إن الكتابة هذه المرة من نوع جديد، وسنجعل لهذا المقال كلمة سر بيننا، هي تبدو عامية في رائحتها؛ لكنها تاريخية في موادها، ألا وهي: "علبة كشري"، ربما يبدو ذلك غريبا نوعا ما؛  ولكن الأغرب حين تعلم أنَّ قصة هذه العلبة دخلت التاريخ، ومن أوسع الأبواب، فقد حُكي فى تاريخ تأسيس الدول العظيمة أن دولة عظيمة تطل على بحرين ويشقها نهر، فأطرافها مالحة قاسية أمام عدوها، وقلبها عذب بين أبنائها،  قام ذلك البلد العظيم بثورة تحاكت بها الركبان ليل نهار، بل وباتت مثلا للبلاد حولها، الكل أراد تقليدها حين نجحت في الإطاحة بملكها المغرور وزوجته وأبناءه وجنوده.

 

مرت تلك البلاد بأشرس المعارك والفتن والمحن وأمواج البلايا؛  لتستقر وترسو سفينتها، وحين نجح شعبها في اختيار رئيسهم الجديد؛ ظهرت في المجتمع فرق كانت تدعي الوطنية، ولكنها كانت تتخذها سلما لمصالحها الخاصة ، وانكشفت أقنعتها؛ حين باتت ليل نهار تشن الحرب بالكلام وبالسلاح على الرئيس الجديد ومن يدعم رأيه الوطني. وإن كان هذا غريبا فإن ظلال محكمة دارة الندوة امتد من قريش إلى تلك البلد، وبات أهل تلك المحكمة يدبرون ويمكرون للكيد لهذه الثورة ورجالها وشبابها بل وشهدائها، وربما هذا ليس عندي بغريب فهم رجال الطاغية المخلوع؛ عاشوا طوال دهرهم تحت أقدامه حتى أنساهم العدل الذي درسوه، وقلب لهم ميزان الحق الذي أقسموا ليقيموه، فمتى يصلح العطار ما أفسد الدهر؟!

 

وجاء دور"علبة الكشري"...كانت هذه البلاد من قبل تطفوا على فساد فى كل نواحيها حتى شيخ القضاء بات شبح الفضاء؛ تُسال الدماء أمامه، ولا يرى، ولا يسمع، ولا يتكلم، صم، بكم، عمى، إلا على مصالحهم؛ فكوا مجلسا عقده الشعب، وشتتوا فرقا جمعها الناس، وباتوا كالبوم لا يقفون إلا على الخرائب والبيوت المهدمة، في كل ناحية مناحة وشهيد، ووعد ووعيد، وقصاص بات أبعد من البعيد، ...ربما أطلت عليك في "علبة الكشري"؛ إنها تُجهَّز؛ فهي من نوع خاص؛ فلا تقلق.

 

وتوافق الناس على مائة من رجال البلاد لتضع دستورا ينظم حياتهم، وكون الدستور يوضع لبلد ما؛ هذا يعنى استقرار ونهضة وقنطرة عبور للعدل والحق، وهذا لا يروق لمن يسعى فى الأرض فسادا... فبدأت الحرب ثانية ـ وهي الأخيرة فلا تجزع ـ؛ وسقطت أقنعة جديدة، ونخل المجتمع رجاله؛ حتى الرجال المائة؛ لم يكونوا في الحقيقة رجال مائة؛ فقد انسحب من لم تنطبق عليه صفات الرجال، ولا حتى رجال الصفات، والعجيب هنا أن خرج هؤلاء؛ فدخل مكانهم "علبة الكشري" العظيمة، فقد حان وقتها؛ وحين أراد ربك أن يطهر هذا الدستور نفى عنه الخبث، وحين أراد ربك له أن يتم رفع يده بالموافقة جنود الحق، وشهدت على ذلك "علبة الكشري" التى كانت طعام القاضي الكبير المتواضع الذي كان يدير حوارهم.

 

ما أعظمك من قاضٍ  طعامه "علبة كشري"، وما أعظم "علبة كشري" بيد رجل يخط دستور أمة، وما أعظم تلك البلاد التى هي بأعين الله يحميها حيث كانت ويرسى سفينتها حيث مالت، وما أعظم ذلك الدستور الذي يُكتب بأيد متوضئة.

 

دخلت "علبة الكشري"لتكون طعاما لأهل الدستور، فباتت مشكاة للنور، دخلت لتضع قانون الزهد والنزاهة مقرونين في الدستور الجديد للبلد الجديد، دخلت "علبة الكشري" لتشهد كل حبة أرز بها أنها مصرية خالصة، فلأول مرة يكتب دستور مصر أبناء مصر، وليشهد ثومها وبصلها أنهما طعام عامة الشعب ولا تفرقة هنا أو هناك، دخلت "علبة الكشري" ليفتحها المخلصون، ويعلم أن الخير لا يبقى بيننا وبينه إلا حجم غطاء علبة الكشري الرقيق، لكنه يحتاج إلى يد صادقة لتفتحه، لا يد تختلف على حرف أونقطة، وتنسى أن هناك مادة فى الدستور الكبير تدعو على الواقفين أمام عجلة التقدم فتقول:"هلك المتنطعون"، دخلت "علبة الكشري" التاريخ لأنَّ التاريخ لا يسجل إلا رجال المواقف ومواقف الرجال، دخلت علبة الكشري التاريخ، لأنها لها حدود ونهايات؛ فليس الأمر حرية مطلقة وإسراف وظلم وظلمات، دخلت علبة الكشري التاريخ حين كانت طعام أهل التأسيسية العظماء، دخلت "علبة الكشري" التاريخ حين استوت على الحق، وقيل بُعدا للقوم الظالمين؛ فانسحبوا.

 

والآن إن "علبة الكشري" تنادى أهل هذا البلد العظيم ليخرج الناس ليقولوا لأهل الحق نعم للخير، نعم لتقدم البلاد، نعم لمسيرة النهضة والحضارة ، نعم للعدل، نعم لحق الشهداء،  نعم لهذا الدستور الوليد الجديد ، لقد خرج هذا الوليد من رحم التأسيسية ويحتاج الآن إلى من يرعاه، ويكتنفه حتى يعود له أبوه السيد مجلس النواب؛ إن التاريخ عالق بسماء مصر شمالا وجنوبا؛ يكتب ما يدور في جنباتها، إن قومًا واصلوا الليل بالنهار لأجل الوطن ليصنعوا دستورنا رجال بمعنى الكلمة، فهل يكونون أكثر منا وطنية؟؟

 

إن كل فرد يعيش تلك الآونة لابد أن تعيش هى فيه كذلك، ولن  تعيش فيه إلا بعد أن يقوم بحقها ويرفع راية الحق في وجه الباطل الأجوف، إن أهل الباطل يجتمعون في دار الندوة ليل نهار، وإن لكل عصر دار ندوة، وإن لكل مصر منافقين وبائعي دماء وإماء، لا يتحرجون في أن يختبوا خلف النساء، أو يحركوهن في الميادين ليجلبن لهم كل ساقط من الإنسانية والشهامة،  فلا يكن باطلهم أنشط من حقنا، ولينفقوا أموالهم كما شاءوا، فلا تغرنا الأموال ولا العتاد؛ ومنذ متى كان أهل الحق أهل زينة أو بهرجة؟!!!، يكفينا من متاع الدنيا راية الحق فوق رءوسنا مرفوعة، وإن كان بعض البشر يكتم عن الحق والتاريخ شهادته؛ فرب "علبة كشري" أبلغ من مؤرخي بغداد. ونعم الله أكبر و نعم تحيا مصر.

---------

* مدارس الدعوة الاسلامية بسوهاج.