إن بعضًا من التجرد لله والوطن يقود إلى قرار حاسم يغلب إعلان الموافقة على مشروع الدستور المصري.

 

وهذه الدعوة من جانبي ترتكز على مجموعة من الملاحظ بدت من خلال قراءة نص هذا المشروع وبعيدًا عن أحكام كلية عامة تتترس خلف حدود أفعل التفضيل، إيجابًا وسلبًا، فإن المستقر في النظر الدقيق منطقيًّا وعلميًّا أن يسوق الإنسان رأيه الذي يرجحه ويركن إليه مصحوبًا بالدليل.
وقد استقر أن التعليل عند الترجيح ضرورة عقلية وضرورة علمية وضرورة إقناعية وضرورة تواصلية.

 

وفي هذا السياق أذكر مجموعة ما ظهر لي ودفعني إلى دعوة الجماهير المصرية للإعلان قبولاً لمشروع الدستور المطروح للاستفتاء:

 

أولاً: تنبه هذا المشروع إلى هوية مصر الإسلامية العربية بشكل غير مائع ولا منقوص، وهو ما تبدى في المادتين (1-2) على وجه التعيين بما يترتب عليه من استحقاقات أخلاقية وقانونية وتعليمية محكومة برؤية الكون من منظور إسلامي.

 

ثانيًا: رعاية مشروع الدستور للتنوع الحضاري لمصر، في تقدير بالغ للتنوع الثقافي، وتقدير أصحاب الديانات الأخرى، وتراث الأمة المصرية على امتداد التاريخ على ما يظهر من المواد ( 3،46 ،212،213).

 

ثالثًا: اتساق مشروع الدستور مع ما حصله العالم الحديث من تقدم في تعيين ما هية الدولة؛ حيث استقر المشروع على أن مصر دولة وطنية ديمقراطية حديثة، تتأسس على المساواة بين المواطنين على ما يتأسس في المادة السادسة.

 

رابعًا: إلحاح المشروع على دعم الحريات في كل مساراتها، ابتداء بالحريات الشخصية ومرورًا بحرية الإبداع وحرية الاجتماع وحرية التنقل وحرية الإقامة وتشديد العقوبات على المساس بالحريات وصيانتها.

 

خامسًا: تقدير الكرامة الإنسانية، والنص على منع الازدراء أو التعذيب أو التمييز لأي سبب من الأسباب وتقرير عدم التمييز لأي داع من الدواعي.

 

سادسًا: تنبه المشروع لدعائم ريادة مصر، وقد جاء لأول مرة فيه النص على حماية اللسان الوطني، أي اللغة العربية، كما جاء في المادة (12) بنص مفتتح باستعمال جملة: "تحمي الدولة المقومات... اللغوية، وتعمل على تعريب كل العلوم" وكما جاء في المادة الستين.

 

سابعًا: تقليص حدود الرقابة على النشر إلى أدنى حدودها، بحيث يعد هذا المشروع نموذجًا شديد الانفتاح، لأنه حدد الرقابة بحدين هما:

أ- زمان الحرب.  ب- ووقت التعبئة العامة.

 

ثامنًا: تقدير مشروع لإسهام المرأة في بناء الدولة المصرية عصر ما بعد ثورة 25 يناير وحياطتها بصنوف العناية وصيانة الطفولة.

 

تاسعًا: تنبه المشروع إلى سد منافذ صناعة الطواغيت، بما سكن فيه من تقييدات صريحة، وواضحة لصلاحيات الرئيس.

 

عاشرًا: حرص المشروع حرصًا ظاهرًا على تمايز السلطات الثلاث والتنبه إلى أن المشروع يظل عملاً بشريًّا يحتاج إلى مواصلة العمل من أجل التنقيح والتعديل، وهو ما وضع له هذا المشروع آلية لتحقيقه فيما يُسمَّى باسم إجراءات تعديل الدستور.

 

إن مصر الآن تنادي أبناءها جميعًا من باب الحب والوطنية والتاريخ والمجد لكي يضعوها في مقامها الكريم اللائق بها.

 

وإني لأرجو من كل مصري أن يقبل على قبول الدستور باسم تغليب الخير الذي يسكن نصوصه وباسم مروءة المصريين التي جبلوا عليها ولا سيما عندما تلجأ إليهم مصر في زمان الشدائد.

* كلية الآداب- جامعة المنوفية.