سياسية واقتصادية
التسلط السياسي من كهنة الفراعنة إلى الزند
السبت 8 ديسمبر 2012 04:03 ص
كتب: بقلم: د. جمال حامد محمد
الابتزاز كان ديدن بعض النخب والأفراد للوصول إلى أغراضهم. يمارسون الديكتاتورية باسماء مختلفة لإخضاع الآخرين لهم. نذكر هنا تاريخ الابتزاز فى كل من الدولة الفرعونية وأوربا العصور الوسطى. فى مصر الفرعونية كان الكهنة يمارسون الابتزاز لكل المصريين. الكاهن وسيط بين البشر والآلهة لأنه يخدم فى معبد الإله. وصلت هذه السطوة لدرجة أنه كان لا يتم تنصيب الملك إلا بعد مباركة الكهنة. وكان الملك ينافقهم ويغدق عليهم، فإذا قلل من امتيازاتهم يحرضون الناس للقيام بثورات ضده.
وفى العصور الوسطى كانت الكنيسة تمثل الله فى الأرض. ومن ثم مارست الكنيسة استبدادا باسم الدين، كانت تأخذ عُشْر الدخل على أفراد المجتمع واستغلت ادوات كنسية وأصدر بابا روما صكوك للغفران ودخول الجنة وباعوها للعامة. كانت الكنيسة تقرر عقاب المخالفين بعدم دخول مملكة السماء. واضطهدت العلماء وحكمت على العالم جاليليو بالحرق حيا بعد صلبه لأنه اكتشف دوران الأرض. وكان الملك لا يُرَسَّم ملكا إلا إذا باركته الكنيسة. وإذا اختلف الملك معها فإنها تحرمه من عطفها وتعتبره غير بار بها، ومن ثم يثور عليه الشعب ويتم استبداله.
واضمحلت سطوة الكنيسة كما انتهت سابقتها فى أيام الفراعنة. وطوى الأوربيون صفحة سوداء من ممارسة الكنيسة. وبعد تخلص الأوربيون من هذه السيطرة الكنسية، وجدنا اناسا يمارسون الاستبداد تحت مسميات غير دينية مثل احترام المهنة أو الطبقة. وأخيرا بعد الثورة وجدنا الزند يستغل موقعه فى القضاء وموقعه كرئيس لنادى القضاء كاسلحة يوزع بها جزاءات ولعنات على مخالفيه سواء كانوا رئيس الدولة أو قضاة أو عامة الشعب وذلك تحت ستار احترام القضاء وهيبته وفى حقيقة الأمر يدافع عن روث النظام البائد وذكرياته الخالية. وفيما يلى أمثلة لهذا الأسلوب.
عندما بدأ مجلس الشعب فى أبريل 2012 مناقشة مشروع مقترح من القضاة لقانون للسلطة القضائية بعض مواده لا ترضى الزند، خرج الزند يتوعد بعدم السماح بتكرار انتخابات نظام القائمة. هذا الوعيد عقاب وتهديد لمجلس الشعب على تلك الجرأة فى مخالفة امنيات الزند، بنفس أسلوب الكهنة وكنيسة العصور الوسطى.
عندما حكمت الدستورية بحل المجلس الشعب حدث فراغ تشريعى وأسند التشريع إلى المجلس العسكرى، وهلَّلَ الزند للحكم، رغم أن هذا يعنى استبدال التشريع من مجلس شعب منتخب انتخابا نزيها بمجلس عسكرى غير ديمقراطى. ومن ثم قرر رئيس الجمهورية تفعيل مجلس الشعب، فخرج الزند يتوعد بل وينذر الرئيس باللفظ إذا لم يلغى هذا القرار خلال يومين. هذا الإنذار يشبه أسلوب الكهنة وكنيسة العصور الوسطى.
عندما بدأ هشام قنديل فى تشكيل الحكومة لم يكن المستشار البرعى ضمن المرشحين لوارة العدل، هاجم الزند الرئيس مرسى وتوعده بإنذاره الشهير لو اقصى البرعى من التشكيل. لعنات الزند تشبه لعنات الكهنة والكنيسة فى العصور الوسطى للملوك لأن الترشيحات تخالف مزاج الزند.
وعندما أصدر الرئيس الأربعاء 10/10/12 قرارا بتعيين النائب العام السابق سفيرا بالفاتيكان، تلبية لأحد مطالب الثورة وتحيزا لحقوق شهداء ومصابى الثورة. لم يعجب القرار الزند فعقد اجتماعا وتحدى الرئاسة قائلا ان النائب العام محمود عبد المجيد مقرر اجبارى الى عام 2016 وقال محذرا: إن الصبر الأيوبى نفد، وقال للنائب العام إنك ستباشر عملك يوم السبت 13/10/12 وذلك فى تحدى سافر للرئيس. وخرج الزند بلعناته على رئيس الجمهورية، ووصف الرئيس بأنه "تستهويه المغامرات" وقال فى غطرسة "واهم من يظن أن بين القضاة طنطاوي أو عنان" وهذا يمثل تحديا سافرا للرئيس. أعتقد أن كلام الزند ووعيده فى نفس سياق تسلط كهنة مصر القديمة وكنيسة العصور الوسطى.
وعندما عرضت مسودة الدستور على القضاء خرج الزند يتوعد لوجود مقترح بجعل سن تقاعد القضاة 65 سنة، وتحديد فترة النائب العام، فخرج الزند الخميس 8/11/2012 يقسم بالله أن النائب العام باقى فى منصبه لسن السبعين، ووصف الدستور بأنه عبث واتهم التاسيسية بأنها أداة للتآمر، وهدد بعدم اشتراك القضاة فى الإشراف على الاستفتاء على الدستور إلا بعد تحقيق شروطه، بنفس منهج صب الكهنة وكنيسة العصور الوسطى اللعنات على من يخالفهم.
وصدر الإعلان الدستورى فى 21/11/12 تلبية لدماء الشهداء، وتجنبا للفراغ الدستورى الذى يمكن أن ينشأ إذا حكمت المحكمة الدستورية بإلغاء مجلس الشورى والتأسيسية. انبرى الزند يجيش النادى رأس حربة نحو عصيان مدنى. إذ أنه قرر فى اجتماع النادى تعليق العمل بالمحاكم والنيابات وعدم الاشتراك فى الإشراف على الاستفتاء على الدستور. وبالنسبة لأعضاء "قضاة من أجل مصر" الذين رفضوا الامتناع عن الإشراف على الاستفتاء قرر الزند عقابهم بلعناته حيث أعلن فصلهم من نادى القضاة. وذلك كله تاكيد لأسلوب الكهنة وكنيسة العصور الوسطى.
وبعد أن انتهت التاسيسية من اعداد الدستور، أعلن الرئيس فى 1/12/12عرض الدستور للاستفتاء يوم السبت الموافق 15/12/12. على الفور عقد الزند اجتماعا مع بعض رؤساء نوادى الاقاليم فى 2/12/12 وقررعدم إشراف القضاة على الاستفتاء. ولم يقف الزند عند هذا الحد بل طالب بتطيبق عقوبة الإعدام بحق المتظاهرين السلميين المؤيدين للإعلان الدستورى والاستفتاء من الأحزاب الاسلامية امام المحكمة الدستورية. هذا الرأى بالإعدام خرج من قاضى وليس هتلر، وهذا متوقع من لعنات كهنوتية الزند، والغريب ان الزند لم يجرم الذين تظاهروا امام قصر الاتحادية الثلاثاء 4/12/12 بل كانت بردا وسلاما على قلبه.
كل ما سبق يوضح أن الزند وزع اللعنات على كل مخالفيه فى الراى سواء قضاة أو عامة الشعب أو الرئيس. كما يوضح أن فيروس اللعنة تطور عند الزند من التهديد والإنذارات للشعب بعدم تنظيم انتخابات برلمانية إلى إنذاراته الشهيرة لرئيس الجمهورية إلى حشد القضاة للامتناع عن الإشراف على الاستفتاء ثم الطرد للقضاة المخالفين له من النادى ثم القرارات العنترية بالإعدام لمخالفيه. هذا يبين أن السلالة الكهنوتية للزند تتطور وفيروس اللعنات يزداد حدة. إن هذا يستلزم معرفة أصل الجينات المتسلطة لدى الزند. هل يمكن أن نأمن الزند بعد ذلك على المتقاضين أمامه فى منصة المحكمة؟. والأهم ما مدى انتشار فيروس لعنة الكهنة وكنيسة العصور الوسطى بين النخبة من المعارضة المصرية؟. إنه سبب جوهرى من أسباب رفض النخبة للديمقراطية بعد الثورة؟
-----------
* الأستاذ بكلية التربية جامعة سوهاج.