذ سقوط الدولة العثمانية وستكون لها تأثيرات علي الشرق والعالم كله".
ثالثًا: خطوات المرحلة (الواقع):
إعلام فاسد- تشوية صورة الإسلام- ترهيب الناس من الشريعة.. صراع (علماني- ليبرالي- اشتراكي) ضد الإسلام.
وأخطر شيء في هذه المرحلة أننا اقتربنا من مرحلة الخلافة الراشدة كما في حديث الإمام أحمد "ثم تكون خلافة راشدة ....".
- هجوم شرس على أفضل دستور إلى الآن بشهادة الجميع.
رابعًا: الدور المطلوب (الواجبات):
1- الوحدة: أيها الدعاة بجميع أطيافكم.. أعداء الشريعة "تفرق شملهم إلا علينا", فالوحدة- الوحدة.. ولا ينبغي لأحد أن يترك أخاه في الميدان بمفرده.. حتى لا يقول "أكُلت يوم أكُل الثور الأحمر".
2- التجرد: فليس هناك مرشح من فصيل دون فصيل, وليس هناك مرشح لا تعرفه فتقول انتظر حتى أعرف هذا المرشح من هذا - إن المرشح في هذا الاستفتاء هو الإسلام وشريعته الغراء, التجرد.. التجرد.. قد تتشكك في المرشحين ولكن مرشحنا اليوم هو الإسلام.
3- عدم الاغترار بالكثرة, فيكون الكسل والفتور والتسويف وعلينا باللجوء والتضرع والدعاء إلى الله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)) (التوبة) ٢٥.
واهرعوا إلى مسبب الأسباب بعد الأخذ بالأسباب, كما فعلت مريم (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)) (مريم)، إن التقاعس عن هذه المهمة يعني انتكاسة وعودة إلى نقطة الصفر.. بل وما قبل الصفر.
4- لا يُرهبكم فساد الإعلام فأنتم أقوى وأقدر.. فالمبدأ الحاكم لهم الكذب كما قال الله عنهم: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)) (الواقعة)، ومبدأكم الحاكم (اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: من الآية ١١٩).
5- ليكن شعاركم في هذه الأيام العشر- أسأل الله أن تكون لكم أيها الدعاة كما العشر الأول من ذي الحجة- مضى عهد النوم.
حدثوا الناس في أفراحهم وأتراحهم وصلواتهم وخلواتهم فالشريعة معهم في كل مكان, لا يوجد في التشريع الإسلامي فراغ تشريعي, فالشريعة مع الإنسان قبل أن يولد "اختيار الزوجة" وبعد الولادة, وحتى يواري التراب.
6- لا عذرَ لكم بعد جو الحرية الذي نعيشه الآن.. أروا الله من أنفسكم خيرًا.. أروا الله من أنفسكم خيرًا, فأنتم أول من يُسجن بسبب الاستبداد وهذا الدستور الوحيد الذي يفتح أبواب الحرية علي مصراعيها.
7- رد شبهة: قد يثير البعض في وجوهكم تساؤل هل هذا الدستور فيه ما يطمئن إخواننا الأقباط: قولوا لهؤلاء... طالما أن الدستور نص على أن الشريعة مصدر التشريع فليتأكد الجميع أن جميع الحقوق لجميع الناس في الشريعة ضرورات لا حقوق.
إن الشريعة لا تدغدغ الوحدة الوطنية كما يُصور إعلام الفتنة.
اذكروا لهم أيها الدعاة والخطباء هذه المواقف بعد أن تقرأوها جيدًا:
أ- موقف طعمة بن أبيرق: وسرقة الدرع وينزل القرآن: (وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)) (النساء)، هل هناك تشريع يفضح أحد أبنائه لصالح أحد أعدائه!!.
ب- قال عمر بن الخطاب للقبطي- الذي ضرب بن عمر بن العاص ابنه- خذ هذه العصا واضرب عمر بن العاص.
ج- يحكم القاضي شريح بالدرع لليهودي، وكان خصمه في ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
د- أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كلها التي تحدَّث فيها عن مصر, لم يقل المسلمين في مصر ولكن كل أحاديثه صلى الله عليه وسلم بهذه الألفاظ (فإنهم- فهم- فكلهم- في رباط إلى يوم القيامة- جندها...).
8- أيها الدعاة والخطباء اطمئنوا: فقد حان وقت رحيل الأحزاب من حول المدينة، وها هي بوادر الرياح والأعاصير.. إن العلمانية وغيرها في مصر تلملم أوراقها.
يقول أ.د/ محمد عمارة: إن الشيخ محمد عبده يدعو تيار التقليد للغرب إلى الإقلاع عن محاولاتهم: "فالبذرة الغربية غير صالحة للإنبات في التربة الإسلامية.. والإسلام هو السبيل الوحيد للإصلاح في أمة الإسلام وواقع المسلمين؛ ذلك أن أنفسهم قد أشربت الانقياد إلى الدين حتى صار طبعًا فيها.. فكل مَن طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرًا, غير صالح للتربة التي أودعه فيها, فلا ينبت, ويضيع تعبه, ويخفق سعيه".
وفي الختام: أيها الخطباء والدعاة إن الحرب المعلنة الآن على الإسلام والمسلمين اشتدت ضراوتها, وهذه فرصتكم الآن لخوض غمار معركة, النصر فيها مؤكد (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21))) (المجادلة).
هذه رسالة سريعة لضيق الوقت, ولكن أثق في ذكائكم المتوقد وسرعة بديهتكم, فهذه فرصتكم.. فالعلمانيون لا ينامون ويبذلون ويضمون من أجل علمانيتهم الفاسدة، وكذا الليبراليون وغيرهم, أيها الدعاة إن الخَطْب جلل فاقدروا للأمر قدره، والله ولي ذلك والقادر عليه, إنه خير مسئول وأكرم مجيب".
-----------
* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والباحث في العلوم الشرعية