عجيب أمر هؤلاء الذين صدعوا رؤوسنا ليل نهار بالحديث الناعم الرقيق عن الديمقراطية والسلمية وعدم إدخال الدين في السياسة، ظلوا سنوات طوال يُنظرون ضد تيار الإسلام السياسي بهدف إبعاده وإقصائه بل وحذفه ما أمكن، ثم دارت الأيام دورتها- وما أسرعها- وفجأة تغيرت المقاعد والمربعات والمساحات، حين انتقل التيار الإسلامي بكل ألوانه وأشكاله للمربع الديمقراطي السلمي بقبول التعددية الحزبية وتداول السلطة عبر صندوق الاقتراع واحترام إرادة الشعب أيًّا كانت دون وصاية، على الطرف الآخر انتقل التيار العلماني بغالبية ألوانه وأطيافه إلى مربع التشدد والغلو والانحراف، حين حاول فرض الوصاية على الجميع دون استثناء بمن فيهم رئاسة الجمهورية- الكيان الشرعي الوحيد في مصر لأنه جاء بإرادة الشعب عبر صندوق الانتخاب- وحين انحاز لفلول نظام مبارك ضد شركاء الثورة دون خجل أو حياء بل تبجح غير مسبوق "راجع تصريحات البرادعي: نعم تحالفنا مع الفلول ضد التمدد الإسلامي"، وحين استخدم المال السياسي الحرام في حشد البلطجية والعاطلين والمسجلين خطر والأشقياء لتتحول الجولات السياسية إلى معارك حربية وحين تراجعت الحجة والكلمة وتقدمت الأسلحة النارية الحية وقنابل المولوتوف والسلاح الأبيض ولا أدري لماذا أبيض وهو يؤدي لنتائج كارثية سوداء، وحين سقط شهداء الإخوان بالعشرات والجرحى بالمئات وحرقت فيها المقرات والممتلكات "حرق 28 مقرًّا لجماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة" بسبب التحريض الإعلامي البغيض، وحين حاول ويحاول البعض تحريض الشرق والغرب وربما إسرائيل ضد شركاء الوطن وأخوة العروبة والإسلام- راجع الصحف الأوربية تعليقًا على زيارة بعض النشطاء- وحين أعلن البعض أنه لا سبيل إلا إسقاط الرئيس أو لتكن حروب أهلية!، قد يتساءل البعض لماذا هذا التغير الدراماتيكي المفاجئ والمدهش لهذا المشهد؟ الموضوع ببساطة، أن التيار العلماني أيقن أن الإعلان الدستوري الأخير قد قطع كل الطرق أمام سيناريو إسقاط مؤسسات الدولة الذي رتبته المحكمة الدستورية وبالتالي فنحن ذاهبون لا محالة إلى صندوق التصويت، ونحن نعلم جيدًا أن رصيد التيار العلماني في مصر لا يؤهله لخوض الانتخابات اليوم أو غدًا أو ربما مطلقًا، من هنا تفجرت الأمور وتحول السجال السلمي إلى معارك وحروب مقدسة استخدمت فيها الأسلحة والأدوات المحرمة أخلاقيًّا والمجرمة قانونيًّا والممنوعة ديمقراطيًّا، وبالتالي لم ولن ننتظر منهم تفاهم ولا توافق ولا اتفاق "راجع تصريحات حمدين صباحي: لن نقبل دستور لم نشارك فيه حتى ولو وضعته الملائكة".

 

لذا فالواقع قد فرض فرزًا وتصنيفًا غير مسبوق، عندما كشفت الأغطية وحددت الكلمات والمواقف، فالمشكلة لم تكن في التأسيسية ولا الإعلان الدستوري، المسألة هي باختصار يسقط النظام وتعم الفوضى وتنهار البلاد، المسألة هي يسقط مرسي ونريد انتخابات رئاسية مبكرة، المسالة هي لا للمشروع الإسلامي القادم والجالس على مقعد الحكم، ونعم للمشروع العلماني الفاشل الذي جرب لعقود، الواقع يؤكد أننا أمام مباراة مفتوحة، وبالتالي يجب اللعب بوضوح بعيدًا عن الإرهاب الفكري والابتزاز السياسي، فليكن الصندوق هو الحكم ولتكن إرادة الشعب هي الغالبة، من يأتي به الشعب يشكل الحكومة ويصدر التشريعات ويكون فرق العمل ويفرض برامجه شاء من شاء وأبى من أبى لأنه مسئول ومحاسب ولن يرحمه أحد وفي المقدمة التيار العلماني الذي أخذ كل الفرص وحقق كل الفشل، الشعب أوعى وأذكى من نخبته الفضائية الوهمية، ويوم الاستفتاء ليس منا ببعيد!.... حفظك الله يا مصر....

-----------------------

المستشار الإعلامي لوزير التربية والتعليم