إذا قلّبت في صفحات البرنامج الانتخابي للرئيس "محمد مرسي" فإنك ستقف على حقيقة ما يجري الآن على ساحتنا السياسية.
فالبرنامج واقعي وشامل ويستطيع أن يحوِّل الشعارات النظرية إلى واقع جميل يعيشه الناس.
وإذا كان مؤيدو "الرئيس" قد وضعوا البرنامج على أرفف مكتباتهم فإن الخصوم والأعداء يضعونه أمام أعينهم مع أول رشفة لقهوة الصباح.
كانت بوصلتهم من أول يوم موجهة لإفشال "الرئيس"، وكانت معاول الهدم الداخلية واضحة، تتمثل في بيروقراطية فاسدة متمكنة من مفاصل الدولة، وإعلام مساند لرأس المال الحرام، ومعارضة طائشة- في أغلبها- تحولت من "الخصومة السياسية" إلى "العداوة الوجودية"، ولوثت نفسها بالتوحد مع النظام السابق وتوشك أن تدخل في أحضانه لتتحول إلى جزء منه بعد أن جلبته (للميدان) ليصبح النظام البائد جزءًا من المعارضة الثورية!!.
لكن كوادر "مبارك" هم الأكثر خبرة ومالاً والأوفر عددًا بجيوش البلطجية المنظمة التي يقودها رجال أمن الدولة، وبالتالي فإن مائدة المفاوضات حين تجمع المعارضة التي كانت ثورية، مع الهيكل التنظيمي لرجال "مبارك"، فإن موازين القوى ستفرض نفسها، وحالة الضياع التي ظهرت جلية على هذه المعارضة ستجد لها ملاذًا آمنًا في حضن "الحزب الوطني المنحل "بمشروطيته السياسية، تمامًا كفتاة الأفلام العربية التي تهرب من أهلها بسبب خلافها مع زوج أمها فتجد ملاذًا آمنًا في "بيت دعارة" يوفر لها متطلبات حياة رغدة بشرط التنازل تمامًا عن شرفها.
والواقع أن معاول الهدم الثلاثة السابق ذكرها (البيروقراطية- الإعلام- المعارضة العنيفة) ليست هي التحديات الكبرى التي يواجهها "الرئيس" لأنه إذا تغلب على تحدياته الحقيقية، فستسقط بالتبعية معاول الهدم الثلاثة وتدخل جحورها.
وتحديات "الرئيس" الحقيقية أولها :"الداخلية":
فالتجربة الواقعية الآن قد أظهرت نتائجها التي تؤكد أن جيلين على الأقل من ذوي الرتب العليا غير مؤهلين لقيادة "الداخلية" في حقبة ثورية ديمقراطية نظيفة، كما أن الفساد بكل أشكاله قد استشرى في جنبات الشرطة حتى تحولت من قلعة تحارب الفساد إلى أكبر بؤرة فساد، بل إلى (حاضنة) تحمي الفاسدين وتهدر أحكام القضاء في ملاحقتهم.
والحلول المطروحة قبل انتخاب "الرئيس" كانت أغلبها خيالية، من أمثال تعيين خريجي الحقوق بعد دورة 6 أشهر، أو قبول متطوعين لتنظيم الأعمال المدنية، فالواقع أن أي حل لإصلاح الداخلية من الخارج ستكون عواقبه وخيمة، وستحوّل أفرادها إلى طاقة إفساد جهنمية تأكل الأخضر واليابس، من هنا كان ينبغي أن يكون العلاج من الداخل، وعبر فرض القانون وتأسيس سلطات الدولة بحيث تتكتل كلها على ترشيدهم ومحاسبتهم ومراقبة أعمالهم فيخضع الفاسد لرهبة القانون، وينشأ الجديد على احترامه. فحرص "الرئيس" ودأبه على تأسيس الدولة أصبح "قضية أمنية" بجوار كونه "قضية سياسية"، لذا علينا أن نكف عن مطالبتنا للرئاسة بإصلاح الجهاز الأمني وتطهيره بشكل صدامي أو فجائي، فهذه أمنية لا يمكن تحقيقها إلا بفرض مؤسسات قوية للدولة تجبر الجميع على احترام الواقع الجديد.
والتحدي الثاني "إصلاح القضاء":
فالقضاة فيما يبدو قد قرءوا الآية "وإذا حكمتم (بين الناس) أن تحكموا بالعدل" ولكنهم فهموها على أن العدل فقط سيكون (بين الناس)، أما بينهم هم بوصفهم قضاة فينبغي أن تُفتح لهم كل أبواب الرغد والجاه وأنهار الأموال، ولا مانع من اختلاط السلطة القضائية بالسلطة التنفيذية، بل وزواجهما الكاثوليكي الذي رعاه "مبارك" وما زالت أصداؤه وآثاره حتى الآن.
فالانتدابات بالوزارات للقضاة، والاستثناءات وضمان تعيين الأبناء والأقارب بالقضاء، واعتبار القضاة الكبار وسائط معتبرة في التعيين بالجيش والشرطة والمؤسسات الكبرى، كل هذه الاستثناءات تحصلوا عليها من "مبارك"، لذلك فمثل هؤلاء القضاة الكبار ومعهم فريق كبير من الشباب غير المؤهل والمعين بالمحسوبية، لم يؤيدوا الثورة، وبالتالي لا يؤيدون "د. مرسي" لأنه رفع شعار "استقلال حقيقي للقضاء"؛ حيث سيكون هذا وبالاً عليهم (من وجهة نظر المستفيدين) وليس تمييزًا لهم كما يتصور البعض (من المستقلين)، فهذه الفئة تفضل زواج (التنفيذية/القضائية) على الاستقلال الذي هو أمل كل قاضٍ حر.
إذن، فمنطقي أن يكون زعيم المرحلة هو "أحمد الزند"، ومنطقي كذلك أن يستعصي هؤلاء على الاسترضاء حتى بعد إلغاء "الإعلان الدستوري" الذي رفعوه شماعة يبررون بها إضرابهم، واشتغالهم الواضح بالعمل السياسي، وإلا فلماذا لم يعودوا فورًا إلى المحاكم وإلى الإشراف على الاستفتاء؟ أسوة بزملائهم الذين لم ينكلوا عن الواجب الوطني (وهم سبعة آلاف) إلا أن يكون ما يمارسونه هو "عمل سياسي" وليس "عملاً أخلاقيًّا" لمصلحة العدالة كما يزعمون.
بفرض دولة المؤسسات وإقرار "الدستور" سيستقيم هؤلاء راغمين، ثم سيقوى "تيار الاستقلال" ويقود المسيرة القضائية، ليعود القضاء الشامخ إلى عهده قبل أن تعبث به يد "مبارك"، حينئذ سيتم الفرز الداخلي ويبدأ التطهير مع الزمن، لكن أي اقتراح بتطهير صدامي ستكون محصلته كارثية لأنهم يلعبون سياسة ولا ينبغي مجاراة رجال "الزند" في منطقة قوتهم، وإنما ينبغي أن نخلق واقعًا مؤسسيًّا متينًا يفرض على هذه الفئة الخضوع والعمل وفق منظومة جديدة، سيكرهونها نعم، لكنها الواقع الجديد الذي سيفرض نفسه.
إن بناء المؤسسات التي يصر عليها "الرئيس" ستهدم جدرانًا من الظلام تختبئ وراءه البيروقراطية الفاسدة، وسينشئ ميثاقًا للشرف ينظم الإعلام، ويفرض على المعارضة أن تعمل وفق منظومة ديمقراطية، ويومها سيحاسب كل من يلقى بحجر في وجه خصمه، وسيجد البلطجية أنفسهم في السجون بلا رحمة، وستحفظ للدولة هيبتها فلا تقتحم الجرذان أسوار "القصر الرئاسي" بزعم المعارضة.
طريقك صحيح يا سيادة "الرئيس"، فعليك الإصرار والثبات إلى آخر مدى لتحقيق مشروعك، وحينها سيغفر لك شعبك تباطؤ وزارتك، بل سيعرفون طريق التعاون والتساند مع قيادتهم السياسية بدلاً من الاتكاء على الأرائك ومطالبة "الرئيس" "بلبن العصفور".
كتبت هذا المقال قبل التصويت يوم السبت 12 /12، لكن الذي رأيته من الناس في صلاة الجمعة بعد أن حاورتهم في "الدستور" يؤكد أن الشعب سيذهب بمشيئة الله ليقول نعم "للدستور" و"للرئيس" و"للإخوان"، ولكل حر وقف مع مصالح الشعب.